مقدمة:
في لحظة فارقة في العلاقات السورية الأميركية، وافقت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي في الخامس من حزيران/يونيو 2026 على تعديلات في ميزانية وزارة الدفاع (البنتاغون) للعام المالي 2027، حملت مضامين تجاوزت بكثير مجرد أرقام تُرصد للإنفاق الدفاعي.
فقد جاءت هذه التعديلات في سياق تفاعلات متسارعة أثبتت أن سورية الجديدة لم تعد هامشاً في السياسة الخارجية لواشنطن، بل أصبحت جزءاً من عملية إعادة تعريف المصالح الأميركية في شرق المتوسط والشرق الأوسط عموماً.
فإذا كان قانون "قيصر" قد مثّل مرحلة العزلة والعقوبات والضغط الاقتصادي، فإن تعديلات ميزانية البنتاغون لعام 2027 قد تمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها: "الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الشراكة المشروطة"، أو بتعبير آخر: "الانتقال من إدارة الأزمة السورية إلى الاستثمار في استقرار سورية".
لكن ما الذي تغير؟ وماذا تعني هذه التعديلات لمستقبل سورية؟ وكيف يمكن قراءة السيناريوهات المحتملة لتطبيقها؟
هذا المقال يستعرض الأبعاد الاستراتيجية لهذا التحول، ويقدم رؤية تحليلية لمستقبل العلاقة السورية الأميركية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
تتركز التعديلات التي صاغها النائب الجمهوري جو ويلسون على محورين رئيسيين يعكسان تحولاً في الفلسفة الأميركية من العقوبات الاقتصادية إلى التعاون في بناء القدرات العسكرية وتقليص الاعتماد على البدائل الميدانية.
أولاً: الحد من النفوذ العسكري الروسي
يدعو التعديل إلى تقديم تقرير مفصل من وزارة الدفاع الأميركية بحلول 31 كانون الأول/ديسمبر 2026 حول آليات التعاون مع الحكومة السورية لتقليص الوجود الروسي أو إنهائه في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية.
ويأتي هذا البند متزامناً مع معلومات أكدت أن موسكو لم تكتف بالحفاظ على وجودها العسكري، بل قامت خلال الأشهر الماضية بإرسال تعزيزات وإمدادات جديدة إلى قواعدها في الساحل السوري، بما يؤكد أن روسيا لا تنوي الانسحاب طوعاً من أحد أهم مواقعها الاستراتيجية في شرق المتوسط.
ثانياً: رفع مستوى احترافية القوات السورية ودمج "قسد"
فقد أقرّ التعديل دعماً لعملية دمج وحدات "قوات سوريا الديمقراطية" ضمن هيكلية الجيش السوري، مع وضع إطار للتعاون الأمني بين واشنطن والمؤسسة العسكرية السورية بهدف رفع كفاءة الأداء وضمان الامتثال للقانون الدولي.
ويرتبط هذا التوجه بما تحقق فعلياً على الأرض من خطوات دمج وتنسيق بين الدولة السورية وبعض التشكيلات المحلية، بما يمهد لتحول تدريجي من مرحلة الفاعلين العسكريين المتعددين إلى مرحلة المؤسسة العسكرية الوطنية الموحدة.
الخلفية الاستراتيجية:
لم تكن هذه التعديلات وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لمسار بدأ فعلياً بعد إنهاء مرحلة العقوبات الشاملة وإعادة تقييم المقاربة الأميركية تجاه سورية.
لقد أدركت واشنطن أن استمرار أدوات الضغط التقليدية لم يعد يحقق النتائج المرجوة، وأن مواجهة النفوذ الروسي والإيراني تتطلب أدوات مختلفة تقوم على بناء الشراكات لا الاكتفاء بسياسات العزل.
ومن هنا بدأت تتبلور معادلة جديدة مفادها أنه إذا كانت سورية قادرة على لعب دور في تقليص النفوذ الروسي والإيراني وتحقيق الاستقرار الإقليمي، فلماذا لا تصبح شريكاً في بعض الملفات بدلاً من أن تبقى موضوعاً للعقوبات فقط؟
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الاتصالات الدبلوماسية والأمنية المتزايدة خلال العامين الماضيين باعتبارها جزءاً من عملية بناء تدريجية للثقة بين الجانبين.
كما وجدت واشنطن في دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية مخرجاً عملياً لإنهاء مرحلة الإدارة غير المباشرة لبعض المناطق، بعد تراجع التهديدات التي شكلها تنظيم الدولة الإسلامية خلال السنوات الماضية.
البعد الإسرائيلي في التحول الأميركي:
لا يمكن فهم أي تحول أميركي تجاه دمشق بمعزل عن الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
فواشنطن لا تنظر إلى سورية فقط من زاوية النفوذ الروسي، بل أيضاً من زاوية الاستقرار الأمني طويل الأمد في جنوب سورية وشرق المتوسط.
إن أي شراكة أميركية سورية مستقبلية ستخضع لمدى قدرة الدولة السورية على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها ومنع تحوّل الجغرافيا السورية إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية.
ومن هنا فإن الاستقرار السوري لم يعد يُنظر إليه بوصفه مطلباً سورياً فقط، بل باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي الأوسع.
البعد التركي:
في المقابل، يصعب تصور نجاح أي مسار أميركي سوري دون أخذ الدور التركي بعين الاعتبار.
فتركيا أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أبرز الفاعلين في الملف السوري، وتمتلك نفوذاً مباشراً في ملفات الحدود والأمن وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين.
ولذلك فإن أي هندسة أمنية جديدة في سورية ستكون بحاجة إلى قدر من التفاهم والتنسيق بين دمشق وأنقرة وواشنطن، بما يضمن تحويل التنافس إلى شراكة وظيفية تحقق الاستقرار وتمنع نشوء فراغات أمنية جديدة.
التقاطع العسكري والاقتصادي:
جاءت زيارة وزير الطاقة السوري إلى واشنطن في توقيت بالغ الدلالة، بالتزامن مع النقاشات الجارية داخل المؤسسات الأميركية حول مستقبل العلاقة مع سورية.
ففي الوقت الذي يناقش فيه البنتاغون آليات التعاون الأمني المحتمل، بدأت تظهر مؤشرات على اهتمام اقتصادي متزايد بالسوق السورية وقطاع الطاقة وإعادة الإعمار.
ويشير هذا التقاطع بين المسارين الأمني والاقتصادي إلى أن واشنطن لا تنظر إلى سورية بوصفها مجرد ملف أمني، بل باعتبارها ساحة محتملة للاستثمار والاستقرار وإعادة البناء.
التحول من "سورية ملف" إلى "سورية شريك":
لعل أبرز ما تكشفه هذه التطورات هو انتقال سورية تدريجياً من كونها موضوعاً للسياسات الدولية إلى طرف مشارك في صناعتها.
فبعد سنوات طويلة كانت سورية خلالها تُختزل في ملفات الإرهاب واللاجئين والعقوبات والمساعدات الإنسانية، بدأت القوى الدولية تنظر إليها بوصفها شريكاً محتملاً في إنتاج الاستقرار الإقليمي وحماية الممرات الاقتصادية ومشاريع الطاقة في شرق المتوسط.
إن هذا التحول لا يعني انتهاء التحديات، لكنه يشير إلى تغير جوهري في طريقة النظر الدولية إلى الدولة السورية.
البعد الصيني والمنافسة العالمية:
كما لا يمكن إغفال البعد الدولي الأوسع في هذا التحول.
فالولايات المتحدة لا تدير سياستها الشرق أوسطية اليوم بمعزل عن المنافسة الاستراتيجية مع الصين.
ومن المرجح أن واشنطن تسعى إلى منع تحوّل سورية مستقبلاً إلى نقطة ارتكاز إضافية ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، والحفاظ على حضورها الاقتصادي والسياسي في شرق المتوسط في مواجهة التمدد الصيني المتزايد.
ومن هذا المنظور، فإن سورية لم تعد فقط ساحة تنافس أميركي روسي، بل أصبحت جزءاً من مشهد المنافسة العالمية بين القوى الكبرى.
السيناريوهات المحتملة:
هناك ثلاثة مسارات رئيسية لترجمة هذه التعديلات إلى واقع عملي:
1- سيناريو التعاون المحدود
وهو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، ويقوم على تبادل المعلومات الأمنية وبرامج تدريب محدودة وتنسيق تدريجي دون الانتقال إلى شراكة واسعة.
2- سيناريو التعاون الاستراتيجي الكامل
ويشترط تقدماً ملموساً في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود وتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية، وقد يقود إلى شكل من أشكال التطبيع العملي بين البلدين.
3- سيناريو التعثر والخروج الآمن
ويتمثل في بقاء التفاهمات عند حدودها الدنيا نتيجة ضغوط روسية أو اعتراضات داخلية أميركية أو إقليمية، بما يؤدي إلى تجميد التطورات دون انهيارها بالكامل.
رؤية استراتيجية: إعادة تعريف دور سورية في المعادلة الإقليمية
إن التحول الأميركي الحالي لا يمكن اختزاله في مجرد تعديل تشريعي أو بند في ميزانية الدفاع.
إنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى واشنطن بأن سورية عادت لتصبح رقماً صعباً في معادلات الأمن والطاقة والتوازنات الإقليمية.
كما أن هذا التقدير لم يأت من فراغ، بل نتيجة سلسلة من التطورات شملت استعادة مؤسسات الدولة لعافيتها تدريجياً، وتصاعد الانفتاح العربي على دمشق، وازدياد الحاجة الدولية إلى شريك إقليمي قادر على المساهمة في تحقيق الاستقرار.
لكن يبقى السؤال الأهم:
ماذا تريد سورية من هذا التحول؟
إن نجاح أي تعاون مع الولايات المتحدة أو غيرها يجب ألا يُقاس فقط بحجم المكاسب السياسية أو الاقتصادية الآنية، بل بمدى مساهمته في تحقيق الأولويات الوطنية السورية وفي مقدمتها:
- استعادة السيادة الكاملة على الأراضي السورية.
- إعادة بناء المؤسسات الوطنية.
- تحقيق العدالة الانتقالية.
- تهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين والنازحين.
- إطلاق عملية تنموية مستدامة تعيد لسورية دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي.
الخاتمة:
خلال أيام قليلة فقط، شهدت الساحة السورية سلسلة تطورات متزامنة شملت تحركات روسية لتعزيز وجودها العسكري، ونقاشات أميركية حول مستقبل التعاون مع دمشق، وحراكاً اقتصادياً متزايداً باتجاه إعادة الانفتاح على السوق السورية.
إن هذا التتالي الزمني يرسم ملامح مرحلة جديدة تتحول فيها سورية من ساحة تنافس دولي إلى منصة توازن إقليمي تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى والإقليمية.
وهنا فإن السؤال الاستراتيجي اليوم لم يعد: "هل تنجح هذه التعديلات؟" بل أصبح: "كيف ستعيد القوى الإقليمية والدولية تموضعها أمام سورية الجديدة؟"
فإذا غلبت البراغماتية والتكيف، فقد نشهد بداية مرحلة تمنح سورية فرصة تاريخية لاستعادة دورها ومكانتها.
أما إذا غلبت حسابات الصراع والمواجهة، فإن المنطقة قد تدخل دورة جديدة من التوتر وعدم الاستقرار.
وانطلاقاً من ذلك، فإن تيار المستقبل السوري يرى أن المسار الأكثر انسجاماً مع المصالح الوطنية السورية يتمثل في التعاون الاستراتيجي المتوازن الذي يحفظ استقلال القرار الوطني ويعزز السيادة السورية ويستثمر الانفتاح الدولي لتحقيق التنمية والاستقرار.
وفي الوقت نفسه، يؤكد التيار أن أي شراكة أو تفاهمات دولية يجب أن تبقى محكومة بمبدأ أساسي لا يجوز التفريط به، وهو أن سيادة القرار الوطني السوري يجب أن تظل البوصلة التي توجه جميع التحالفات والعلاقات الخارجية، بما يضمن أن تكون المتغيرات الدولية فرصة لبناء سورية لا مدخلاً لانتقاص استقلالها.