يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ إعلان السفارة الأميركية في سورية عن إطلاق مشروعين بتمويل أميركي، الأول لرقمنة السجلات العقارية، والثاني لتبسيط إجراءات تسجيل الشركات المحلية والأجنبية.
ويُسجل تيار المستقبل السوري أن المشروع الأول، الذي أُعلن في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بتمويل يبلغ نحو مليوني دولار، ينفذ بالتعاون بين وزارة الإدارة المحلية والبيئة وشركة “كرييتف أسوشيتس إنترناشونال”، ويستهدف إنشاء خمسة مراكز للأرشفة في دمشق وحلب وحماة والرقة ودير الزور، إضافة إلى مركز بيانات رئيسي في دمشق، لأرشفة نحو 3.5 ملايين عقد عقاري و23 ألف سجل في المحافظات المستهدفة.
أما المشروع الثاني، الذي أُعلن في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فيبلغ تمويله مليون دولار، وينفذ مع وزارة الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، ويستهدف رقمنة أكثر من 5 ملايين وثيقة تجارية، وربط 14 مديرية في المحافظات بمنظومة مركزية، وإطلاق منصة إلكترونية تتيح للمستثمرين السوريين والأجانب تسجيل شركاتهم ومتابعة معاملاتهم عن بُعد، بما يستفيد منه نحو 500 ألف مستثمر وشركة.
ويُثمن تيار المستقبل السوري هذا التوجه نحو التحول الرقمي في قطاعين حيويين، العقارات والشركات، كونه يمس صلب حقوق الملكية وبيئة الأعمال، ويرى فيه فرصة لإصلاح اختلالات مزمنة عانت منها البلاد لعقود.
غير أن تيار المستقبل السوري يُذكّر بأن الرقمنة ليست غاية في حد ذاتها، وأن نجاحها لا يُقاس بعدد المراكز المنشأة أو الوثائق الممسوحة، بل بقدرتها على حماية حقوق المواطنين، ومنع إعادة إنتاج الظلم بأدوات حديثة.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن هذين المشروعين يأتيان في وقت تعاني فيه البنية التحتية للمؤسسات السورية من دمار هائل، فوفقاً لتقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تعرضت أكثر من 50% من البنية التحتية والمنشآت الخدمية والإدارية للتدمير أو التعطيل، بما يشمل مقار السجلات المدنية والعقارية والمحاكم في العديد من المحافظات.
وهذا يعني أن ملايين السوريين، في الداخل والخارج، يفتقرون إلى وثائق تثبت ملكياتهم، مما يجعلهم عرضة للنزاعات العقارية والاستيلاء على ممتلكاتهم.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن رقمنة السجلات، في هذا السياق، ضرورة وطنية لحماية الحقوق ومنع الطمس الديموغرافي وضمان عودة آمنة للنازحين والمهجرين.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأنه سبق أن أكد على أهمية هذا الملف في بيانات سابقة.
ففي بيانه بعنوان “إطلاق خدمة القيد العقاري الإلكتروني عبر منصة أنجز وتطبيق معاملاتي”، بتاريخ 25 آذار/مارس 2026، رحب بالخطوة لكنه حذر من “مغبة اختزال التحول الرقمي في الجانب التقني دون معالجة الجذور القانونية والسياسية التي عطلت قطاع العقارات لعقود”، وحدد شروطاً للرقمنة الحقيقية تشمل “شفافية تامة في البيانات، وحماية لحقوق الملكية لجميع السوريين بغض النظر عن مكان وجودهم أو تاريخ نزوحهم، وآليات واضحة للمساءلة والتعويض عن الانتهاكات السابقة”.
وفي بيانه بعنوان “اليوم العالمي للأرشيف”، بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2026، شدد التيار على أن “حماية السجلات العقارية وسجلات الأحوال المدنية” هي وسيلة لمنع “النزاعات الملكية أو الطمس الديموغرافي، وضمان حقوق النازحين والمهجرين والمغتربين في العودة الآمنة واسترداد حقوقهم”. ويعتبر تيار المستقبل السوري أن المشروعين الجديدين، رغم أهميتهما، لا يزالان بحاجة إلى ضمانات واضحة لتحقيق هذه الأهداف.
يرى تيار المستقبل السوري أن هذين المشروعين، رغم أهميتهما، يطرحان جملة من التحديات الجوهرية التي لا يمكن تجاهلها:
أولاً: غياب الضمانات لحقوق النازحين والمهجرين – يُلاحظ تيار المستقبل السوري أن المشروعين لا يتضمنان، بحسب ما هو معلن، آلية واضحة تضمن حقوق ملايين السوريين النازحين داخلياً وخارجياً، الذين أجبرتهم الحرب على ترك منازلهم وممتلكاتهم.
فمن دون توفير قنوات آمنة لهم لتوكيل من يدافع عن حقوقهم أو تسجيل ممتلكاتهم عن بُعد، قد تتحول الخدمة الإلكترونية إلى أداة لتثبيت أوضاع قائمة على حساب حقوق المهجرين، وهو ما حذر منه التيار في بيانه حول “القيد العقاري الإلكتروني”.
ثانياً: عدم معالجة ملف الاستيلاءات السابقة – يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن الرقمنة، إذا لم تترافق مع إطار وطني شامل لتسوية النزاعات العقارية وإعادة الحقوق إلى أصحابها، قد تكرس الظلم بدلاً من أن تعالجه.
فالملكيات التي جرى الاستيلاء عليها بموجب مراسيم وقوانين صادرة خلال سنوات الحرب، كالقانون 10 والمرسوم 66 والمرسوم 42، لا تزال بحاجة إلى معالجة قانونية عادلة، ولا يمكن لرقمنة السجلات وحدها أن تمحو آثارها.
ثالثاً: غياب الشفافية في تمويل المشروعين وإدارتهما – يُسجل تيار المستقبل السوري أن الإعلان عن المشروعين لم يتضمن تفاصيل كافية حول آلية إدارة التمويل، ومعايير اختيار الشركة المنفذة، ومدى خضوع المشروعين للرقابة المستقلة. ويعتبر تيار المستقبل السوري أن الشفافية في إدارة المشاريع الممولة دولياً هي شرط أساسي لضمان وصول فوائدها إلى مستحقيها، ومنع أي هدر أو فساد.
رابعاً: المخاطر المرتبطة بالسيادة الرقمية وحماية البيانات – يُذكّر تيار المستقبل السوري بأن رقمنة ملايين الوثائق العقارية والتجارية، وربطها بمنظومة مركزية، يثير تساؤلات مشروعة حول ملكية هذه البيانات، ومن له حق الوصول إليها، وكيفية حمايتها من الاختراق أو الاستخدام غير المشروع. ويطالب تيار المستقبل السوري بضمانات واضحة تحفظ السيادة الرقمية السورية، وتمنع أي استغلال للمعلومات لأغراض سياسية أو تجارية.
خامساً: الحاجة إلى ربط الرقمنة بخطة وطنية شاملة – يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن المشروعين، رغم أهميتهما، يظلان محدودي النطاق (5 مراكز أرشفة، 14 مديرية) مقارنة بحجم الاحتياجات الوطنية. ويعتبر تيار المستقبل السوري أن نجاحهما يتوقف على دمجهما في استراتيجية وطنية شاملة للتحول الرقمي، تضمن استمرارية التمويل، وتوسيع النطاق ليشمل جميع المحافظات، وربط السجلات العقارية بالسجلات المدنية والضريبية وغيرها، أسوةً بالتجارب الدولية الناجحة.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: إشراك النازحين والمهجرين في عملية الرقمنة عبر توفير منصات إلكترونية آمنة تتيح لهم تسجيل ممتلكاتهم وتوكيل من يدافع عن حقوقهم عن بُعد، وضمان عدم حرمانهم من حقهم في الملكية بسبب غيابهم القسري.
ثانياً: ربط الرقمنة بمسار العدالة الانتقالية عبر إنشاء آلية وطنية لتسوية النزاعات العقارية، ومعالجة ملفات الاستيلاءات السابقة، وتعويض المتضررين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، بما يضمن أن تكون الرقمنة أداة للإنصاف لا لتكريس الظلم.
ثالثاً: ضمان الشفافية والرقابة المستقلة على المشروعين عبر نشر تقارير دورية عن سير العمل، وتفاصيل التمويل، ومعايير اختيار الشركات المنفذة، وإتاحة المعلومات للجهات الرقابية والمجتمع المدني، وضمان حق الوصول إلى البيانات للمواطنين وأصحاب العلاقة.
رابعاً: تعزيز السيادة الرقمية وحماية البيانات عبر وضع إطار قانوني وطني لحماية البيانات الشخصية والعقارية، وضمان ملكية الدولة السورية لقواعد البيانات، وتحديد آليات واضحة للوصول إليها، ومنع أي استخدام غير مشروع لها.
خامساً: توسيع نطاق المشروعين ضمن استراتيجية وطنية شاملة عبر وضع خطة وطنية للتحول الرقمي في قطاعي العقارات والشركات، تشمل جميع المحافظات، وتربط السجلات العقارية بالسجلات المدنية والضريبية، وتحدد جدولاً زمنياً للتنفيذ، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
سادساً: بناء القدرات الوطنية ونقل المعرفة عبر تدريب الكوادر السورية على إدارة الأنظمة الرقمية، وصيانتها، وتطويرها، لضمان استدامة المشروعين بعد انتهاء التمويل الخارجي، وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية في إدارة البيانات الوطنية.
يُثمن تيار المستقبل السوري إطلاق المشروعين، ويرى فيهما خطوة مهمة على طريق تحديث الإدارة العامة وحماية حقوق الملكية وتحسين بيئة الأعمال.
غير أن تيار المستقبل السوري يُذكّر بأن الرقمنة ليست حلاً سحرياً، وأن نجاحها يتوقف على معالجة الجذور القانونية والسياسية التي عطلت قطاع العقارات لعقود، وعلى ضمان الشفافية والسيادة وحقوق جميع السوريين، بمن فيهم النازحون والمهجرون.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن بناء سورية الجديدة يتطلب استثماراً في الإنسان والمؤسسات، لا في المباني والأنظمة فقط، وأن أي مشروع رقمي لا يضع حقوق المواطن في مركزه هو مشروع ناقص، مهما كانت كلفته أو الجهة الممولة له.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز الشفافية وحقوق الملكية والتحول الرقمي، ناقداً لكل تقصير، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي تُصان فيها حقوق جميع أبنائها.