تعيش الحالة السورية لحظةً نادرة من الفراغ الدستوري المُركّب، لحظة لا يُديرها دستور دائم مُستفتى عليه، بل يحكمها إعلان دستوري مؤقت، في سياقٍ سياسيٍ لم تكتمل فيه بعدُ أركان العملية الانتقالية.
وفي قلب هذه اللحظة، تبرز إشكاليةٌ قانونية-سياسية ذات وجهين:
- من جهة، ثمّة ضرورة ملحّة لإدارة الدولة وإعادة هيكلتها، وهو ما يُنتج فيضاً من المراسيم التشريعية ذات الطابع الاقتصادي والإداري.
- ومن جهة مقابلة، ثمّة مطلب حقوقي ومجتمعي عاجل لإلغاء الترسانة القانونية الاستثنائية للعهد البائد، وهو مطلب لا يجد طريقه إلى النور التشريعي، ويُبرّر تأجيله غالباً بغياب مجلس الشعب.
لم تعد هذه الازدواجية في الفعل التشريعي – حيث تتسع الصلاحية لإنشاء شركات وهيئات عامة، وتنكمش فجأةً عند إلغاء قوانين الحريات – لم تعد مأخذاً حقوقياً وكفى، بل صارت معضلةً في صميم الشرعية التأسيسية للدولة الانتقالية.
وهذا المقال لا يهدف إلى إدانة أحد، بل إلى تقديم رؤية بحثية تساعد صانع القرار على استيعاب جذور هذه المعضلة، واقتراح إطارٍ نظري وعملي لتجاوزها.
المنهجية:
يعتمد المقال منهجاً تحليلياً مقارناً يجمع بين ثلاثة مسارات:
- تحليل النصوص: مقارنة مواد الإعلان الدستوري السوري مع مخرجات الممارسة التشريعية.
- التحليل الفلسفي-القانوني: استثمار أدوات فلسفة القانون في فهم إشكاليات "حالة الاستثناء" و"الضرورة التشريعية".
- المقاربة المقارنة: استخلاص الدروس من تجارب دولية في إدارة التشريع قبل انتخاب البرلمان (تونس 2011–2014، جنوب أفريقيا 1993–1996، العراق 2003–2005).
تشريح الظاهرة وما الذي تقوله الوقائع؟:
بالرجوع إلى السجل التشريعي للفترة الممتدة من تموز 2025 إلى أيار 2026، تظهر ملامح واضحة لنمط تشريعي انتقائي.
فقد صدرت مراسيم جمهورية بتعديل قانون الاستثمار، وإحداث شركات وطنية كبرى (كالبترول والتعدين والكهرباء)، وإعادة هيكلة قطاعات الجمارك والطيران المدني والمنافذ، وصولاً إلى إصدار قانون جديد للجمارك يمتد على 78 صفحة، وكل ذلك تم دون أي هيئة نيابية.
في المقابل، لا يزال قانون الجرائم المعلوماتية (رقم 20 لعام 2022) وأخواته من القوانين التي وُصفت – من جهات حقوقية سورية ودولية – بأنها استُخدمت أداةً للتضييق على الحريات، نافذةً دون مساس.
واللافت أن الإعلان الدستوري نفسه (المادة 48) ينص على أن "تمهد الدولة الأرضية المناسبة لتحقيق العدالة الانتقالية عبر إلغاء جميع القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضررا بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان".
من يقرأ المشهد قراءةً محايدةً لا يسعه إلا ملاحظة التباين الصارخ، حيث تكاد تكون الصلاحية التشريعية للسلطة التنفيذية مطلقةً في المجال الاقتصادي-الإداري، بينما تُعلّق على "مشجب البرلمان الغائب" في المجال الحقوقي.
هذه الملاحظة لم ولن تُصدر حكماً أخلاقياً على النوايا، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن المنطق القانوني الحاكم لهذا الانتقاء.
جذر المعضلة عبر شرعية "الضرورة" وهشاشتها الفلسفية:
تعيش الدولة الانتقالية من منظور فلسفة القانون، ما يُشبه "حالة الاستثناء" بتوصيف الفيلسوف الإيطالي جورجو أغامبين.
فالسلطة التنفيذية، في غياب السلطة التشريعية الأصلية (البرلمان)، تتولى وظيفة التشريع بحجة الضرورة.
لكن الفقه الدستوري يُعلّمنا أن "الضرورة" التي تُبرر الخروج المؤقت على مبدأ الفصل بين السلطات يجب أن تخضع لثلاثة شروط صارمة:
- الاستثنائية: أن تكون إجراءً مؤقتاً واستثنائياً، لا قاعدةً دائمة.
- التناسب: أن تقتصر على ما لا يمكن تأجيله مما يمسّ سير الدولة الأساسي ويمنع انهيارها.
- مشروعية الغاية والحياد القيمي: ألا تُستخدم الضرورة لتحقيق مشروع سياسي معين، بل فقط لضمان استمرار الحد الأدنى من عمل المؤسسات.
عند تطبيق هذه المحكات الثلاثة على الحالة قيد البحث، يجد المراقب الموضوعي نفسه أمام تساؤلات صعبة:
- هل ينطبق وصف "الضرورة التي لا تحتمل التأجيل" على إحداث شركة وطنية للتعدين، ولا ينطبق على إلغاء قانون يُسجّل بسببه اعتقالات تعسفية؟
- هل يظل معيار "الاستثنائية" قائماً حين يتحول التشريع الرئاسي المباشر إلى نمط حكم عادي، فيما يُنتظر البرلمان لمسائل الحريات فقط؟
- هل تصمد مقولة "الحياد" حين تصب الغالبية الساحقة من المراسيم في هيكلة الاقتصاد والأمن والإدارة (أي في إعادة إنتاج أدوات السيادة)، بينما تُهمل بالكامل منظومة الحقوق والحريات (أي في إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة)؟
وهنا السؤال ليس "هل السلطة وطنية أم لا؟" ولا "هل تنوي الخير أم لا؟".
السؤال فلسفي-بنيوي بحت، وهو ألا يؤدي هذا المسار، حتى مع افتراض حسن النوايا، إلى تكريس بنية قانونية ناقصة ووراثةٍ مشوهةٍ للعقد الاجتماعي السوري القادم؟
دروس من تجارب دولية:
ليس المأزق السوري فريداً في تاريخ التحولات السياسية، فقد واجهت دول كثيرة مشكلة "التشريع قبل البرلمان"، وتفيد المقارنة في إضاءة الخيارات الممكنة دون استنساخ:
- تونس (2011–2014): بعد حل البرلمان، تشكلت "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي"، ثم المجلس الوطني التأسيسي.
المهم هنا أن المراسيم التي صدرت عن السلطة التنفيذية المؤقتة ركزت على "تفكيك منظومة القمع" (إلغاء المحاكم الاستثنائية، العفو عن المعتقلين السياسيين، إطلاق الحريات)، إلى جانب تسيير الأعمال اليومية.
وقد كان إلغاء القوانين القمعية أولويةً لا مؤجلاً، كما لم تنتظر تونس انتخاب برلمان كامل لإلغاء قانون الإرهاب القديم، بل استخدمت أدوات "الضرورة" بالاتجاهين: الإداري والحقوقي معاً. - جنوب أفريقيا (1993–1996): أُنشئ في مرحلة ما قبل الدستور النهائي، "المجلسُ التنفيذي الانتقالي" الذي ضم ممثلين عن الحكومة والمعارضة لمراقبة السلطة التنفيذية، وضمان ألا تنفرد أي جهة بالتشريع.
وقد أسس دستور 1993 المؤقت لصلاحيات تشريعية محددة بهدف ضمان "عدم تكرار الماضي"، فوُضع إلغاء قوانين الفصل العنصري على رأس الأولويات، ولم يُعلّق بانتظار البرلمان الدائم. - العراق (2003–2005): سلطة الائتلاف المؤقتة أصدرت قرارات عديدة، لكنها ارتكبت خطأً كبيراً باجتثاث مؤسسات الدولة دون بديل جاهز.
و الدرس العراقي هو أن "الإدارة" و"الحقوق" ليستا مسارين منفصلين، وإتن أي تأخير في إصلاح منظومة الحقوق يخلق شعوراً بالإقصاء والظلم، ويُفقد السلطة الانتقالية رأس مالها الأخلاقي، حتى لو كانت تبني اقتصادات وشركات.
الدرس المشترك هو أنه في التحولات الناجحة، لم تُقسم الضرورة إلى ضرورتين: "ضرورة اقتصاد" سريعة، و"ضرورة حقوق" بطيئة، بل فُهمت شرعية المرحلة الانتقالية على أنها شرعية تأسيسية قوامها المزدوج يتحلى بـ إعادة هيكلة الدولة + إعادة تعريف علاقتها بالمواطن.
نحو عقد دستوري انتقالي:
إذا كانت الإشكالية جذرية كما وُصفت، فإن الحل لا يكمن في الإسراع بانتخاب برلمان وحسب، لأن البرلمان القادم سيرث هذه البنية المشوهة أصلاً.
لعل الحل الأمثل هو ما يمكن تسميته "عقداً دستورياً انتقالياً"، وهذا الإطار يستند إلى فكرة بسيطة مستمدة من فلسفة جون رولز في "العدالة بوصفها إنصافاً" حيث لا يمكن أن نطلب من المواطنين الموافقة على عقد اجتماعي جديد، وهم لا يزالون تحت رحمة القوانين التي صُممت أصلاً لإسكاتهم.
ومكونات هذا "العقد الانتقالي" المقترحة:
إعلان مبادئ فوق-تشريعية: يصدر عن الرئاسة، بالتشاور مع هيئة موسعة من خبراء القانون المستقلين وممثلي المجتمع المدني، وثيقةٌ دستورية مقتضبة تُحدد المبادئ الآمرة للمرحلة الانتقالية.
أهم بند فيها: "تُلغى فوراً جميع القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالشعب السوري" مع تسميتها (ومنها قانون الجرائم المعلوماتية نموذجاً).
على أن هذا الإعلان يكتسب شرعيته من كونه وفاءً بنص المادة 48 من الإعلان الدستوري الحالي، وتعبيراً عن روح التغيير.
مجلس استشاري للحقوق الانتقالية: لا يُشترط أن يكون برلماناً منتخباً ولا تحل مكانه، بل هيئة خبراء مؤقتة ذات تمثيل جغرافي ومجتمعي، تكون وظيفتها الوحيدة مراجعة القوانين النافذة وتصنيفها إلى ثلاث قوائم: (أ) قوانين تُلغى فوراً، (ب) قوانين تُعدّل خلال 3 أشهر، (ج) قوانين تبقى سارية مؤقتاً، وترفع توصياتها للرئاسة لاعتمادها بمراسيم، على أن يكون هذا المجلس استشاريا غير ملزم حتى يقوم البرلمان القادم بالبناء عليه.
فإن هذا من شأنه أن يُشرعن إلغاء القوانين القمعية بنفس الآلية التي تُستخدم في الإصلاحات الإدارية، دون حاجة لانتظار برلمان كامل.
معيار "الضرورة المتوازنة": أن تعتمد الرئاسة في مراسيمها القادمة مبدأ "قرن الإجراءات"، أي أن يُقابل كل مرسوم إداري/اقتصادي (كهيئة الطيران المدني) مرسومٌ حقوقي مقابل (كإلغاء محكمة استثنائية أو تعديل قانون طوارئ).
صحيح أن هذا ليس حلّاً جذرياً، لكنه يمنع استفحال الازدواجية ويبعث برسالة تطمينية للمجتمع والمراقبين الدوليين بأن سورية الجديدة تأخذ حقوق مواطنيها بالجدية نفسها التي تأخذ بها بناء مؤسساتها الاقتصادية.
الخاتمة:
يبدو أن المعضلة التي يواجهها صانع القرار السوري اليوم ليست تقنية بحتة (غياب البرلمان أو مجلس الشعب)، ولا هي سياسية بحتة (صراع على السلطة).
إنها معضلة فلسفية تأسيسية خلاصتها: كيف ننتقل من دولة استُعمل فيها القانون أداةً للقمع، إلى دولة يكون فيها القانون عقداً طوعياً، دون أن نُنتج في الطريق تناقضاً يدمّر مصداقيتنا الأخلاقية؟
لو أن سورية الانتقالية فعلت كل شيء لبناء الاقتصاد والجيش والإدارة، وأبقت مواطنيها تحت رحمة قوانين صُممت لكمّ أفواههم، فإنها ستكون قد شيّدت ناطحة سحاب على قواعد من هشيم.
وستكون قد أنتجت دولةً "حديثة" تستند إلى عقد اجتماعي مسموم.
إن إلغاء قوانين القمع ليس "مطلب المعارضة أو الثورة"، وليس "مكسباً لفئة على أخرى"، بل هو حجر الزاوية في أي مشروع سوري جامع.
وهو ليس أمراً صغيرا يُؤجّل إلى ما بعد استقرار الدولة، بل شرطٌ لاستقرار الدولة ذاتها، إذ الدولة التي لا يشعر مواطنوها بالأمان من قانونها، لن يمنحوها الولاء الكافي لتصمد في وجه العواصف القادمة.
وعلى صانع القرار الانتقالي أن ينظر إلى السجل التشريعي للعام المنصرم ليرى صورته في مرآة الوقائع، والمرآة لا تُجامل ولا تُعادِي، وهي تقول بوضوح:
لقد بُني الكثير من المؤسسات، وحان الوقت لبناء الثقة، والأداة في اليد ذاتها، والآلية في الجيب ذاته.. فلتُستخدم.