المادة (49) بين العدالة الانتقالية ودولة القانون

تُعد العدالة الانتقالية إحدى أهم ركائز بناء الدول الخارجة من الاستبداد والصراعات، لأنها تمثل الجسر الذي تعبر عليه المجتمعات من مرحلة الانتقام والانقسام إلى مرحلة القانون والمصالحة والاستقرار. ولا يمكن لسورية الجديدة أن تستعيد عافيتها دون محاسبة عادلة لكل من ارتكب جرائم بحق السوريين، أو شارك فيها، أو حرّض عليها، أو بررها، مع حفظ حقوق الضحايا، وكشف الحقيقة، وضمان عدم تكرار المأساة.

ومن هذا المنطلق، جاءت المادة (49) من الإعلان الدستوري لتضع إطاراً عاماً لهذا المسار، من خلال النص على إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، واستثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجرائم النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين، وتجريم تمجيد نظام الأسد وإنكار جرائمه أو التهوين منها أو تبريرها.

ولا يجد تيار المستقبل السوري أي إشكال في هذه المبادئ من حيث الأصل، بل يرى أنها تنسجم مع تطلعات السوريين في تحقيق العدالة، وإنصاف الضحايا، ومنع عودة الاستبداد بأشكاله المختلفة.

غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في المادة (49) نفسها، وإنما في البيئة القانونية والمؤسساتية التي يراد تطبيقها ضمنها.

فحتى اليوم، لا تزال السلطة التشريعية غائبة عن ممارسة دورها الطبيعي، ولم يصدر قانون متكامل يحدد كيفية تنفيذ المادة (49)، ولا التعاريف القانونية الدقيقة للمصطلحات الواردة فيها، ولا الضمانات الإجرائية التي تمنع إساءة استخدامها، رغم أن تيار المستقبل السوري سبق أن حذر مراراً من مخاطر استمرار تأخر انعقاد مجلس الشعب، لأن غياب السلطة التشريعية لا يعني فقط تأخر إصدار القوانين، وإنما يعني أيضاً بقاء المبادئ الدستورية معلقة بين النص والتأويل.

وفي ظل هذا الفراغ، برزت دعوات لإطلاق حملات شعبية للمطالبة بتفعيل المادة (49)، تحت عنوان "تجريم الأسدية"، وهي دعوات تستحق التوقف عندها بقدر كبير من المسؤولية.

فإذا كان الهدف منها هو منع تمجيد نظام الاستبداد ومحاسبة المسؤولين عن جرائمه، فإن هذا هدف مشروع ينسجم مع العدالة الانتقالية.

أما إذا أصبحت هذه الحملات بديلاً عن القانون، أو وسيلة للضغط باتجاه تطبيق نص دستوري قبل وجود قانون يحدد معاييره وحدوده، فإننا نكون أمام إشكالية دستورية وقانونية لا يجوز التقليل من خطورتها.

فما المقصود قانوناً بـ"الأسدية"؟
هل هي الانتماء الفكري؟
أم العضوية الحزبية السابقة؟
أم تولي وظيفة عامة؟
أم مجرد إبداء رأي؟
أم المشاركة في جرائم موصوفة قانوناً؟

وهل يشمل التجريم كل من عمل في مؤسسات الدولة السابقة، أم يقتصر على من ثبتت مسؤوليته الفردية عن الجرائم؟
وأين تبدأ حدود التجريم، وأين تنتهي؟

إن هذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الحملات الإعلامية، ولا مواقع التواصل الاجتماعي، ولا المزاج الشعبي، وإنما يجيب عنها القانون وحده.

إن أخطر ما قد تواجهه الدول في مراحلها الانتقالية هو استخدام مفاهيم واسعة وغير منضبطة، لأنها تتحول مع الزمن إلى أدوات قابلة للتأويل بحسب موازين القوى السياسية، لا بحسب معايير العدالة.

فالدولة التي ثار السوريون من أجلها ليست دولة الأشخاص، وإنما دولة المؤسسات، وليست دولة الانطباعات، وإنما دولة النصوص، وليست دولة الاتهامات العامة، وإنما دولة المسؤولية الجنائية الفردية.

ومن هنا، فإن تيار المستقبل السوري يرى أن تفعيل المادة (49) لا يبدأ من تنظيم الوقفات أو إطلاق الحملات، وإنما يبدأ أولاً من استكمال مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها السلطة التشريعية، لتصدر قانوناً واضحاً للعدالة الانتقالية، يحدد المقصود بالأفعال المجرّمة، ويضع الضمانات القضائية، ويمنع التوسع في التفسير أو الانتقائية في التطبيق.

كما نرى في تيار المستقبل السوري أن العدالة الانتقالية لا يجوز أن تتحول إلى أداة لإقصاء الخصوم السياسيين، أو وسيلة لإعادة تشكيل الحياة العامة خارج الأطر الدستورية والقانونية، لأن ذلك يعيد إنتاج الاستبداد بصورة مختلفة، حتى وإن اختلفت الشعارات.

ولذلك فإننا ندعو إلى الإسراع في مباشرة السلطة التشريعية لمهامها، وإصدار قانون شامل للعدالة الانتقالية بعد حوار وطني واسع يشارك فيه القضاة، والمحامون، وخبراء القانون الدستوري، ومنظمات حقوق الإنسان، وممثلو الضحايا، حتى يكون القانون معبراً عن إرادة السوريين جميعاً، لا عن إرادة مرحلة مؤقتة أو تيار بعينه.

إن سورية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بقدر حاجتها إلى مؤسسات قوية، وتشريعات راسخة، وقضاء مستقل، لأن العدالة لا تتحقق بالرغبات، وإنما بالقانون.

إننا في تيار المستقبل السوري نؤمن بأن محاسبة المجرمين واجب وطني وأخلاقي لا مساومة عليه، لكننا نؤمن بالقدر نفسه أن حماية العدالة من التسييس واجب لا يقل أهمية، وأن بناء الدولة يبدأ من احترام المؤسسات، وتفعيل السلطة التشريعية، وترسيخ سيادة القانون.

فلا عدالة بلا قانون، ولا قانون بلا سلطة تشريعية، ولا دولة حديثة بلا مؤسسات مستقلة قادرة على حماية الحقوق والحريات، بعيداً عن الانتقائية أو التوسع في التجريم أو توظيف النصوص خارج مقاصدها الدستورية.

ولذلك، فإن الدعوة التي نرفعها اليوم ليست دعماً أو رفضاً للمادة (49)، وليست رفضاً لمحاسبة النظام البائد، وإنما دعوة إلى أن يتم كل ذلك عبر دولة القانون، لا عبر الفراغ التشريعي، لأن العدالة التي لا يحكمها القانون قد تتحول مع مرور الزمن إلى ظلم جديد، وهو ما دفع السوريون أثماناً باهظة للخلاص منه.

إن السؤال الذي يجب أن يطرحه السوريون اليوم ليس: هل نؤيد حملة "تجريم الأسدية" أم لا؟
بل السؤال الحقيقي هو: من هي الجهة الدستورية المخولة بوضع تعريفات الجرائم، ورسم حدود التجريم، وسن العقوبات، ووضع الضمانات القانونية؟
والجواب لا يحتمل أكثر من إجابة واحدة ((هي السلطة التشريعية)).

فمجلس الشعب (أو مجلس النواب) ليس مؤسسة شكلية يمكن تأجيلها أو تجاوزها، وإنما هو الجهة التي أناط بها الدستور مهمة سن القوانين، وترجمة المبادئ الدستورية إلى نصوص قانونية ملزمة، واضحة، ومحددة، لا تحتمل التأويل أو التوسع في التفسير.

ومن هنا، فإن استمرار تعطيل السلطة التشريعية، مع الدفع باتجاه حملات شعبية لتطبيق المادة (49)، يثير إشكالية دستورية وسياسية لا يجوز تجاهلها!! فالتشريع لا يُصنع في الشارع، ولا يُكتب عبر الحملات الإعلامية، ولا يُدار بمنطق الضغط الشعبي.
وإنما يُصاغ داخل المؤسسة التشريعية، بعد نقاشات قانونية ودستورية مستفيضة، وسماع آراء المختصين، وممثلي الضحايا، ومنظمات حقوق الإنسان، والقوى السياسية والمجتمعية، حتى يخرج القانون معبراً عن الإرادة الوطنية الجامعة، لا عن حماس اللحظة أو ضغط الشارع.

إن ترك هذا الفراغ التشريعي مفتوحاً، ثم محاولة ملئه بحملات شعبية، يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يؤدي إلى نشوء احتقانات اجتماعية واستقطابات سياسية وردود فعل عكسية، في وقت تحتاج فيه سورية إلى التهدئة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

كما أنه يفتح الباب أمام توسع غير منضبط في تفسير مفهوم "الأسدية"، بحيث يصبح قابلاً للاستخدام خارج الإطار الذي قصده الإعلان الدستوري، الأمر الذي قد يمس أشخاصاً لمجرد انتماءات سابقة، أو وظائف عامة، أو مواقف سياسية، بدلاً من أن يبقى التجريم محصوراً بمن تثبت مسؤوليته الجنائية الفردية وفق أحكام القانون.

ولهذا، فإننا في تيار المستقبل السوري نرى أن الأولوية الوطنية اليوم ليست إطلاق مزيد من الحملات، وإنما الإسراع في تفعيل السلطة التشريعية، لأن مجلس الشعب هو الجهة التي يجب أن تتولى إصدار قانون العدالة الانتقالية، وقانون تنفيذ المادة (49)، وقانون تجريم تمجيد النظام البائد، ضمن منظومة قانونية متكاملة تحمي حقوق الضحايا، وفي الوقت نفسه تحمي الدولة من التعسف، وتحمي المجتمع من الانقسام، وتحمي القضاء من الضغوط السياسية والشعبية.

ولهذا فإن دعوتنا اليوم موجَّهة قبل كل شيء إلى السلطة المختصة: فعِّلوا مجلس الشعب، وأعيدوا الاعتبار للسلطة التشريعية، ودعوها تقوم بواجبها الدستوري في سن القوانين التي يحتاجها السوريون، بدلاً من ترك فراغ تشريعي تحاول الحملات الشعبية ملأه، مهما حسنت نواياها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الاستثمار في سورية ما بعد النزاع

فرص الاستثمار في سورية بعد انتهاء النزاع: تحليل معمق للتحديات والفرص في ظل الظروف الحالية.

29 يونيو 2026

إدارة الموقع

جهاز المخابرات العامة السوري يشارك في مؤتمر رؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب

مشاركة جهاز المخابرات العامة السوري في مؤتمر مكافحة الإرهاب تعكس عودة سورية إلى المنظومة الدولية وتعزيز الثقة.

29 يونيو 2026

إدارة الموقع