قراءة في كتاب "إعادة الإعمار كعنف في سورية الأسد"

صدر عن مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة في 19 أغسطس/آب 2025، كتابٌ يحمل عنواناً استفزازياً: Reconstruction as Violence in Assad’s Syria (إعادة الإعمار كعنف في سورية الأسد).
جاء الكتاب في لحظة تاريخية فريدة، أي بعد ثمانية أشهر فقط من سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، لكنه كُتب واستُكمِل قبل ذلك، ليكون شهادة على مرحلة انتهت لتوها، وتحذيراً من إرث لم يزل.
يجمع الكتاب بين دفتيه 262 صفحة، وهو من تحرير ناصر رباط (أستاذ تاريخ العمارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) ودين شارب (باحث في كلية لندن للاقتصاد)، مع تقديم بقلم هاشم سركيس، عميد كلية العمارة في MIT سابقاً.
وهو جزء من سلسلة "دراسات الشرق الأوسط الحضرية" الصادرة عن AUC Press.

الفكرة المركزية – عندما يصبح الإعمار سلاحاً:

ينطلق الكتاب من فرضية جريئة ومفاجئة في آن: إعادة الإعمار في سورية لم تكن عملية تعافٍ سلمية، بل كانت استمراراً للحرب بوسائل أخرى، حيث يتحدى المؤلّفون الثنائية التقليدية التي تفصل بين "مرحلة العنف" و"مرحلة البناء".
ففي السياق السوري، لم يكن الإعمار مجرد إصلاح للبنى التحتية، بل أداة لإعادة تشكيل المشهد الحضري والديموغرافي، وتهميش المجتمعات "غير الموالية"، وتعزيز سيطرة النظام.
ويستعير الكتاب مفهوم "الإجرام الحضري"، أي القتل المتعمد للمدينة من خلال تدمير بنيتها التحتية وعمارتها وشوارعها وأسواقها وحدائقها، بهدف محو المجتمعات المحلية وتفكيك النسيج الاجتماعي.

الهيكل والمحتوى:

يضم الكتاب مساهمات من معماريين ومخططين حضريين وجغرافيين ومؤرخين، من بينهم:

  • سوسن أبو زين الدين (مهندسة معمارية سورية)
  • عمار عزوز (باحث في جامعة أكسفورد، ومؤلف كتاب Domicide)
  • وندي بولان (جامعة كامبريدج)
  • هيغنار واتينبو (جامعة كاليفورنيا)

المفاهيم المحورية التي يوظفها الكتاب:

  • Urbicide (الإجرام الحضري): تدمير المدينة بهدف محو هويتها وسكانها.
  • Domicide (إجرام المنازل): تدمير المنازل كأداة لتهجير السكان قسراً.
  • Civilian Crisis Architecture: العمارة المدنية في زمن الأزمة كاستجابة وسلاح في آن.

أبرز المعلومات والاستنتاجات:

  1. خطاب الأسد 2017، "سورية أكثر تجانساً":
    ألقى بشار الأسد في عام 2017، خطاباً اعتُبر نقطة تحول، أعلن فيه أن سورية أصبحت "أكثر تجانساً"، وبالتالي "أكثر صحة" – في إشارة صريحة إلى التطهير الديموغرافي والطائفي الذي طال المدن السورية.
  2. من "حلم حمص" إلى الكابوس:
    يكشف الكتاب أن سياسة إعادة الإعمار الانتقائية لم تبدأ مع الحرب.
    ففي عام 2007، أي قبل أربع سنوات من الانتفاضة، كان النظام قد وضع خططاً لإعادة تطوير مدينة حمص تحت مسمى "مشروع حلم حمص"، تضمنت أبراجاً فاخرة ومراكز تسوق، لكنها كانت تغطي نية أعمق وهي إعادة هندسة ديموغرافية للمدينة.
  3. تدمير الأحياء السنّية في حمص:
    يتناول الفصل الذي كتبته سوسن أبو زين الدين تداعيات هذه السياسات على مدينة حمص.
    ففي عام 2012، جرى تهجير سكان الأحياء السنّية مثل بابا عمرو التي لعبت دوراً محورياً في الانتفاضة، تكتب سوسن: "توحيد سورية كان حرباً تُشن بوسائل مختلفة.
    وفي صميمها التلاعب بالبيئة المبنية في المناطق المستهدفة. فرض التجانس هو شكل من أشكال الإبادة".
  4. لا مدينة سلمت:
    يورد الكتاب حقيقة موجعة: "لم تترك الحرب أي مدينة، قرية، أو موقع تاريخي دون أن تمسّه، والعديد منها إما فقد إلى الأبد أو سيستغرق ترميمه جيلاً أو جيلين".
  5. تحذير للعالم:
    لا يقتصر الكتاب على سورية؛ بل يقدّم نفسه "كإنذار، وصوت تحذير، وربما خريطة طريق لتجاوز العقبات المرتبطة بعدم المساواة والظلم وطبيعة الصراع"، على حد تعبير ناصر رباط.
    فهو ينطبق على فلسطين واليمن وليبيا والعراق ولبنان والسودان، التي تمر بدورات مشابهة من الدمار وإعادة الإعمار.

قراءة نقدية:


أ. نقاط القوة:

  1. الأطروحة الجريئة: تقديم إعادة الإعمار كاستمرار للعنف هو إسهام نظري أصيل، يتجاوز التحليلات السطحية التي تختزل إعادة الإعمار في "إصلاح البنى التحتية".
  2. التخصصية والعمق: الجمع بين معماريين ومخططين حضريين ومؤرخين يمنح الكتاب عدسات متعددة لقراءة المشهد السوري.
  3. التوقيت الاستثنائي: صدور الكتاب بعد سقوط النظام بأشهر يجعله وثيقة تاريخية مهمة لفهم سياسات المرحلة الأخيرة من حكم الأسد.
  4. المرجعية المفاهيمية: توظيف مفاهيم مثل urbicide وdomicide يمنح التحليل أداة نقدية قابلة للتعميم على صراعات أخرى.

ب. نقاط النقد والتساؤلات:

  1. غياب التحليل الاقتصادي الكلي: يركز الكتاب بقوة على البُعد الحضري والمعماري، لكنه قد يهمل الأبعاد الاقتصادية الكبرى لإعادة الإعمار، مثل من يمول؟ ما دور الشركات الروسية والإيرانية؟ كيف أثرت العقوبات؟
  2. الإفراط في التحديد المفاهيمي: قد يشعر القارئ أن الكتاب يطوّع الواقع السوري ليلائم مفاهيم urbicide وdomicide، بدلاً من ترك الواقع يقود التحليل.
  3. غياب قراءة لما بعد الأسد: يُذكر في الكتاب أن سقوط النظام يطرح أسئلة جديدة حول إعادة الإعمار في ظل حكومة انتقالية، لكنه لا يقدّم إجابات، وهذا ليس عيباً بقدر ما هو دعوة لكتاب تالٍ.
  4. الجمهور المتخصص: الكتاب، بطبيعته الأكاديمية، قد لا يكون في متناول القارئ العام فمفاهيم مثل urbicide وdomicide تحتاج إلى شرح وافٍ لمن لا يمتلك خلفية في الدراسات الحضرية.

الخاتمة:


إن كتاب Reconstruction as Violence in Assad’s Syria هو أكثر من مجرد كتاب عن سورية؛ إنه تحذير من إعادة الإعمار كأداة للسيطرة، ودعوة لإعادة التفكير في كيفية بناء المدن بعد الحروب.
ويبقى هذا الكتاب في زمن ما بعد الأسد، مرجعاً مهماً لفهم ما جرى، وتذكيراً بأن إعادة البناء لا تعني بالضرورة نهاية المعاناة.
لكن يبقى عائق أساسي، وهو اللغة.
فورود الكتاب بالإنجليزية فقط يحرم الغالبية العظمى من السوريين – ومنهم المخططون الحضريون والمهندسون والناشطون – من الوصول المباشر إلى تحليلاته العميقة.
لذلك، نخلص إلى التوصية بضرورة ترجمة هذا الكتاب إلى العربية في أقرب وقت، سواء من قبل الناشر نفسه، أو بمبادرة من مراكز دراسات أو جهات مانحة.
فكما يقول ناصر رباط: "الكتاب يحاول أن يقدّم نفسه كإنذار، وصوت تحذير" – وهذا الإنذار بحاجة إلى أن يسمعه السوريون بلغتهم.

المكتب العلمي
قراءة في كتاب
مقال

شاركها على:

اقرأ أيضا

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سورية

الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سورية تمثل خطوة مهمة في كسر العزلة الدولية.

6 يوليو 2026

إدارة الموقع

اعتماد أول مشروع وطني من صندوق المناخ الأخضر

مشروع وطني جديد من صندوق المناخ الأخضر يعكس الجهود لتحسين الوضع المائي في سورية والتكيف مع التغير المناخي.

6 يوليو 2026

إدارة الموقع