تتابع الأوساط السياسية والدبلوماسية عن كثب مشاركة وفد حكومي رفيع في أعمال الدورة 79 لجمعية الصحة العالمية في جنيف، وذلك في خضم التحولات التي تشهدها سورية بعد سنوات العاصفة.
حيث ألقى كلمة سورية الرئيس السوري أحمد الشرع عبر تقنية الاتصال المرئي يوم الإثنين 18-05-2026م، متزامناً مع حضور وزير الصحة مصعب العلي على رأس الوفد السوري لجنيف.
وقد حمل خطاب الشرع أبعاداً سياسية وإستراتيجية تستحق التوقف عندها، خصوصاً في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين.
أولاً، قراءة في توقيت الخطاب ومضمونه:
جاء الخطاب في لحظة دولية دقيقة، حيث تتصارع على جدول أعمال المنظمة قضايا حساسة، من تغير المناخ إلى التأهب للطوارئ الصحية، ومن تدويل الصحة إلى أخلاقيات توزيع اللقاحات.
ولقد اختارت سورية أن تكون جزءاً من هذا النقاش، ليس من باب الإعلان عن حاجاتها، بل من باب تقديم نفسها كلاعب فاعل ومحوري في المنطقة.
واللافت أن الخطاب هو تجاوز السردية التقليدية للدولة "المنكوبة" أو "المكلومة"، متجهاً نحو صياغة هوية جديدة، تقوم على أن سورية كدولة تمتلك خبرة متراكمة في إدارة الأزمات الصحية في ظل الحروب والعقوبات، وهذه الخبرة تقدمها كأصل استراتيجي للمجتمع الدولي.
و الكلمات المفتاحية للخطاب كانت واضحة: "الاستدامة، إعادة الإعمار، تغير المناخ، الأمن الصحي المشترك".
ثانياً، الإطار الإنساني والصحي – الأرقام تتحدث:
لا يمكن قراءة أي خطاب حول الصحة في سورية دون استحضار حجم الأزمة الإنسانية، حيث تشير أحدث بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 5.5 ملايين نازح داخلي ما زالوا يعيشون في سورية حتى مطلع فبراير 2026، بينما ترفع منظمة الهجرة الدولية الرقم إلى نحو 5.84 ملايين نازح إجمالاً منذ عام 2011.
وأرقام العودة ملفتة أيضاً، حيث عاد نحو 1.99 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم منذ ديسمبر 2024، إضافة إلى عودة أكثر من 1.14 مليون شخص من الخارج، ليشكلا معاً نحو 11% من إجمالي سكان سورية.
في المقابل، تظهر أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه رغم عودة نحو 1.8 مليون نازح، لا تزال الـ 5.5 مليون نازح المتبقية تعيش في نظام هش لا يمتلك القدرة الكافية على استيعابهم.
أما الاحتياجات الصحية، فتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 16.5 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في سورية خلال عام 2026، مع استمرار الجفاف وتفشي الأمراض وتهالك البنية التحتية التي تحد من فرص الحصول على الرعاية.
ثالثاً، الاستثمار والتمويل:
شهد العام 2026 تحولات إيجابية في بيئة التمويل الدولية لسورية.
ففي أبريل 2026، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 225 مليون دولار، تتوزع بين مشروع للمياه والصرف الصحي بقيمة 150 مليون دولار، ومشروع لدعم القطاع الصحي بقيمة 75 مليون دولار يهدف إلى دعم 150 مركزاً صحياً لتقديم خدمات الرعاية الأولية، مع توقعات باستفادة نحو 4.5 مليون سوري.
وعلى صعيد التمويل الطارئ، أفرجت منظمة الصحة العالمية عن مليوني دولار في مارس 2026، خُصص منها 500 ألف دولار لسورية لدعم النازحين، لا سيما أكثر من 104 آلاف شخص عبروا الحدود مؤخراً من لبنان وأكثر من 116 ألفاً نازحاً في الشمال الشرقي.
كما أطلقت وزارة الصحة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة الصحة العالمية مشروعين لدعم الرعاية الصحية الأولية بقيمة 8 ملايين يورو، يشملان تأهيل 22 مركزاً صحياً في ريف حلب.
وفي يناير 2026، سلّمت منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة 5 سيارات إسعاف مجهزة بالكامل لوزارة الصحة، لتعزيز نظام الإحالة الطارئ.
رابعاً، إعادة تأهيل القطاع الصحي:
تكشف بيانات الربع الأول من 2026 عن تنفيذ 322 مشروعاً لإعادة تأهيل المنشآت الصحية في مختلف المحافظات السورية، أُنجز 31% من هذه المشاريع، بينما لا يزال 49% قيد التنفيذ.
ومن اللافت أن 73% من التدخلات تركزت في مراكز الرعاية الصحية الأولية، فيما جاءت المستشفيات في المرتبة الثانية بنسبة 15.5%.
توزعت المشاريع بشكل غير متوازن جغرافياً، حيث تصدرت حلب وإدلب قائمة المشاريع قيد التنفيذ والمكتملة، في حين سجلت محافظة القنيطرة صفراً من المشاريع المكتملة، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في عملية التعافي بين المناطق.
خامساً، العقوبات:
من أبرز المستجدات التي لم يشر إليها الخطاب بشكل صريح، ولكنها تشكل خلفية أساسية لأي قراءة للواقع السوري حالياً، هو رفع معظم العقوبات الاقتصادية الغربية عن سورية، فوفق تقارير اقتصادية متخصصة، رُفعت العقوبات الغربية الواسعة عملياً خلال 2025، وألغي قانون قيصر رسمياً في ديسمبر 2025، وبدأت العودة التدريجية إلى النظام المالي الدولي، بما في ذلك العمليات عبر نظام SWIFT.
يفتح هذا التحول النوعي، الذي كان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضرراً منه سابقاً، يفتح آفاقاً جديدة لاستيراد الأدوية والمعدات الطبية التي كانت مقيدة لسنوات.
غير أن البيئة التشغيلية والاستثمارية ما تزال محكومة بمخاطر حقيقية تتعلق ببطء بناء المؤسسات وتفاوت الجاهزية بين المناطق.
الخلاصة، بين الأرقام والطموح:
بناءً على ما تقدم، يمكن قراءة خطاب الرئيس الشرع على أنه قراءة استباقية صحيحة للتوجهات الدولية، لكنه اصطدم بواقع أرقام لا تزال تقول إن 5.5 ملايين نازح لم يعودوا بعد، وإن 322 مشروعاً صحياً لا تكفي لخدمة 16.5 مليون محتاج، وإن 75 مليون دولار من البنك الدولي تظل ضئيلة أمام احتياجات القطاع الصحي الهائلة.
ما يرفع من قيمة الخطاب هو توقيته المتزامن مع تحولات ملموسة على الأرض: رفع العقوبات، دخول البنك الدولي والاتحاد الأوروبي كلاعبين فاعلين في التمويل، ونشوء شراكات دولية فعلية كالتي مع مركز الملك سلمان للإغاثة.
يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الحكومة السورية من تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى خدمات صحية ملموسة تصل إلى النازح في خيمة شمال شرق سورية، وإلى المريض في مشفى لم يُرمّم بعد في القنيطرة؟.
الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد خلال العامين المقبلين، وستكون الدورة المقبلة لجمعية الصحة العالمية في 2027 موعداً طبيعياً لتقييم الفجوة بين الوعود والإنجاز.
المراجع:
- تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فبراير 2026
- منظمة الهجرة الدولية، تقرير تتبع النزوح، فبراير 2026
- منظمة الصحة العالمية، خطة الاستجابة للطوارئ 2026
- البنك الدولي، بيان صحفي، 23 أبريل 2026
- مجموعة الصحة العالمية (Health Cluster)، تقرير الربع الأول 2026
- Syrian Business Gateway، تقرير الاستثمار في سوريا 2026
- كلمة الشرع في كلمة أمام جمعية الصحة العالمية 2026