يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ التطورات المتسارعة في العلاقات السورية – العراقية، والتي تجسدت هذا الأسبوع في خطوتين متكاملتين: الأولى توقيع محضر اجتماع فني ثنائي في دمشق، يوم الخميس 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بين وزارة الطاقة السورية ووزارة الموارد المائية العراقية، لتعزيز إدارة الموارد المائية المشتركة، وقعه معاون وزير الطاقة لشؤون المياه والكهرباء أسامة أبو زيد، والوكيل الفني لوزارة الموارد المائية العراقية حسين عبد الأمير بكّه.
والثانية إصدار وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية نضال الشعار قراراً، مساء الخميس 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بتشكيل مجلس الأعمال السوري – العراقي برئاسة زهير الهزاع عن الجانب السوري، واعتماده ممثلاً وحيداً للجانب السوري في العلاقة مع الجانب العراقي.
يُثمن تيار المستقبل السوري هاتين الخطوتين، ويرى فيهما ترجمة عملية لتوجه استراتيجي وطني أكد عليه رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، حين شدد على أن العلاقة بين سورية والعراق يجب أن تُبنى على المصالح والروابط المشتركة، وفي مقدمتها الاقتصاد والأمن والمياه والمعابر الحدودية والتنمية والزراعة، وأن تكون هذه المصالح مقدَّمة على أي سياسات مزاجية، وهو ماندعمه.
غير أن تيار المستقبل السوري يُذكّر بأن التوقيع على المحاضر وإصدار القرارات هو بداية الطريق، لا نهايته، وأن الاختبار الحقيقي يكمن في التنفيذ، وفي قدرة هذه الآليات على تحقيق نتائج ملموسة تمس حياة المواطن في البلدين.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن محضر الاجتماع الفني المائي يتضمن بنوداً جوهرية، أبرزها تفعيل التنسيق الثلاثي بين سورية والعراق وتركيا بشأن المياه العابرة للحدود لنهر الفرات، وإنشاء محطات قياس هيدرولوجية مشتركة على النهر، وتعزيز تبادل البيانات والمعلومات المائية، وإجراء فحوصات دورية مشتركة لنوعية المياه، وتطوير التعاون الفني وبناء القدرات وتبادل الخبرات في إدارة الموارد المائية ومراقبة السدود وتشغيلها، مع التحضير لعقد اجتماع ثلاثي بمشاركة الجانب التركي خلال آذار/مارس 2027.
يعتبر تيار المستقبل السوري أن هذا المحضر يمثل خطوة مهمة على طريق معالجة أزمة المياه المزمنة، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن حجم الكارثة المائية.
فوفقاً لتقارير موثقة، يعاني نحو 13.3 مليون شخص في سورية من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج أكثر من 15.6 مليون شخص إلى مساعدة إنسانية، بينما تراجعت إيرادات نهر الفرات إلى مستويات غير مسبوقة.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن الفراغ التخزيني المتاح في سدود الفرات يبلغ حالياً نحو مليار متر مكعب، وفقاً لوزارة الطاقة، وهو مؤشر على هشاشة الوضع المائي، ويستوجب إجراءات عاجلة لا مجرد محاضر وتفاهمات.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بموقفه الثابت المنشور على موقعه الرسمي في بيانه بعنوان "فعاليات الأسبوع العالمي للمياه"، بتاريخ 24 آب/أغسطس 2026، حيث شدد على أن "ملف المياه في سورية تحول إلى قضية أمن قومي وسيادة وطنية بالغة الخطورة"، ودعا إلى "تدويل وحماية ملف المياه المشتركة" عبر "دبلوماسية مائية جديدة ترتكز على القوانين الدولية الخاصة بالمجاري المائية الدولية"، وإلى "الإدارة المحلية الرشيدة والمستدامة" و"تحييد الخدمات الأساسية عن الصراع".
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن المحضر الأخير، بتضمينه تفعيل التنسيق الثلاثي وإنشاء محطات قياس مشتركة، يُشكل خطوة أولى في هذا الاتجاه، لكنه يبقى ناقصاً ما لم يرتقِ إلى اتفاق ملزم يضمن حصصاً مائية عادلة لسورية.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن تشكيل مجلس الأعمال السوري – العراقي يأتي في ظل تحركات حكومية متبادلة لتطوير العلاقات، أبرزها زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ولقاؤه رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وبحثهما تعزيز التعاون السياسي والأمني والاقتصادي والتجاري، بما في ذلك زيادة حجم التبادل التجاري، والتعاون في الطاقة وتصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، وتطوير القطاع الزراعي.
كما نُشير إلى أن الحكومة العراقية وافقت مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026 على تسهيل إجراءات منح تأشيرات الدخول للتجار السوريين من أصحاب الدرجات الممتازة الأولى والثانية، وهي خطوة إيجابية تُسهم في إزالة المعوقات أمام التجار السوريين.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن مجلس الأعمال، بوصفه الممثل الوحيد للجانب السوري، يحمل مسؤولية كبيرة في ترجمة الطموحات إلى مشاريع ملموسة، لكنه يواجه تحديات جوهرية، أبرزها غياب بيئة مصرفية ولوجستية متكاملة بين البلدين، وضعف البنية التحتية للمعابر الحدودية، وتفاوت الأنظمة الجمركية والضريبية.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بموقفه الثابت المنشور على موقعه الرسمي في بيانه بعنوان "الربط الاقتصادي المرتقب بين سورية والعراق برعاية أميركية"، بتاريخ 8 تموز/يوليو 2026، حيث رحب بالتقارب الاقتصادي، لكنه شدد على أن "الاستفادة الحقيقية من هذا التقارب تتطلب استكمال المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها إحياء خط أنابيب كركوك – بانياس، وتطوير المعابر الحدودية، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع".
يرى تيار المستقبل السوري أن هاتين الخطوتين، رغم أهميتهما، تطرحان جملة من التحديات الجوهرية:
أولاً: غياب الالتزامات الملزمة في المحضر المائي – يُلاحظ تيار المستقبل السوري أن المحضر هو "محضر اجتماع فني"، وليس اتفاقاً ملزماً، وأنه يكتفي بـ"تفعيل التنسيق" و"إنشاء محطات قياس" و"تبادل البيانات"، دون أن يتضمن التزامات واضحة بشأن الحصص المائية العادلة لسورية، أو آليات للتحكيم في حال حدوث خلافات مع دول المنبع.
ويتساءل تيار المستقبل السوري: هل سيتحول هذا المحضر إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن حق سورية في مياه الفرات، أم سيبقى مجرد إطار للتنسيق الفني دون ضمانات حقيقية؟
ثانياً: الحاجة إلى ضمانات سيادية في ملف المياه – يُشدد تيار المستقبل السوري على أن أي تنسيق مع تركيا بشأن المياه العابرة للحدود يجب أن يستند إلى القانون الدولي، وأن يحفظ الحقوق التاريخية لسورية، وألا يُترك مصير ملايين السوريين رهناً لتفاهمات فنية غير ملزمة.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن سورية ظلت لسنوات تعاني من انخفاض إيرادات نهر الفرات، ومن انقطاع المياه عن مدن وقرى بأكملها، وأن أي حل يجب أن يضمن عدالة التوزيع واستدامة الموارد.
ثالثاً: الحاجة إلى ترجمة مجلس الأعمال إلى نتائج ملموسة – يُلاحظ تيار المستقبل السوري أن تشكيل مجلس الأعمال، رغم أهميته، لا يُغني عن الحاجة إلى إطار قانوني واضح ينظم العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويضمن تسوية النزاعات التجارية، ويُسهّل حركة رؤوس الأموال والبضائع، ويُزيل الحواجز الجمركية وغير الجمركية.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن نجاح المجلس لن يُقاس بعدد اجتماعاته، بل بحجم الاستثمارات التي سيجذبها، والتبادل التجاري الذي سيزيده، وفرص العمل التي سيخلقها.
رابعاً: غياب الشفافية في آليات التشكيل والمتابعة – يُسجل تيار المستقبل السوري أن قرار تشكيل مجلس الأعمال صدر دون إعلان واضح عن معايير اختيار أعضائه، أو آليات محاسبته، أو كيفية تمثيله لمختلف القطاعات الاقتصادية.
ويطالب تيار المستقبل السوري بمزيد من الشفافية في تشكيل المجالس المشتركة، وضمان تمثيل حقيقي للقطاع الخاص بكل مكوناته، لا لفئات محدودة.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: الارتقاء بالمحضر المائي إلى اتفاق قانوني ملزم – يطالب تيار المستقبل السوري الحكومة الانتقالية بالعمل على تحويل محضر الاجتماع الفني إلى اتفاق قانوني ملزم مع العراق وتركيا، يحدد الحصص المائية العادلة لسورية، ويُنشئ آلية للتحكيم في حال حدوث خلافات، ويضمن حق سورية في مياه الفرات وفق القانون الدولي.
ثانياً: تعزيز الشفافية في عمل مجلس الأعمال – يدعو تيار المستقبل السوري إلى نشر معايير اختيار أعضاء المجلس، وآليات عمله، وتقارير دورية عن نشاطه ونتائجه، وضمان تمثيل مختلف القطاعات الاقتصادية والمناطق السورية، بما يعزز ثقة المستثمرين والتجار.
ثالثاً: إطلاق خطة وطنية للبنية التحتية الاقتصادية مع العراق – يطالب تيار المستقبل السوري بالإسراع في تطوير المعابر الحدودية، وتحسين الطرق والسكك الحديدية، وتحديث الأنظمة الجمركية والضريبية، وإحياء خط أنابيب كركوك – بانياس، لتوفير البيئة اللازمة لنجاح مجلس الأعمال.
رابعاً: ربط التعاون الاقتصادي بمعالجة الملفات العالقة – يدعو تيار المستقبل السوري إلى ربط التقدم في العلاقات الاقتصادية بتسوية ملفات المواطنين السوريين في العراق (كالمعتقلين والمفقودين)، وبضمان حقوق العمال السوريين، أسوةً بما طالب به التيار في بيانه حول التعاون القضائي مع العراق بتاريخ 14 آب/أغسطس 2026.
خامساً: تعزيز التنسيق مع دول المنبع لضمان الأمن المائي – يطالب تيار المستقبل السوري بالاستمرار في الحوار مع تركيا، بوساطة عراقية، للتوصل إلى اتفاق شامل وعادل بشأن مياه دجلة والفرات، يضمن حقوق سورية التاريخية، ويُنهي حالة عدم اليقين التي يعيشها المزارعون والمواطنون في حوض الفرات.
يُثمن تيار المستقبل السوري الخطوتين اللتين أُنجزتا هذا الأسبوع على طريق تعزيز العلاقات السورية – العراقية، ويرى فيهما مؤشراً على إرادة سياسية حقيقية لتطوير التعاون في ملفين حيويين: المياه، والاقتصاد.
غير أن تيار المستقبل السوري يُذكّر بأن التوقيعات والبيانات لا تكفي، وأن الاختبار الحقيقي يكمن في التنفيذ، وفي قدرة هذه الآليات على تحويل الطموحات إلى واقع ملموس يمس حياة المواطن.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن المياه هي قضية أمن قومي ووجودي، وأن الاقتصاد حياة الناس وفرص أبنائهم.
وبدوره، فإن تيار المستقبل السوري سيبقى داعماً لكل ما يُعزز الأمن المائي السوري، ويُقوي الاقتصاد الوطني، ناقداً لكل تقصير، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي تُصان فيها حقوق مواطنيها في الماء والغذاء والكرامة.