تغدو الأسئلة الكبرى أسئلة بقاء في لحظة التأسيس الوطني التي تعقب طول انهيار، ولعل السؤال عن العلاقة المركّبة بين منظومة المجتمع القيمية وبناء الدولة هو استفهام عن جدوى الكيان السياسي برمته. فالدولة الحديثة لا تُستنبت في مختبرات الدساتير والقوانين فحسب، بل في تربة الأخلاق العامة وهواء القيم المشتركة. وفي سوريا، حيث تعرّض النسيج المعنوي لتمزيق ممنهج طوال عقود، يتخذ هذا السؤال طابعاً وجودياً لا يحتمل التأجيل.
في ماهية الأزمة الأخلاقية:
قبل مساءلة دور الدولة، يقتضي المنهج الفلسفي مساءلة طبيعة ما فُقد. وتحضرنا هنا المواجهة الفكرية بين اتجاهين حداثيين في تعريف الأخلاق.
الأول، وهو ما يمكن تسميته "أخلاق المدونة"، حيث تُختَزل المنظومة القيمية في قائمة قواعد ومحرمات قانونية. لكن الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو تجاوز هذا الفهم قائلاً إن الجوهر الحقيقي للأخلاق ليس الامتثال لناموس خارجي، بل هو ذلك "الاشتغال الجمالي للذات على ذاتها"، أي ممارسة واعية ومستمرة لتشكيل النفس البشرية وفق مبادئ وجودية تختارها.
في المقابل، وفي اشتغال الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن على ما أسماه "الائتمانية"، نجد نقداً مزدوجاً: فهو يرفض من جهة اختزال الأخلاق الغربية في العقلنة المجردة، ويرفض من جهة أخرى الاستسلام لقراءة تقليدانية للنص الديني، ليقدم بديلاً هو "الميثاق الأخلاقي"، حيث الإنسان ليس مجرد كائن عاقل، بل "كائن مؤتمن"، وجوده في هذا العالم هو أمانة تستوجب مسؤولية تجاه الخالق والكون والمجتمع. في هذا السياق، ندرك أن الدولة المستبدة السابقة لم تكتفِ بانتهاك القوانين، بل مارست تدميراً أخلاقياً منهجياً استهدف هذه "المسؤولية الائتمانية"، وحوّل المواطن إلى تابع مستكين أو متآمر ماكر.
وهنا يصبح الرقم وصفاً لعمق الجرح. فأحدث بيانات مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 تضع سورية في مرتبة متأخرة للغاية (172 من 182)، وهو ما لا يعكس مجرد خلل إداري، بل يعكس انتصار ثقافة اللاأخلاق، وانسداد أفق "ممارسة الذات الفاضلة" الذي تحدث عنه فوكو وعبد الرحمن معاً.
أنوميا دوركايمية:
يقودنا هذا التدمير الممنهج للقيم إلى قلب النظرية السوسيولوجية مع إميل دوركايم وتحذيره الشهير من حالة (الفوضى والتفكك الأخلاقي) أو بتعبيره: "الأنومي" Anomie. فهي ليست مجرد فوضى، بل هي تحديداً حالة انهيار القواعد الأخلاقية والمعايير الضابطة التي تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والمعنى والهدف. المجتمع في حالة الأنومي هو مجتمع تتفكك فيه الروابط العضوية التي تجعله كياناً متماسكاً.
وإذا جئنا إلى الحالة السورية، نجد أن وصف الأنومي يكاد يكون تطابقاً لا مفر منه.
فمؤشر السلام العالمي الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام لعام 2025 لا يكتفي بوضع سورية بين الدول العشر الأقل سلماً في العالم، بل يُعمّق التحليل مشيراً إلى "ضعف الحوكمة، وتفكك المؤسسات، وتدهور حاد في الثقة" كمسببات أساسية لغياب السلام. هذه هي أعراض الأنومي بعينها. والمرتبة 158 من أصل 160 التي تحتلها سورية على دليل تحديات التنمية (الإسكوا/الأونكتاد 2024) هي تحصيل حاصل لمجتمع يقف فيه 90% من أفراده تحت خط الفقر (إحصاءات الأمم المتحدة 2024)، حيث تذوي إنسانية الإنسان، وتضمحل قيم التكافل والتضامن أمام قسوة الحاجة. كما لو أن الجسد الاجتماعي السوري قد فقد نظامه المناعي الأخلاقي.
جدل الدولة والمجتمع:
في مواجهة هذا الفراغ الأخلاقي، يبرز السؤال الأصعب: ما دور الدولة؟ هل تكتفي بأن تكون إطاراً قانونياً محايداً يكفل الحريات، أم أنها مطالبة بما هو أكثر؟
يقدم لنا الفيلسوف الأمريكي المعاصر مايكل ساندل نقداً عميقاً لليبرالية الكلاسيكية، متسائلاً: كيف يمكن لدولة تدّعي الحياد التام بين تصورات "الحياة الجيدة" أن تنتج مواطنين فاضلين يحتاجهم أي نظام ديمقراطي؟
تفتح هذه الثغرة الليبرالية الباب ضرورة للدولة لتبني مشروعاً أخلاقياً. وفي الفكر الإسلامي، يذهب طه عبد الرحمن بعيداً جداً في هذا الصدد، إذ يرفض فكرة الدولة بوصفها مجرد "حارس ليلي" أو جهازاً إدارياً. الدولة عنده "كيان أخلاقي" مهمتها التاريخية هي صون الميثاق الأخلاقي الذي يسبق العقد الاجتماعي السياسي. فليست الدولة مجرد وليدة اتفاق على المصالح، بل هي ثمرة تطور مجتمعي يمثل انعكاساً لرؤية قيمية شاملة.
وهنا نتذكر تحذير المفكر الجزائري محمد أركون من خطورة استمراء المجتمعات المسلمة التعايش مع "دولة بلا أخلاق"، ونقده لأنظمة حوّلت الدين إلى مجرد آلة للشرعنة السياسية بدلاً من أن يكون طاقة روحية وأخلاقية محررة.
وكذلك تشخيص محمد عابد الجابري لعلة "العقل السياسي العربي" المتمثلة في البون الشاسع بين خطاب القيم وممارسة السلطة. فالدولة التي تكون "عقلاً للمجتمع" وحارسة لقيمه، وفق منطق الجابري وأركون، لا يمكنها أن تكون استمراراً للازدواجية الأخلاقية، بل ينبغي أن تكون قطيعة معها عبر تأسيس ممارسة سياسية يطابق فيها الفعلُ القولَ.
لكن كيف يكون هذا التأسيس ممكناً وشعب يرزح 66% منه في فقر مدقع؟
يجيبنا الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سين بأن التنمية هي "توسيع للحريات الجوهرية". حرية التفكير الأخلاقي، وحرية المشاركة السياسية، وحرية العيش الكريم هي شروط بعضها بعضاً. فلا يمكن أن نطلب من إنسان سُلب الخبز والكرامة أن يكون مواطناً فاعلاً أخلاقياً، فخبز الكرامة وحرية الضمير صنوان لا يفترقان في تأسيس العقد الاجتماعي الجديد.
خاتمة:
انطلاقاً من هذا التشخيص الفلسفي المركب، يمكن التقدم بتوصيات عملية تشكل خارطة طريق لإعادة إنتاج المنظومة القيمية كأساس للدولة السورية الحديثة:
- تأسيس "لجنة وطنية للحقيقة والمصالحة الأخلاقية" لا تكتفي بالعدالة القانونية، بل تعمل على رواية الحقيقة، وتفكيك إرث الأكاذيب الكبرى، وتوثيق الانتهاكات التي طالت الضمير الفردي والجمعي، تمهيداً لمصالحة وطنية تؤسس لذاكرة أخلاقية مشتركة.
- إطلاق "الميثاق الوطني للقيم"، عبر صياغة وثيقة وطنية تشاركية تمثل أدنى مشترك من القيم العليا (الكرامة، العدل، المواطنة، التعددية، نبذ العنف) تكون بمثابة المرجعية الأخلاقية للدولة والمجتمع، مستلهمة نقاشات فكرية وفلسفية تمثل جميع أطياف المجتمع السوري.
- إعادة بناء التعليم على فلسفة "المواطنة الأخلاقية"، وتطوير مناهج تعليمية لا تقوم على التلقين، بل على الفلسفة الأخلاقية التطبيقية، وغرس قيم التفكير النقدي، والمسؤولية الفردية والجماعية، والتاريخ بصفته دروساً للضمير وليس فقط سردية للانتصارات.
- مأسسة مكافحة الفساد كمعركة وجودية أخلاقية، ويبدأ ذلك بإقرار قوانين شفافية مطلقة، وإنشاء هيئة مستقلة عليا لمكافحة الفساد، يكون قوامها شخصيات وطنية مشهود لها بالاستقامة الأخلاقية قبل الكفاءة المهنية.
- دولة الرعاية والكرامة، و الاستثمار في رأس المال الأخلاقي من خلال انتهاج سياسات اقتصادية واجتماعية يكون هدفها المعلن هو القضاء على الفقر المدقع وضمان الكرامة الأساسية للمواطن، باعتبار أن الكرامة هي الشرط المادي المسبق لأي وجود أخلاقي حر، فإنه لا دولة أخلاقية على أنقاض الجوع.
- إصلاح المؤسسة الدينية نحو خطاب "الائتمان العام"، وفتح حوار وطني معمق حول دور الدين في المجال العام، يستند إلى مقاربات طه عبد الرحمن ومحمد أركون النقدية، بهدف تجديد الخطاب الديني ليكون داعماً لقيم المواطنة والتعددية والأخلاق الائتمانية، بدلاً من أن يتحول إلى أداة للصراع والتكفير.
إن الطريق إلى الدولة الحديثة في سورية لا يُعبد بالمال والسلاح فقط رغم أهميتها، ولكن هذا الطريق يُنار أولاً وآخراً بالفلسفة والأخلاق. صحيح أنها رحلة سياسية، لكنها أشبه بطقس جماعي لإعادة تعريف من نكون، ولماذا نستحق أن نُكون وطناً.