قد يظن البعض أن الإرهاب هو نوع واحد فقط وهو الإرهاب دون البحث في ماهيته وأسباب نشوئه والظروف التي دعت اليه، في الحقيقة الإرهاب ليس نوعا واحدا بل هو عدة أنواع أولها إرهاب الدولة وهو الإرهاب الذي تمارسه الدولة على المواطنين من خلال ادواتها الأمنية وأجهزة القمع الأمني فيها بحيث يصبح مجرد الحديث في السياسة تهمة وجرم ثابت الأركان والأدلة والمصير معروف مسبقا أما دخول السجن أو دخول المقبرة.
أما النوع الثاني من الإرهاب وهو ردة فعل المواطن المقموع اتجاه الدولة وهو رد فعل طبيعي إلا ان الدولة الأمنية تراه تمردا وارهابا وتكافحه بكل وسائل القمع والتعذيب المبتكرة والتقليدية.
بينما النوع الثالث من الإرهاب هو الإرهاب الدولي وهو الذي تمارسه دولة على دولة أخرى تماما كالذي يمارسه الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني.
في سورية ومع تسلم حافظ الأسد السلطة في عام 1970 وجد أن البنية الأمنية لدولته متوفرة خصوصا في المرحلة التي سبقت اغتصابه السلطة فقد حلت الأحزاب السياسة نفسها في سبيل الوحدة بين سورية ومصر وتبلورت الأجهزة الأمنية والقمعية وأصبح المناخ ملائما لإقامة دولة القمع على ألسنة الناس حتى وصل الامر الى تأليه الحاكم وزرع الفكرة الدموية في عقول المواطنين عبر حزب البعث العربي الاشتراكي بأن حافظ الأسد هو قبطان السفينة السورية التي سيقودها الى بر الأمان.
وجد الأسد مبكراً أن التحكم في مفاصل الدولة يتطلب هيكلة إدارية جديدة تضمن ولاء الفئات المسيطرة على هذه المفاصل فقد كان الولاء الطائفي العامل الأساسي في تقلد المناصب الحساسة في الدولة فتم حصرها بأبناء الطائفة العلوية لسببين رئيسين وهما كسب ولائهم ورضاهم وتشكيل قاعدة شعبية قوية بينما المناصب من الصف الثاني التي لا تشكل تهديدا مباشرا لأمن النظام تم تقليدها لأبناء الطائفة السنية والطوائف الأخرى.
ولتعزيز هذه السياسة الأمنية سعى حافظ الأسد الى كسب الشارع السني ليمنع وجود أي نفوذ إسلامي معارض لضمان استقرار النظام والأمن .
وبالعودة الى ما قبل نظام الأسد نجد أن الشعب السوري كان واحدا موحدا ومتعايشا مع بعضه البعض دون وجود أي طابع طائفي فالسنة والعلويون والاسماعيليون واليهود والمسيحيون كانوا يدا بد لبناء الوطن السوري وبعد تسلم حافظ الأسد السلطة سعى جاهدا الى زرع بذور الفتنة الطائفة بين أبناء الشعب الواحد ليستطيع إحكام القبضة الأمنية عليهم ومنع قيام أي معارضة سياسية أو مسلحة ضد النظام إلا أن المفارقة أنه ليس فقط باقي الطوائف من غير طائفته قد عانت الويلات من هذا النظام بل أن طائفته أيضا لم تنجو من القيود و السجون والافرع القمعية ووصفات الحكم المعلبة.
سياسياً تولى حزب البعث العربي الاشتراكي وهو الحزب الحاكم قيادة الدولة ومارس سياسة كم الافواه وقطع الارزاق والاعناق لكل من تسول له نفسه معارضة الأسد الاب والأسد الابن ولأن احتكار العمل السياسي كان محصوراً بحزب البعث المُنحل عمل النظام السوري على اقصاء باقي الأحزاب السياسية وحظرها من العمل السياسي كنموذج لحكم الحزب الواحد والفرد الواحد ضاربا مبادئ التعددية السياسية والديمقراطية بعرض الحائط وانتشر أفكار الحزب ومعتقداته ممثلة بأعضائه في مؤسسات الدولة كما ينتشر الورم في جسد المريض.
وعليه فإن سجن صيدنايا(السجن العسكري الأول) الذي افتتح رسميا في عام 1987 كان سجنا لكل من تسول له نفسه ممانعة هذا النظام على الرغم من كونه سجنا عسكريا إلا أنه ضم جميع فئات الشعب السوري من المعارضين لنظام الاسدين ومن أنصار الأحزاب المعارضة والمحظورة ومن السياسيين المطالبين بالإصلاح والتغيير، فلم يكن نظام الأسد يستوعب فكرة المعارضة حتى ولو كانت بالكلمة، علما أن المعارضة في أي بلد في العالم تعتبر الوضع الصحي للحياة السياسية إلا أن حافظ الأسد كان له رأيا أخر فقد حول سجن صيدنايا الى هولوكوست بالمعنى الحقيقي للكلمة.
وبعد نفوق حافظ الأسد في عام 2000 وجد ابنه بشار الأسد ضمن تركة والده الديكتاتور إرثا قمعيا وتركة دموية كبيرة تمثلت في الإدارة الأمنية القمعية والسجون سيئة الصيت وكأن اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واحكام نظام السجون شكل من اشكال المعارضة المسلحة لنظام الديكتاتور حافظ الأسد.
وعليه وعلى مر الزمان ومرور أكثر من نصف قرن على حكم الدولة الإرهابية فقد نرى في المكتب الحقوقي لتيار المستقبل السوري أن النوع الأول من الإرهاب هو إرهاب الدولة الذي مارسه على الشعب السوري طوال هذه السنوات السوداء نظامُ الأسد، وندعو أبناء شعبنا السوري الى التكاتف والتعاضد والعودة الى ثقافة ووعي وتعاضد مرحلة ما قبل نظام الأسد وقراءة التاريخ جيدا وذلك لنبذ الفرقة الطائفية حتى ننهض بسورية المستقبل الى غد أفضل.