السيادة العقارية في سورية

مقدمة:

تمثل الأرض والعقار أحد أهم عناصر السيادة الوطنية، وليسا مجرد أموال أو سلع قابلة للبيع والشراء وفق قواعد السوق المجردة. فالعقار يرتبط بتاريخ المجتمع، وهويته، واستقراره، وتركيبته السكانية، كما يشكل أحد أهم الموارد الاستراتيجية التي تقوم عليها الدولة الحديثة. ومن هذا المنطلق، حرصت غالبية التشريعات في العالم على تنظيم تملك غير المواطنين للعقارات، ووضع ضوابط تختلف من دولة إلى أخرى وفقاً لمصالحها الوطنية واعتباراتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي ظل ما تشهده سورية من مرحلة انتقالية تاريخية، وما يرافقها من جهود لإعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد الوطني، عاد النقاش حول توسيع نطاق تملك غير السوريين للعقارات باعتباره أحد الوسائل المقترحة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتحفيز النشاط العمراني والاستثماري.

ولا شك أن جذب الاستثمار يمثل هدفاً مشروعاً وضرورة اقتصادية لا يمكن تجاهلها بعد سنوات الحرب وما خلّفته من دمار واسع في البنية التحتية والاقتصاد الوطني. إلا أن أهمية هذا الهدف لا ينبغي أن تدفع إلى اتخاذ قرارات قد تترك آثاراً استراتيجية بعيدة المدى يصعب تداركها مستقبلاً، خاصة عندما يتعلق الأمر بالملكية الدائمة للعقار.

فالاستثمار والتملك ليسا مفهوماً واحداً. فالاستثمار نشاط اقتصادي يهدف إلى إنشاء مشروع أو تطوير منشأة أو تشغيل رأس المال بما يعود بالنفع على الدولة والمستثمر، أما التملك الدائم للعقار فهو انتقال لجزء من الثروة الوطنية إلى شخص أو جهة أجنبية بصورة قد تمتد لأجيال متعاقبة، وهو ما يمنحه بعداً سيادياً يتجاوز الاعتبارات التجارية البحتة.

ولهذا السبب، فإن معظم دول العالم، بما فيها الدول التي تعتمد اقتصاد السوق الحر، لا تترك تملك غير المواطنين للعقارات دون تنظيم، بل تفرض عليه قيوداً قانونية مختلفة؛ فمنها من يشترط موافقة حكومية مسبقة، ومنها من يمنع التملك في المناطق الحدودية أو العسكرية أو الزراعية، ومنها من يقصره على حالات استثنائية أو يستعيض عنه بحقوق الانتفاع طويلة الأجل أو الامتيازات الاستثمارية. وهذا يؤكد أن تنظيم التملك لا يمثل موقفاً معادياً للاستثمار، وإنما يعد ممارسة طبيعية لحق الدولة في حماية سيادتها وأمنها الوطني.

وفي الحالة السورية، تكتسب هذه القضية أبعاداً أكثر حساسية، نظراً لما مرت به البلاد خلال سنوات الثورة من نزوح ولجوء وتهجير قسري لملايين السوريين، وما ترتب على ذلك من فقدان عدد كبير منهم القدرة على إدارة أملاكهم أو العودة إليها أو إثبات حقوقهم فيها. كما لا تزال ملفات الملكيات العقارية في كثير من المناطق بحاجة إلى معالجة قانونية عادلة تضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين.

ولا يجوز، من منظور العدالة الانتقالية، أن تتقدم حقوق التملك الجديدة على حقوق الملكية الأصلية التي ما تزال محل نزاع أو تعذر على أصحابها ممارستها بسبب ظروف الحرب والتهجير القسري.
فإعادة أصحاب الحقوق إلى أملاكهم أو تمكينهم من استردادها تمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يسبق أي سياسة توسعية في نقل الملكية العقارية إلى غير المواطنين.

ومن ثم، فإن الأولوية القانونية والأخلاقية تقتضي تمكين المواطنين السوريين من استعادة حقوقهم العقارية وتسوية النزاعات الناشئة عن سنوات الحرب، قبل التفكير في أي توسع في منح حق التملك لغير السوريين.

كما أن فتح باب التملك دون ضوابط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار العقارات بصورة تتجاوز القدرة الشرائية للمواطن، وإلى زيادة المضاربات العقارية، وربما إلى تركزات عقارية في مناطق محددة قد تؤثر مستقبلاً في التوازن السكاني أو الاقتصادي أو الأمني، فضلاً عن احتمالية استخدام شركات أو وسطاء أو رؤوس أموال مجهولة المصدر للتحايل على القانون، بما يفرض ضرورة وجود رقابة قانونية ومالية صارمة.

إن حماية السيادة العقارية لا تعني الانغلاق الاقتصادي، كما أن تشجيع الاستثمار لا يعني بالضرورة نقل ملكية الأرض، فالدول الناجحة هي التي تحقق التوازن بين الأمرين، وتحسن إدارة مواردها الاستراتيجية بما يخدم حاضرها ويحفظ مستقبل أجيالها.

رؤية قانونية لتحقيق التوازن بين الاستثمار وحماية الملكية الوطنية:

إن رفض التوسع في تملك غير السوريين للعقارات لا ينبغي أن يُفهم على أنه رفض للاستثمار الأجنبي، بل على العكس، فإن تيار المستقبل السوري يؤمن بأن الاقتصاد السوري بحاجة إلى رؤوس الأموال والخبرات والشراكات الدولية، وأن الاستثمار الأجنبي يمثل شريكاً مهماً في عملية إعادة الإعمار وتحقيق التنمية المستدامة.

غير أن تحقيق هذا الهدف لا يستلزم بالضرورة نقل الملكية الدائمة للعقار، إذ تتوافر وسائل قانونية عديدة تحقق الغاية الاقتصادية ذاتها، من بينها حق الانتفاع طويل الأجل، وعقود الاستثمار، وعقود البناء والتشغيل ثم نقل الملكية، والشراكات مع المستثمرين السوريين، وغيرها من الصيغ التي تضمن استقرار الاستثمار مع بقاء الأرض ضمن الملكية الوطنية.

إن الإدارة الرشيدة للثروة العقارية لا تقوم على إغلاق أبواب الاستثمار، كما لا تقوم على فتحها دون ضوابط، وإنما تقوم على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية ومقتضيات السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالأرض ليست مورداً اقتصادياً فحسب، وإنما هي وعاء الدولة، وذاكرة المجتمع، وحق الأجيال القادمة، وأي سياسة تشريعية تتعلق بالملكية العقارية ينبغي أن تنطلق من رؤية استراتيجية بعيدة المدى تراعي مصالح الحاضر دون أن ترهن مستقبل البلاد أو تفرط في أحد أهم عناصر ثروتها الوطنية.

وانطلاقاً من ذلك، يرى المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري أن أي تشريع مستقبلي ينظم تملك غير السوريين للعقارات ينبغي أن يستند إلى جملة من المبادئ، في مقدمتها: صون السيادة العقارية، وأولوية حقوق المواطنين، وتحقيق التوازن بين الاستثمار والمصلحة الوطنية، واعتماد الوسائل القانونية الأقل أثراً على الملكية الوطنية متى أمكن ذلك، وتعزيز الشفافية والإفصاح، وربط أي قرار يتعلق بالتملك باعتبارات الأمن الوطني والمصلحة العامة.

ويوصي المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري بما يلي:

  1. إعداد قانون عصري متكامل لتنظيم تملك غير السوريين للعقارات يوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية السيادة الوطنية.
  2. إعطاء الأولوية لمعالجة ملفات الملكية العقارية الخاصة بالمهجرين والنازحين واللاجئين السوريين، وضمان استعادة حقوقهم قبل أي توسع في منح حق التملك لغير السوريين.
  3. اعتماد حق الانتفاع طويل الأجل، وعقود الاستثمار، والشراكات مع المستثمرين السوريين، بوصفها بدائل تحقق التنمية الاقتصادية دون نقل الملكية الدائمة.
  4. حظر تملك غير السوريين للعقارات الواقعة في المناطق الحدودية، والمناطق ذات الأهمية العسكرية أو الأمنية، والمواقع الأثرية، والأراضي الزراعية الاستراتيجية، إلا وفق ضوابط استثنائية يحددها القانون.
  5. إخضاع عمليات شراء العقارات لرقابة مالية وقانونية صارمة للتحقق من مصادر الأموال ومنع غسل الأموال أو التحايل على القانون.
  6. إنشاء سجل وطني خاص بملكية غير السوريين للعقارات يضمن أعلى درجات الشفافية والإفصاح.
  7. إجراء تقييم دوري لآثار تملك غير السوريين على أسعار العقارات، وعلى التوازن الديموغرافي، وعلى التنمية المحلية.
  8. تشكيل لجنة وطنية تضم خبراء في القانون والاقتصاد والعقار والتخطيط العمراني والأمن الوطني لإعداد مشروع قانون متكامل، مع الاستفادة من التجارب التشريعية المقارنة.
  9. التأكيد صراحةً في التشريع على أن حق الاستثمار لا يستلزم بالضرورة حق التملك، وأن الأصل هو تشجيع الاستثمار المنتج مع الحفاظ على الملكية العقارية الوطنية كلما أمكن ذلك.
  10. إطلاق حوار وطني تشارك فيه الجهات التشريعية والقضائية والاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني للوصول إلى سياسة عقارية متوازنة تحظى بأوسع توافق ممكن.

ويؤكد المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري أن حماية السيادة العقارية ليست موقفاً مناهضاً للاستثمار، كما أن تشجيع الاستثمار لا يقتضي التفريط بأحد أهم عناصر السيادة الوطنية. فالدولة الرشيدة هي التي تنجح في الجمع بين اقتصاد منفتح، وقانون عادل، وسيادة مصونة، وحقوق محفوظة، وبذلك وحده تُبنى سورية الحديثة التي ننشدها جميعاً.

الأساس الدستوري والقانوني لتنظيم تملك غير المواطنين:

إن حق الدولة في تنظيم تملك غير المواطنين للعقارات يستند إلى مبدأ قانوني ودستوري راسخ، مؤداه أن الإقليم الوطني بجميع مكوناته، وفي مقدمتها الأرض والعقار، يدخل في نطاق السيادة الكاملة للدولة، ومن ثم فإن تنظيم انتقال ملكيته يعد من صميم الاختصاص التشريعي الوطني، الذي تمارسه الدول بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي القانون الدولي، لا يوجد التزام عام يفرض على الدول فتح باب التملك العقاري لغير مواطنيها، بل تتمتع كل دولة بسلطة تقديرية واسعة في وضع القيود والشروط التي تراها مناسبة، شريطة أن تطبقها وفق قواعد القانون، ودون تمييز تعسفي بين المراكز القانونية المتماثلة.
ولهذا، فإن اتفاقيات الاستثمار الدولية تركز في الغالب على حماية الاستثمار المشروع وضمان عدم نزع الملكية دون تعويض عادل، لكنها لا تُلزم الدول بمنح الأجانب حق التملك العقاري ابتداءً.

وتؤكد التجارب التشريعية المقارنة هذا المبدأ؛ إذ إن كثيراً من الدول، رغم تبنيها اقتصاد السوق وتشجيعها للاستثمار الأجنبي، ما زالت تفرض قيوداً متفاوتة على تملك غير المواطنين للعقارات. ففي بعض الدول يخضع التملك لموافقة مسبقة من السلطات المختصة، وفي دول أخرى يُحظر في المناطق الحدودية أو العسكرية أو الزراعية أو ذات الأهمية الاستراتيجية، بينما اتجهت دول عدة في السنوات الأخيرة إلى تشديد القيود على شراء المساكن من قبل غير المواطنين للحد من المضاربات العقارية وحماية قدرة المواطنين على التملك.

كما أن دولاً أخرى فضّلت منح المستثمرين الأجانب حقوق الانتفاع أو عقود الإيجار والاستثمار طويلة الأجل، بدلاً من نقل الملكية الدائمة للعقار، بما يحقق الغاية الاقتصادية ويحافظ في الوقت نفسه على السيادة العقارية للدولة.

ومن ثم، فإن الدعوة إلى تنظيم تملك غير السوريين للعقارات لا تمثل توجهاً استثنائياً أو موقفاً منغلقاً تجاه الاستثمار، وإنما تنسجم مع مبادئ القانون العام، ومع الممارسات التشريعية المعمول بها في عدد كبير من دول العالم، وتستند إلى حق أصيل للدولة في إدارة مواردها الاستراتيجية بما يحقق مصالح شعبها ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

إدانة الاعتداءات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا

تيار المستقبل السوري يستنكر بشدة إدانة الاعتداءات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا وأثرها على المدنيين.

30 يونيو 2026

إدارة الموقع

ثلث الرئيس والفرصة الأخيرة لاستكمال توازن المجلس التشريعي السوري

بين العمل البرلماني والثلث الرئاسي، كيف يمكن لسوريا استعادة توازن مجلسها التشريعي؟

30 يونيو 2026

الدكتور زاهر بعدراني