تمر المجتمعات عقب المنعطفات التاريخية الكبرى، وتحديداً بعد سقوط الأنظمة الشمولية، بمرحلة بالغة الحساسية تُعرف في الأدبيات السياسية بـ "سيولة المرحلة الانتقالية"، ففي هذه اللحظة، لا يكون التحدي الأكبر هو إسقاط البنية القديمة، بل في القدرة على إحلال "الشرعية القانونية" بدلاً من "الشرعية الثورية".
وإن الإعلان الأخير الصادر عن وزارة الداخلية السورية بشأن توقيف أكثر من 5000 من عناصر الفلول والشبيحة، بضمنهم رتب أمنية وعسكرية رفيعة، والمباشرة بمحاكمة رموز الإجرام أمثال أمجد يوسف، يُمثّل إعلاناً صريحاً عن ولادة "مسار دولة" حقيقي.
إلا أن ما شهدته الأيام القليلة الماضية من تحركات عشوائية، ومحاولات لتطبيق "عدالة الشارع" عبر ملاحقة وتصفية أو طرد محسوبين على الفلول خارج إطار المؤسسات، يضعنا أمام سؤال ملحّ: من الذي يملك المصلحة الحقيقية في جر أبناء الثورة إلى مربع معاداة القانون، وهدم مسار الدولة الناشئة؟
المحور الأول، "الواقعية السياسية" مقابل "العاطفة الثورية":
يفرض علينا المنظور الفكري التمييز بين منطقين: منطق الثورة القائم على الغضب والمحاسبة الفورية، ومنطق الدولة القائم على التوازنات، والاستقرار، والاستمرارية.
تضطر السلطات الانتقالية تاريخياً إلى ممارسة ما يُعرف بـ "الواقعية السياسية"، حيث يملي هذا المنطق أحياناً إجراء مساومات أو تفاهمات مؤقتة مع شبكات مالية أو تكنوقراطية من النظام السابق لضمان عدم انهيار سلاسل التوريد والاقتصاد، ولتفادي حدوث فراغ خدمي قد يؤدي إلى كارثة إنسانية.
وإن وعي الجماهير بهذه المساومات غالباً ما يكون مشحوناً بالإحباط العاطفي، وهو أمر مفهوم إنسانياً بالنظر إلى حجم المظالم التاريخية، لكن الخطورة تكمن في تحول هذا الإحباط إلى سلوكيات تدميرية ترفض مسار الدولة القضائي، وتستعيض عنه بـ "العدالة الخاصة"، ولن يضر هذا الانزلاق فقط بالمسار المؤسساتي، بل يخدم – عن وعي أو دون وعي – أطرافاً تتربص بالكيان السوري غير أن الإنصاف التاريخي والمقاربة السوسيولوجية العميقة تفرض علينا ألا نختزل هذا الاندفاع الشعبي في كونه مجرد ‘جهل سياسي’ أو ‘انقياد لمؤامرات’، إنه قبل كل شيء وليد صدمة جماعية وجرح وجودي؛ فالثائر اليوم يرى في كل تأخير قضائي، وفي كل وجه مألوف من رجال النظام السابق يعبر الشارع بحرية، استفزازاً مباشراً لكرامته واستباحة جديدة لدماء رفاقه.
ليظهر السؤال المشروع والمرير الذي يصرخ في دواخل الكثيرين: "كيف ننتظر ونحن نرى جلادينا يمشون في الأسواق بينما أبناؤنا في المقابر؟".
وهنا لايمكن وصف هذا السؤال كـ نزق عابر، لأنه في حقيقته تعبير عن أزمة ثقة حادة بين الفرد والدولة الناشئة، التي لم تستطع بعد، لأسباب موضوعية، أن تقدم للشارع خلاصاً سريعاً أو ‘عدالة مرئية’ تعيد له إحساسه بالإنسانية.
ولايمكن الحل الحكيم في كبت هذا السؤال أو تجريم صاحبه، بل في تبنيه سياسياً وقضائياً، وتحويل طاقته الهائلة من مسار الانتقام الفردي – الذي يُفقد الحراك مصداقيته ويسهل اختراقه – إلى زخم شعبي منظم يُمارس الضغط المدني على القضاء لتتسارع خطاه، وعلى السلطة لتحقق وعودها.
فالشارع الغاضب لايجوز ولم ولن يكون عدواً للدولة، بل هو ضميرها الحي المتوجس، لكن تحويل هذا الضمير من ‘رقيب أخلاقي’ إلى ‘جلاد خارج القانون’ هو بالضبط الهدف الخفي الذي يسعى إليه المتربصون، وهو الفخ الذي إن وقع فيه أبناء الثورة المنتصرون، فإنه سيُنهي مشروع الثورة قبل أن يكتمل ميلاد دولتهم الجديدة.
لقد أثبتت التجارب التاريخية، من تجربة ما بعد سقوط نظام تشاوشيسكو في رومانيا إلى تجربة ما بعد صدام حسين في العراق، أن الانزلاق نحو عدالة الشارع لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات، وتدمير النسيج الوطني، وإطالة أمد المعاناة.
أما التجارب الناجحة كتجربة جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري، فقد قامت على المصالحة المؤسساتية والعدالة الانتقالية المنظمة، رغم ضخامة المظالم وتعدد الأطراف المتضررة.
المحور الثاني، هندسة الفوضى.. من المستفيد؟:
إذا قمنا بتفكيك المشهد وفق أدوات التحليل الاستراتيجي، سنجد أن هناك ثلاث جهات رئيسية تتقاطع مصالحها في تحويل الثوار إلى "خارجين عن القانون":
أولاً، شبكات النظام البائد والفلول المتضررة:
إن بناء مؤسسات قضاء مستقل وأجهزة أمنية محترفة يعني النهاية الحتمية لرموز النظام البائد قانونياً وبشكل لا رجعة فيه.
لذلك، ستسعى هذه الشبكات إلى إثارة الذعر ودفع الشارع نحو العنف العشوائي، بهدف تصوير السلطة الانتقالية على أنها عاجزة عن ضبط السلم الأهلي، ومن ثمَّ إفشال مسار المأسسة لتنجو هذه الشبكات من المحاسبة المنظمة.
فعندما يقوم مدنيون غاضبون بالاعتداء على شبيح أو طرده، تستغل هذه الخلايا الحادثة لإثارة الفزع والقول بأن "السلطة الانتقالية عاجزة عن حماية السلم الأهلي"، وبالتالي عرقلة مسار تفكيكهم قانونياً.
نحن هنا أمام نموذج "الضحية المتظاهرة" الذي يهدف إلى تثبيط عزيمة الدولة الجديدة وخلق حالة من الفوضى الخلاقة التي تسمح لهذه الشبكات بإعادة ترتيب أوراقها، بالتضحية بصغار جماعتهم على حساب المجرمين الكبار.
ثانياً، أصحاب الأجندات الراديكالية وأمراء الحروب:
تزدهر التنظيمات المتطرفة والتشكيلات المنفلتة في بيئة الفوضى وغياب القانون، ويعني قيام دولة المؤسسات سحب البساط من تحت أقدام هذه القوى وتحجيم نفوذها الفصائلي.
من هنا، تعمد هذه الأطراف إلى دغدغة عواطف المتظاهرين تحت شعارات "التخوين" أو "التفريط بدم الشهداء"، لعرقلة أي جهد حكومي للتنظيم وبسط السيادة.
كما أن غياب القانون يمنحها بيئة خصبة للاستمرار، لذلك تحرض الجماهير عاطفياً تحت شعار "الدولة تساوم على دماء الشهداء" لدفعهم نحو العنف واعتراض مسار الحوكمة.
تدرك هذه الأطراف أن أي نجاح للدولة الانتقالية يعني نهايتها حتماً، لذا تبذل قصارى جهدها لتشويه صورتها وإظهارها كدولة "مترددة" أو "متواطئة" مع بقايا النظام البائد.
ثالثاً، القوى الإقليمية والدولية المعادية للاستقرار:
تنظر قوى خارجية عديدة بريبة إلى النموذج السوري الناشئ وتخشى نجاحه، وسيكون لديها أن أفضل وسيلة لضرب هذا النموذج هو حرمان الدولة الانتقالية من أكسجين الاستقرار، والاستثمار ورأس المال.
وعندما تُصدَّر إلى العالم مشاهد السحل والتصفية خارج القانون، يتراجع المستثمرون ورجال الأعمال المغتربون عن ضخ أموالهم، وتجد الأطراف الدولية ذريعة للتنصل من التزاماتها بذريعة أن البديل الحالي "غير ناضج سياسياً" ومحكوم بقانون الغاب.
إن تصدير صورة الفوضى من سورية يخدم أولئك الذين يريدون إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار، سواء لأسباب جيوسياسية أو اقتصادية، والذين يخشون أن يكون النموذج السوري الجديد قدوة لشعوب أخرى في المنطقة تسعى للتغيير.
ويدرك هؤلاء أن استقرار سورية يعني تحولاً في موازين القوى الإقليمية، لذا يستثمرون في إخفاقها.
المحور الثالث، التبعات الفلسفية والسياسية لانفلات العنف:
يُعرّف الفيلسوف وعالم الاجتماع ماكس فيبر الدولة بأنها "المؤسسة الكيان الإنساني الذي يحتكر حق الاستخدام الشرعي للعنف المادي".
بناءً على هذا المفهوم، فإن تفتيت هذا الاحتكار وجعله مشاعاً في أيدي المجموعات أو الأفراد – مهما كانت دوافعهم نبيلة أو ثورية – يعني ببساطة هدم مفهوم الدولة والعودة بالمجتمع إلى "حالة الطبيعة" التي وصفها توماس هوبز بأنها حالة "حرب الجميع ضد الجميع".
عندما يظهر أبناء الثورة بمظهر القوى المعادية لمسار الدولة، فإنهم يقدمون أكبر خدمة مجانية للسردية التي طالما روجها النظام البائد عالمياً ومحلياً: "أنا أو الفوضى".
كما سيُفقد هذا الانزلاقُ الحراكَ تفوقه الأخلاقي والقانوني، ويحوله من مشروع "بديل حضاري" إلى مجرد "أداة انتقام أهلي"، مما يهدد بنسف الشرعية الدولية التي تحاول السلطة الانتقالية انتزاعها وتثبيتها اليوم.
إن التبعات الكارثية للوقوع في هذا الفخ تتجلى في عدة مستويات:
أولاً، هروب رأس المال الاستثماري:
لقد حققت السلطة الانتقالية قفزات ملموسة في جذب استثمارات بمليارات الدولارات وعودة مئات الآلاف من المغتربين وأصحاب الأموال.
لتعيد مشاهد السحل أو الطرد خارج القانون عقارب الساعة للوراء وتخيف المستثمر الذي يبحث أولاً وأخيراً عن "سيادة القانون".
فإن أي بيئة استثمارية تحتاج إلى الاستقرار الأمني والقضائي لضمان عوائدها، وأي خلل في هذا الجانب سيدفع المستثمرين إلى التردد أو الانسحاب، مما يحرم الدولة الانتقالية من الموارد الحيوية التي تحتاجها لإعادة الإعمار وخلق فرص العمل.
ثانياً، ضرب الشرعية الدولية للسلطة الانتقالية:
يراقب المجتمع الدولي قدرة السلطة الجديدة على حماية المواطنين وبسط الأمن، ولعل تصرفات المحسوبين على الثوار العشوائية تضعف موقف الدولة التفاوضي في المحافل الدولية وتصوّر الحراك على أنه "مليشياوي" وليس مشروع دولة وهي المحسوبة عليهم والمحسوبين عليها.
إن أي فقدان للشرعية الدولية يعني تعقيداً في عملية الاعتراف الدبلوماسي، وتأخيراً في رفع العقوبات، وعرقلةً لعودة سورية إلى محيطها العربي والدولي، مما يطيل أمد المعاناة الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثاً، تدمير النسيج الاجتماعي وإشعال الفتن:
غالباً ما تتخذ العدالة الفردية طابعاً طائفياً أو عشائرياً أو مناطقياً في سياق مجتمع متعدد مكوناته، وأي انتقام شخصي خارج القانون يهدد بإشعال فتنة لا تحمد عقباها، خاصة في بلد يعاني أصلاً من تداعيات حرب مركبة طويلة.
كما أن السلم الأهلي الهش يحتاج إلى معالجة قانونية موضوعية، وليس إلى انتقامات عشوائية تزيد الجراح عمقاً وتخلق دوائر جديدة من الثأر والضغائن.
وبالختام، بناء الدولة هو الانتقام الأسمى:
يفرض الوعي الاستراتيجي على أبناء الثورة السورية إدراك أن أعظم انتقام من النظام الشمولي البائد ليس قتل شبيح في الشارع، بل بناء الدولة العادلة والمستقرة التي عجز ذلك النظام عن بنائها على مدار عقود.
وإن إرساء مسار الدولة وبناء المؤسسات لا يعني بحال من الأحوال التغاضي عن المجرمين أو مصالحة القتلة، بل يعني محاكمتهم وفقاً لآليات "العدالة الانتقالية" المنظمة التي تحفظ كرامة الضحايا وتصون السلم الأهلي.
و حماية هذا المسار والدفاع عنه هو الواجب الثوري الأسمى في هذه المرحلة؛ لقطع الطريق على كل من يتربص بسورية، ولمنع تحويل تضحيات ملايين السوريين من مشروع وطن ودولة، إلى كانتونات للفوضى والاضطراب.
إن أبناء الثورة مدعوون اليوم إلى أن يكونوا "أعواناً لإنفاذ القانون" عبر تقديم الأدلة والتوثيقات لهيئات العدالة الانتقالية والداخلية، بدلاً من الانجرار لـ "عدالة الشارع" التي تهدم ما بنوه بدمائهم.
فالدولة التي يبنونها اليوم هي خلاصهم من عقود القهر، وهي الضمان الوحيد لعدم عودة الاستبداد يوماً.
وسييبقى في زمن تتصارع فيه مشاريع الفوضى والاستقرار.. سيبقى خيار الدولة والمؤسسات هو الطريق الأوحد نحو غدٍ أفضل.
وإن وعي السوريين بفخاخ المرحلة الانتقالية وتكاتفهم حول مشروع الدولة الحديثة هو السلاح الأقوى في مواجهة كل المتربصين بهذا البلد العريق المكلوم.