رموز وأعلام الدولة في سورية (50): محمد فوزي باشا العظم

يُعد محمد فوزي باشا العظم من أبرز الشخصيات التي جمعت بين الخبرة الإدارية العثمانية والوعي الوطني السوري في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.

وقد ارتبط اسمه بمشروعات عمرانية كبرى في دمشق، كما ارتبط بدور سياسي وتشريعي رائد تُوّج بانتخابه أول رئيس للمؤتمر السوري العام، الذي يُعد أول هيئة تشريعية منتخبة في تاريخ سورية الحديثة.

النشأة والتعليم:

وُلد محمد فوزي باشا العظم في دمشق عام 1858، لأسرة آل العظم العريقة التي لعبت دوراً بارزاً في إدارة دمشق خلال العهد العثماني.

اختلفت المصادر في اسم والده، فبعضها يذكر أنه محمد باشا العظم، بينما تشير مصادر أخرى إلى أنه علي باشا العظم، وكان والده عضواً في مجلس إدارة ولاية سورية.

تلقى تعليمه في المدارس الحكومية العثمانية، حتى نال شهادة الرشدية التي كانت تعادل المرحلة الثانوية، وأتقن اللغات العربية والتركية والفرنسية.

بداياته الإدارية:

بدأ مسيرته الوظيفية عام 1879 كاتباً في ديوان مجلس إدارة ولاية سورية.

واستمر في هذا المنصب حتى عام 1885، قبل أن يتدرج في عدد من المناصب الإدارية المهمة.

فعُين ناظراً لنفوس ولاية سورية بين عامي 1886 و1891.

ثم تولى رئاسة بلدية دمشق بين عامي 1892 و1900، وهو المنصب الذي شهد أبرز إنجازاته الإدارية والعمرانية.

نهضة عمرانية في دمشق:

ترك محمد فوزي باشا العظم بصمة واضحة في تطوير مدينة دمشق خلال رئاسته لبلديتها.

ومن أبرز المشاريع التي أشرف عليها:

١_ ترميم الجامع الأموي:
حيث أشرف على إعادة ترميم الجامع الأموي بعد الحريق الكبير الذي أصابه عام 1893، وإعادة إعمار الأقسام المتضررة منه.

٢_ تطوير سوق الحميدية:
استبدل السقف الخشبي التقليدي للسوق بسقف من الحديد والتوتياء، بهدف تقليل مخاطر الحرائق وتحسين البنية العمرانية.

٣_ بناء المستشفى الحميدي:
أشرف على إنشاء المستشفى الحميدي في حي البرامكة، والذي عُرف لاحقاً باسم المستشفى الوطني أو مستشفى الغرباء.

٤_ مشروع جر مياه عين الفيجة:
ساهم في إيصال مياه عين الفيجة إلى مدينة دمشق، في أحد أهم المشاريع الخدمية في تاريخ المدينة الحديث.

٥_ إنشاء دار البلدية:
أشرف عام 1896 على بناء دار بلدية دمشق في الجهة الغربية من ساحة المرجة.

دوره في الخط الحديدي الحجازي:

عُين مديراً للإنشاءات في مشروع الخط الحديدي الحجازي بين عامي 1901 و1909.

وساهم في تنفيذ واحد من أكبر المشاريع الاستراتيجية في المشرق خلال تلك المرحلة.

مكانته في الدولة العثمانية:

كان محمد فوزي باشا العظم من الشخصيات العربية التي حظيت بثقة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

فتدرج في الرتب المدنية العليا حتى نال لقب باشا عام 1896.

ثم رُقي عام 1901 إلى رتبة روم إيلي بكلربكي، وهي من أرفع الرتب المدنية في الدولة العثمانية، وتعادل رتبة الفريق العسكرية.

كما نال عدداً من الأوسمة الرفيعة، من أبرزها:

الوسام العثماني ذا العقد من الدرجة الثالثة (1893).

الوسام المجيدي ذا الوشاح من الدرجة الأولى (1904).

من إسطنبول إلى البرلمان العثماني:

في عام 1911 عُين رئيساً لبلدية منطقة بك أوغلي في إسطنبول.

وفي عام 1912 انتُخب نائباً عن دمشق في مجلس المبعوثان العثماني.

كما تولى منصب ناظر الأوقاف (وزير الأوقاف) في حكومة أحمد مختار باشا بتاريخ 21 تموز 1912، إلا أن الحكومة لم تستمر سوى عدة أشهر.

وأعيد انتخابه نائباً عام 1914.

أول رئيس لأول برلمان سوري:

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية عام 1918، أصبح مستشاراً للملك فيصل بن الحسين.

وفي 3 حزيران 1919 انعقد المؤتمر السوري العام في دمشق، باعتباره أول هيئة تشريعية منتخبة في تاريخ سورية.

وضم المؤتمر 120 عضواً يمثلون مختلف مناطق سورية الطبيعية.

وفي جلسته الأولى انتخب المؤتمر محمد فوزي باشا العظم رئيساً له، وعبد الرحمن اليوسف نائباً للرئيس.

وظل في منصبه حتى وفاته في دمشق بتاريخ 14 تشرين الثاني 1919.

وتولى رئاسة المؤتمر بعده كل من هاشم الأتاسي ومحمد رشيد رضا.

وفاته وإرثه السياسي:

توفي محمد فوزي باشا العظم في دمشق عام 1919 عن عمر ناهز 61 عاماً.

ورغم وجود بعض المصادر التي تشير إلى وفاته عام 1920، فإن غالبية الدراسات التاريخية ترجح عام 1919.

وقد انتقلت زعامة الأسرة السياسية بعده إلى ابنه الوحيد خالد العظم، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز رؤساء الحكومات السورية، وتولى رئاسة الوزارة ست مرات بين عامي 1940 و1962.

الأهمية التاريخية:

يمثل محمد فوزي باشا العظم نموذجاً متميزاً لرجل الدولة الذي استطاع الانتقال من الإدارة العثمانية إلى مرحلة التأسيس الوطني السوري دون أن يفقد كفاءته أو حضوره السياسي.

فقد جمع بين الإدارة والعمران والعمل التشريعي، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة السورية الأولى، كما ترك آثاراً عمرانية ما تزال حاضرة في دمشق حتى اليوم.

ويبقى انتخابه رئيساً للمؤتمر السوري العام محطة مفصلية في تاريخ الحياة الدستورية والنيابية السورية.

موقف تيار المستقبل السوري:

إننا في تيار المستقبل السوري، وإذ نستحضر رموز الدولة السورية، نرى أن محمد فوزي باشا العظم يمثل نموذجاً رائداً لرجالات الدولة الأوائل الذين نجحوا في توظيف كفاءتهم الإدارية والتشريعية العالية لبناء اللبنات الأولى للمؤسسات الوطنية السورية، منتقلاً بالبلاد بكفاءة وجدارة من الإدارة العثمانية إلى فضاء السيادة التأسيسية العربية.

ويرى تيار المستقبل السوري أن استعادة هذه النماذج التاريخية ليس عملاً توثيقياً فحسب، بل ضرورة وطنية وسياسية لإعادة بناء الوعي الدولتي السوري، القائم على تراكم الخبرات والتجارب، والاستفادة من دروس الماضي في فهم جدلية العلاقة بين الإدارة والحقوق في المراحل الانتقالية لبناء مستقبل البلاد.

وينظر تيار المستقبل السوري إلى سلسلة "رموز وأعلام الدولة في سورية" بوصفها جزءاً من مشروع وطني لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة السورية، وإحياء نموذج رجال ونساء الدولة القادرين على قيادة المسارات التشريعية في اللحظات الحرجة، وصون وحدة البلاد، واستعادة مكانتها الحضارية والسياسية عبر مؤسسات تمثيلية حقيقية.

وأخيراً، وعلى الرغم من المحاولات اللاحقة لتجريف الذاكرة المؤسسية والتاريخية السورية، يبقى حضور محمد فوزي باشا العظم كأول رئيس لأول برلمان سوري علامة فارقة في تاريخ التأسيس الدستوري والنيابي، وشاهداً على عمق الوعي القانوني والسياسي المبكر لرجالات سورية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الازدواج التشريعي في الحالة السورية – من ضرورة الإدارة إلى أزمة الشرعية التأسيسية

مقالة توضح ضرورة الإدارة في سورية ومعضلة الازدواج التشريعي في ظل غياب مجلس الشعب.

20 يونيو 2026

جمعة محمد لهيب

اليوم العالمي للاجئين

اليوم العالمي للاجئين يسلط الضوء على معاناة اللاجئين ودورهم في بناء مستقبل جديد بعد الصراعات.

20 يونيو 2026

إدارة الموقع