الاستثمار في سورية ما بعد النزاع

المقدمة:

دخلت سورية مرحلة تحولية غير مسبوقة، تمثلت بـ انتهاء أكثر من عقد من النزاع المسلح، وسقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، وإقرار تعديلات جوهرية على قانون الاستثمار عبر المرسوم التشريعي رقم 114، وإلغاء العقوبات الثانوية بموجب قانون "قيصر" في ديسمبر 2025.

يضع هذا التقاطع بين المتغيرات السياسية والقانونية سوريةَ أمام مفترق طرق تاريخي: إما بناء اقتصاد وطني قادر على سد الفجوة الهائلة التي خلفتها الحرب، أو الانزلاق إلى نماذج فشلت في دول خرجت من نزاعات مماثلة.

يتجاوز هذا المقال القراءات الترويجية أو المتشائمة، ليقدم تحليلاً موضوعياً يستند إلى معطيات كمية دقيقة، ونماذج مقارنة من تجارب إعادة الإعمار في العراق وأفغانستان والبلقان، وإطار نظري يستلهم مقاربات الاقتصاد السياسي لما بعد النزاع. ويهدف في ختامه إلى صياغة توصيات قابلة للتطبيق، تراعي خصوصية المرحلة الانتقالية السورية.

أولاً، الإطار النظري — إعادة الإعمار كمسألة اقتصاد سياسي:

في أدبيات الدراسات التنموية، يُنظر إلى إعادة الإعمار بعد النزاع كـ عملية هندسية ومالية، ولكن بجوهرها هي مسألة اقتصاد سياسي بامتياز.

فالتعافي بعد الحرب يعتمد بشكل حاسم على شروط إنهاء النزاع وتسويته، وقدرة المؤسسات الحكومية على معالجة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية.

ويذهب البنك الدولي في تعريفه إلى أن إعادة الإعمار هي "تقديم الدعم لعملية التحول من الصراع إلى السلام من خلال إعادة بناء البلد".

وتطرح النظريات النقدية سؤالاً جوهرياً: هل إعادة الإعمار مجرد إعادة بناء للمنشآت والبنية التحتية إلى ما كانت عليه قبل النزاع، أم أنها فرصة لإعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي ربما كانت سبباً في النزاع أصلاً؟.

يكتسي هذا السؤال أهمية خاصة في السياق السوري، حيث ترتبط أصول النزاع بمعضلات هيكلية في توزيع الثروة والسلطة.
وتشير دراسات الاقتصاد السياسي للسلام إلى افتراض أساسي في الفكر الليبرالي التقليدي، وهو أن النشاط الاقتصادي يرتبط ارتباطاً إيجابياً بالسلام في سياقات ما بعد النزاع.

لكن هذا الافتراض يصطدم بواقع أن الاستثمار في غياب العدالة والمؤسسات العادلة قد يعيد إنتاج هويّات الصراع، لا أن يحلها.

ثانياً، الدروس المستفادة — تجارب مقارنة في إعادة الإعمار:

العراق بعد 2003:

تُعد التجربة العراقية أقرب المقارنات إلى الحالة السورية، من حيث حجم الدمار، وتعقيد التركيبة الاجتماعية، ودور العامل الخارجي.
تشير الدراسات النقدية إلى أن قوانين الاستثمار الحديثة في العراق بعد 2003 "تحولت إلى غطاء لتضارب مصالح النخب السياسية دون أن تخلق تنمية متوازنة".
فالتشريعات المتقدمة لم تترجم إلى بيئة استثمارية جاذبة، بسبب غياب استقلال القضاء، واستمرار الفساد الإداري، وضعف المؤسسات.
والأكثر إثارة للقلق أن جهود إعادة الإعمار في العراق "لم تتعد ترسيخ أنظمة وجماعات موالية للإرادة الأميركية من جهة، ومصالح اقتصادية – تقاسم كعكة – من جهة أخرى".
أي أن إعادة الإعمار أصبحت أداة لإعادة توزيع النفوذ، لا لإعادة بناء الدولة.

أفغانستان والبلقان:

تمثل أفغانستان نموذجاً آخر للاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية والاستثمارات المرتبطة بالوجود العسكري.
حين انسحبت القوات الأميركية، انهارت البنى الاقتصادية التي قامت على دعم خارجي، لتثبت أن الاستثمار القائم على المنطق الجيوسياسي لا يخلق تنمية مستدامة.
أما الدروس المستفادة من تجربة البلقان، فتشير إلى أن إعادة الإعمار تكون أكثر نجاحاً حين تُدمج مع عملية مصالحة سياسية ومؤسسية شاملة، لا أن تُعزل عنها.
الخلاصة الأساسية من هذه التجارب، هي أن التشريع وحده لا يكفي، والتمويل الخارجي وحده لا يكفي، بل لا بد من مقاربة متكاملة تربط الاستثمار بالإصلاح المؤسسي، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار السياسي.

ثالثاً، واقع الاستثمار في سورية — المعطيات الكمية والنوعية:

في حجم التحدي:

يقدر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار في سورية بنحو 216 مليار دولار، كأفضل تقدير متحفظ، مع نطاق يتراوح بين 140 و345 ملياراً.

وتعكس هذه الأرقام واقعاً مأساوياً، فقد ألحق الصراع أضراراً بنحو ثلث إجمالي رأس المال السوري قبل الحرب، حيث بلغت الأضرار المادية المباشرة 108 مليارات دولار.

وتركزت الأضرار في البنية التحتية (52 مليار دولار) تليها المباني السكنية (33 ملياراً).

والأكثر إثارة للقلق أن تكلفة إعادة الإعمار تعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسورية عام 2024 (21.4 مليار دولار)، مما يعني أن التمويل المحلي وحده غير كافٍ بأي حال.

في الاستجابة التشريعية – المرسوم 114:

صدر المرسوم التشريعي رقم 114 في 24 يونيو 2025، معدلاً قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021.
من أبرز ميزاته:

  • تملك كامل بنسبة 100% للمستثمرين الأجانب.
  • إعفاءات ضريبية وجمركية تمتد من ثلاث إلى سبع سنوات بحسب القطاع والموقع.
  • تحديث التعريفات ليشمل الاستثمار التمويل، والإدارة، والتملك الجزئي أو الكلي.
  • نقل صلاحيات من الوزارات إلى هيئة الاستثمار السورية.


لكن القراءة النقدية تكشف أن المرسوم ليس قانوناً جديداً بالكامل، بل تعديلاً على إطار قائم، وأن نصوصاً مشابهة وردت في قوانين 2010 و2021 "من دون أن تحدث تحولاً فعلياً في بيئة الاستثمار".

فما زال المستثمر يصطدم بـ"البنية القانونية المتداخلة بين المراسيم الخاصة والقرارات الوزارية المتضاربة، ونظام إداري يتعامل مع الاستثمار كملف سيادي أكثر منه تنموياً".

المتغير الحاسم وإلغاء عقوبات قيصر:

وقّع الرئيس الأميركي في ديسمبر 2025، قانون تفويض الدفاع الوطني الذي تضمّن إلغاء العقوبات الثانوية بموجب قانون "قيصر".
وصوّت مجلس الشيوخ لصالح الإلغاء بـ77 صوتاً مقابل 20.
لكن الإلغاء مشروط: ينص القانون على "تقديم تقارير دورية للكونغرس لمدة 4 سنوات تؤكد استمرار الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب والمخدرات وحماية الأقليات، والسعي لتحقيق السلام مع دول الجوار"، مع إمكانية فرض عقوبات محددة في حال كان التقرير سلبياً لفترتين متتاليتين.
هذا يعني أن إلغاء العقوبات ليس نهائياً ولا مطلقاً، بل هو رهان على أداء الحكومة السورية الجديدة، مما يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين على المدى المتوسط.

في حركة الاستثمار الفعلية:

أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في أكتوبر 2025 أن سورية اجتذبت نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات خلال ستة أشهر، وشهدت تلك الفترة توقيع السعودية اتفاقيات استثمارية وشراكة بقيمة 6.4 مليار دولار، بالتزامن مع توقيع شركة "دي بي ورلد" مذكرة تفاهم لامتياز يمتد لـ 30 عاماً لتطوير ميناء طرطوس باستثمارات تُقدر بـ 800 مليون دولار، كما شاركت 260 شركة من 23 دولة في معرض "إعمار 2025″ في دمشق.
لكن هذه الأرقام — رغم أهميتها — تظل متواضعة مقارنة باحتياجات إعادة الإعمار الكلية البالغة 216 مليار دولار.
كما أن جزءاً كبيراً من هذه المشاريع ما زال يأتي في سياق وعود ومذكرات تفاهم أولية، ولم يتحول بالكامل بعد إلى استثمارات أجنبية مباشرة متدفقة على أرض الواقع.

رابعاً، تحديات البيئة الاستثمارية:

  1. غياب الإطار الاستراتيجي الشامل:
    تنبّه مؤسسة كارنيغي إلى أن سورية، بعد نحو عام على سقوط النظام السابق، "ما من حديث عن إعداد خطة شاملة لإعادة بناء الاقتصاد، لا في دمشق ولا في أوساط القوى الدولية المعنية". ويحذّر التقرير من أن غياب هذا الإطار قد يؤدي إلى "عودة مظاهر المحسوبية التي طبعت النهج الاقتصادي خلال عهد الأسد"، وخطر "تجدّد العنف باعتباره آلية مركزية لإعادة توزيع السلطة والثروة".
  2. ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية:
    تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 70% من محطات توليد الكهرباء في سورية دُمرت جزئياً أو كلياً، مع فقدان 80% من إجمالي القدرة التوليدية.
    وتضررت الطرق والسكك الحديدية والموانئ بشكل كبير، مما يعطل سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية.
    ويعترف المستثمرون المشاركون في معرض إعادة الإعمار بأن "التحدي الأكبر هو افتقار البلاد إلى الخدمات الأساسية وضعف البنية التحتية، وهو عقبة رئيسية أمام أي استثمار".
  3. استمرار المخاوف الأمنية والسياسية:
    تشير التقديرات للبنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي السوري نما بنسبة 1.5% فقط عام 2024، ومن المتوقع نمو متواضع بنسبة 1% عام 2025، "وسط تحديات أمنية مستمرة، وقيود على السيولة، وتعليق المساعدات الخارجية".
    وهذا يعني أن الاستقرار الأمني لا يزال هشاً، وأن تدفق الاستثمارات مرهون باستمرار هذا الاستقرار.
  4. ضعف القضاء الاقتصادي المستقل:
    نلاحظ أن القانون الجديد، رغم نصوصه الواضحة في حماية المستثمر من "المصادرة أو التقييد إلا بحكم قضائي وتعويض عادل"، لا يعالج "إشكالية انعدام استقلال القضاء الاقتصادي، ولا يقدم آليات تنفيذية لمراقبة النزاعات التجارية".
    وهذا يجعل الضمانات القانونية "إطاراً شكلياً أكثر منها أداة حماية".

خامساً، آفاق المستقبل، و سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول، التعافي المتوازن (الأكثر تفاؤلاً):
في هذا السيناريو، تنجح الحكومة السورية في:

  • بناء مؤسسات قضائية ومالية مستقلة.
  • الحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي.
  • تحويل مذكرات التفاهم إلى استثمارات فعلية.
  • جذب تمويل دولي من البنك الدولي وصناديق التنمية.

وإذا تحقق ذلك، فقد تصبح سورية "الوجهة العربية الأولى لجذب الاستثمارات"، لكن هذا يتطلب وقتاً وجهداً يفوقان ما هو متاح حالياً.

السيناريو الثاني، التعافي المتعثر (الأكثر ترجيحاً):
وهو ما تشير إليه معظم المؤشرات الحالية:

  • استمرار الاعتماد على الاستثمارات الإقليمية المرتبطة بالتقارب السياسي.
  • غياب خطة اقتصادية شاملة.
  • استمرار ضعف المؤسسات.
  • تدفق استثمارات محدودة في قطاعات العقارات والبنية التحتية دون تحول تنموي حقيقي.

وهذا السيناريو يحمل مخاطر إعادة إنتاج أنماط المحسوبية والفساد التي سادت في العقود السابقة.

السيناريو الثالث، الجمود والتراجع (الأكثر تشاؤماً):
وقد يتحقق إذا:

  • تعثرت الاستثمارات المعلنة.
  • عادت التوترات الأمنية.
  • تراجع الدعم الإقليمي.
  • فشلت الحكومة في تحقيق متطلبات تقارير الكونغرس الأميركي، مما يؤدي إلى إعادة فرض العقوبات.

سادساً، توصيات تيار المستقبل السوري وخريطة طريق مقترحة للمرحلة الانتقالية:

أولاً، على صعيد الإطار الاستراتيجي:

إعداد خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، تشمل رؤية اقتصادية واضحة، وأولويات قطاعية، وجداول زمنية محددة، وآليات تمويل متنوعة.

إطلاق حوار وطني موسع حول الأولويات الاقتصادية، بمشاركة الخبراء، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والمغتربين، لضمان الملكية الوطنية للخطة.

ثانياً، على صعيد الإصلاح المؤسسي:

تعزيز استقلال القضاء الاقتصادي، وإنشاء محاكم تجارية متخصصة، وآليات تحكيم دولية معترف بها.

تطوير هيئة الاستثمار السورية، وتمكينها فنياً وإدارياً، مع وضع معايير شفافة لمنح التراخيص ومكافحة الفساد.

إعادة هيكلة الجهاز المصرفي والمالي، بما يسمح بتحويل الأموال بسلاسة، ويتوافق مع متطلبات الامتثال الدولي.

ثالثاً، على صعيد جذب الاستثمار:

تنويع مصادر التمويل، عبر مزيج من الاستثمار الأجنبي المباشر، والمنح الدولية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، واستثمارات المغتربين.

التركيز على مشاريع بنية تحتية صغيرة ومتوسطة قابلة للتنفيذ السريع، لبناء الثقة قبل المشاريع الكبرى.

إنشاء مناطق اقتصادية خاصة تتمتع بحوافز إضافية وإدارة مستقلة، مع ضمان نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية.

رابعاً، على صعيد العلاقات الدولية:

الاستفادة من نافذة إلغاء عقوبات قيصر، عبر الالتزام بمتطلبات التقارير الدورية للكونغرس، وبناء جسور ثقة مع الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

تعزيز الشراكات الإقليمية، خاصة مع السعودية ودول الخليج وتركيا، مع ضمان ألا تكون الاستثمارات رهناً بتقلبات السياسة الإقليمية.

خامساً، على صعيد العدالة الاجتماعية:

ضمان توزيع منافع إعادة الإعمار بشكل عادل، مع إيلاء الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً (حلب، ريف دمشق، حمص)، ولمن هم في أشد الحاجة.

إشراك السوريين في الشتات، ليس كمصدر للتحويلات المالية فحسب، بل كشركاء في التخطيط والتنفيذ، مستفيدين من خبراتهم الدولية.

الخاتمة:

تقف سورية اليوم عند مفترق طرق مصيري. لديها ما لم يتوفر لدول أخرى خرجت من نزاعات: إرادة سياسية للتغيير، وانفتاح إقليمي غير مسبوق، وإلغاء للعقوبات الثانوية، وتشريعات استثمارية محسّنة، واحتياجات هائلة تشكل سوقاً ضخماً للمستثمرين.
لكن لديها أيضاً ما كان سبباً في فشل تجارب سابقة: مؤسسات هشة، وقضاء غير مستقل، وغياب رؤية استراتيجية، ومخاطر أمنية وسياسية مستمرة.

الدرس المستفاد من العراق وأفغانستان والبلقان واضح: التشريع لا يصنع الاستثمار، والمؤسسات هي التي تصنعه.
والاستثمار لا يصنع السلام، بل السلام والمؤسسات العادلة هما من يصنعان الاستثمار المستدام.

إن نجاح سورية في جذب الاستثمار وبناء اقتصاد ما بعد النزاع مرهون بقدرتها على بناء دولة القانون، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، قبل أن يكون مرهوناً بحوافز ضريبية أو مذكرات تفاهم.

والفرصة سانحة، لكن النافذة تضيق.

وما تُبنى اليوم من مؤسسات وقوانين وعلاقات دولية سيحدد ملامح سورية لعقود قادمة.

فإما أن تكون إعادة الإعمار فرصة لبناء دولة جديدة على أسس سليمة، وإما أن تكون مجرد إعادة طلاء لواجهة دولة انهارت من الداخل.

والخيار، في النهاية، بيد السوريين أولاً، ثم بيد شركائهم الإقليميين والدوليين.

شاركها على:

اقرأ أيضا

جهاز المخابرات العامة السوري يشارك في مؤتمر رؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب

مشاركة جهاز المخابرات العامة السوري في مؤتمر مكافحة الإرهاب تعكس عودة سورية إلى المنظومة الدولية وتعزيز الثقة.

29 يونيو 2026

إدارة الموقع

إرسال سورية أول فريق إنقاذ وطني إلى فنزويلا

سورية ترسل أول فريق إنقاذ وطني إلى فنزويلا لتقديم المساعدة بعد الزلزال المدمر، مما يعكس التغيير الإيجابي في الدور الإنساني.

29 يونيو 2026

إدارة الموقع