ثلث الرئيس والفرصة الأخيرة لاستكمال توازن المجلس التشريعي السوري

يأتي اليوم العالمي للعمل البرلماني، الذي يوافق الثلاثين من حزيران/يونيو من كل عام، في وقت تعيش فيه سورية واحدة من أكثر مراحلها الدستورية حساسية، مع ترقب الإعلان المرتقب عن الثلث الذي سيعيّنه رئيس الجمهورية لاستكمال تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي.

ولعل هذه المصادفة الزمنية تمنح المناسبة بعداً سورياً خاصاً، إذ لم يعد الحديث عن العمل البرلماني مجرد احتفاء عالمي بقيم التشريع والرقابة والتمثيل الشعبي، بل أصبح سؤالاً وطنياً ملحاً يتعلق بشكل المؤسسة التشريعية التي ستقود المرحلة الانتقالية، ومدى قدرتها على التعبير عن التنوع السوري، وترسيخ دولة المؤسسات وسيادة القانون.

لقد احتفل العالم بالعمل البرلماني بوصفه أحد أهم أعمدة الديمقراطية الحديثة، بينما ما يزال السوريون ينتظرون اكتمال مؤسستهم التشريعية الأولى بعد سقوط نظام الأسد، وهي لحظة تأسيسية يتطلع إليها الجميع بوصفها بداية الانتقال الحقيقي من الحكم الفردي إلى الدولة المؤسسية.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى ثلث رئيس الجمهورية، الذي لا يمثل مجرد استكمال عددي لأعضاء المجلس، وإنما قد يكون الفرصة الأخيرة لاستكمال التوازن الوطني داخله، ومعالجة ما قد يكون ظهر من نواقص أو اختلالات في التمثيل خلال المراحل السابقة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الثلث لا تكمن في عدد المقاعد التي يشغلها، وإنما في نوعية الشخصيات التي ستنضم إليه. فالمجالس الانتقالية لا تُقاس بالأغلبية العددية وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج الثقة الوطنية، وتوفير الحد الأدنى من التوازن الذي يسمح بإطلاق عملية تشريعية مستقرة وقادرة على مواكبة تحديات المرحلة.

ومن هنا، فإن الأنظار تتجه إلى أن يضم هذا الثلث شخصيات تمتلك الكفاءة والخبرة والنزاهة، وقادرة على الإسهام في صياغة التشريعات وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية، بعيداً عن منطق المحاصصة أو الولاءات الضيقة.

كما يُنتظر أن يسهم في تعزيز حضور المرأة والشباب، وإعطاء مساحة أوسع للمكونات القومية والدينية والثقافية، ولمختلف المحافظات والمناطق السورية، إضافة إلى استقطاب شخصيات وطنية مستقلة تحظى باحترام واسع، بما يعزز ثقة السوريين بمؤسساتهم الجديدة.

وتبدو هذه الفرصة مناسبة أيضاً لتعزيز حضور أصحاب الاختصاص في القانون والدستور والاقتصاد والإدارة والتعليم والعدالة الانتقالية، لأن المرحلة المقبلة لن تحتاج إلى ممثلين سياسيين فقط، بل إلى خبرات قادرة على إنتاج تشريعات تعالج آثار سنوات طويلة من الصراع، وتؤسس لبناء دولة حديثة تقوم على المؤسسات وسيادة القانون.

ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية تقتضي الإقرار بأن ثلث رئيس الجمهورية، مهما كانت جودة تشكيله، لن يكون قادراً وحده على معالجة جميع أوجه القصور إن وجدت في بنية المجلس، وهو ما يجعل حسن الاختيار مسؤولية وطنية مضاعفة في هذه المرحلة الدقيقة.

ومن جهة أخرى، فإن نجاح المجلس لن يُقاس فقط بطريقة تشكيله، وإنما بقدرته على ممارسة دوره الحقيقي في التشريع والرقابة، وإقرار القوانين اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية، والمساهمة في ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ولعل الأهم من إعلان الأسماء نفسها هو الإسراع في عقد الجلسة الأولى للمجلس التشريعي، لأن استمرار الفراغ التشريعي لا يخدم استقرار الدولة، ولا ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية التي تحتاج إلى سلطة تشريعية فاعلة وقادرة على مواكبة التحولات السياسية والدستورية والاقتصادية المتسارعة، بما يعلن عملياً انطلاق الحياة البرلمانية في سورية الجديدة.

كما أن تزامن اليوم العالمي للعمل البرلماني مع اقتراب اكتمال تشكيل المجلس التشريعي السوري يحمل رسالة بالغة الأهمية، مفادها أن نجاح البرلمانات لا يُقاس بتاريخ تأسيسها أو عدد أعضائها، وإنما بقدرتها على تمثيل الشعب، وممارسة الرقابة، وسن التشريعات التي تصون الحقوق والحريات، وتحول دون عودة الاستبداد.

حقاً إننا في تيار المستقبل السوري نرى أن الإعلان المرتقب عن ثلث رئيس الجمهورية يمثل محطة مفصلية في مسار بناء الدولة السورية الجديدة، فاللحظات التأسيسية لا تتكرر كثيراً، وما يُبنى اليوم قد ينعكس أثره على الحياة السياسية السورية لعقود قادمة.

ولذلك، فإن جودة الاختيار ستكون المعيار الحقيقي الذي سيحكم عليه السوريون، كما سيحكم عليه المجتمع الدولي الذي يراقب مسار الانتقال السياسي في سورية باهتمام.

ويبقى المعيار النهائي لنجاح هذه المرحلة هو قدرة المجلس التشريعي على ممارسة دوره التشريعي والرقابي بكفاءة، وفتح المجال أمام حوار وطني مسؤول، يرسخ دولة القانون والمؤسسات، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يشارك في صياغته جميع السوريين.

توصيات تيار المستقبل السوري:
نرى في تيار المستقبل السوري أن نجاح استكمال تشكيل المجلس التشريعي يقتضي مراعاة المبادئ الآتية:

  • اعتماد معيار الكفاءة والنزاهة والخبرة أساساً للاختيار، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو فئوية.
  • تحقيق تمثيل وطني متوازن يشمل مختلف المحافظات والمكونات القومية والدينية والثقافية والاجتماعية، بما يعكس حقيقة المجتمع السوري.
  • تعزيز مشاركة المرأة والشباب، وإتاحة المجال للكفاءات الوطنية الصاعدة للمساهمة في صناعة القرار.
  • إشراك الشخصيات الوطنية المستقلة وأصحاب الاختصاص في القانون والاقتصاد والإدارة والتعليم والعدالة الانتقالية، بما يرفع من جودة الأداء التشريعي.
  • الإسراع في عقد الجلسة الأولى للمجلس التشريعي الانتقالي، وعدم إطالة أمد الفراغ التشريعي، لما لذلك من أثر مباشر في استقرار مؤسسات الدولة.
  • إقرار نظام داخلي حديث يضمن الشفافية وعلنية المناقشات، ويعزز فعالية اللجان البرلمانية والدور الرقابي للمجلس.
  • فتح قنوات تواصل مؤسسية مع القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء، بما يسهم في صياغة تشريعات أكثر توافقاً مع احتياجات المرحلة الانتقالية.

وختاماً، نؤكد في تيار المستقبل السوري أن اكتمال تشكيل المجلس التشريعي يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة السورية، وأن ثلث رئيس الجمهورية يشكل فرصة دستورية مهمة لتعزيز التوازن الوطني وترسيخ الثقة بالمؤسسة التشريعية.

غير أن نجاح هذه الفرصة سيبقى مرهوناً بمدى قدرتها على إنتاج مجلس يعكس التنوع السوري، ويؤمن بالشراكة الوطنية، ويمارس صلاحياته باستقلالية وكفاءة، بعيداً عن منطق الإقصاء أو الهيمنة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

اليوم العالمي للعمل البرلماني

اليوم العالمي للعمل البرلماني هو رمز لترسيخ الحوكمة الرشيدة وتحقيق إرادة الشعوب الحرة.

30 يونيو 2026

إدارة الموقع

المادة (49) بين العدالة الانتقالية ودولة القانون

تستعرض المادة (49) بين العدالة الانتقالية ودولة القانون أهمية محاسبة مرتكبي الجرائم في سورية.

29 يونيو 2026

الدكتور زاهر بعدراني