الملخص التنفيذي:
تُعالج هذه الورقة القانونية الإشكالية المركزية المتعلقة بتنظيم الحياة الحزبية في سورية ما بعد سقوط نظام الاستبداد (8 كانون الأول/ديسمبر 2024). وتستند الورقة إلى التحليل المقارن لآراء 21 تنظيماً سياسياً سورياً، كما وردت في دراسة مركز "جسور للدراسات"، بهدف تقييم مدى توافق هذه التوجهات مع المعايير الدستورية والدولية لحرية التنظيم وتكوين الأحزاب.
يخلص المكتب الحقوقي في "تيار المستقبل السوري" إلى أن إصدار قانون عصري للأحزاب هو استحقاق دستوري تمليه أحكام الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025، وضمانة أساسية للانتقال السلمي للسلطة. وتقدم الورقة جملة من التوصيات التشريعية الدقيقة لضمان خلق بيئة قانونية محفزة للتعددية، ومحصنة ضد التدخلات التنفيذية والأمنية.
المقدمة:
شكّل انهيار النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 نقطة انقطاع مع عقود من هيمنة "حزب البعث" ونظام الحزب الواحد، مما استوجب إعادة هندسة المشهد السياسي وفق أسس تعددية وديمقراطية.
وفي هذا السياق، يشكل الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 الإطار المرجعي الأعلى للمرحلة الانتقالية، حيث نصّت المادة (14) منه صراحة على "حق الدولة في صون المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفق قانون جديد ينظم آلية تأسيس الأحزاب السياسية".
إن قانون الأحزاب يُعد بمثابة "قانون النظام العام السياسي"؛ فهو ليس نصاً إدارياً تنظيمياً فحسب، بل هو الأداة القانونية التي تحدد ملامح العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، وبين السلطة والمعارضة.
ومن هذا المنطلق، يقدم المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري هذه القراءة التحليلية للمعطيات الميدانية التي رصدتها دراسة "جسور"، بهدف تقديم رؤية قانونية مؤسسية تسهم في صياغة تشريع يقطع مع الماضي، ويؤسس لدولة المواطنة والقانون.
أولاً، قراءة قانونية تحليلية في توجهات القوى السياسية:
أظهرت نتائج الدراسة تبايناً في الرؤى القانونية حول 11 مؤشراً، وهو تباين يُعزى إلى اختلاف المرجعيات الفكرية وتجارب القوى السياسية.
ويمكن تحليل أبرز هذه المؤشرات قانونياً على النحو التالي:
النظام القانوني للتأسيس، الإخطار في مواجهة الترخيص:
- المعطى الميداني: أيد 71% من القوى السياسية اعتماد آلية "الإخطار" في مقابل 29% أيدوا آلية "الترخيص".
- التحليل القانوني ورؤية التيار: يُعد نظام "الإخطار" هو المعيار القانوني الدولي لحرية تكوين الجمعيات والأحزاب (وفقاً للمادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية). فآلية الترخيص تمنح السلطة التنفيذية سلطة تقديرية واسعة، مما يفتح الباب أمام "تسييس" القرار وإقصاء الخصوم، كما جسّد ذلك المرسوم التشريعي 100 لعام 2011. إن تيار المستقبل السوري يؤيد آلية الإخطار، باعتبارها عملاً قانونياً كاشفاً وليس منشئاً، يُمكّن الأحزاب من البدء بنشاطها فور استيفاء الشروط الشكلية، مع إخضاعها للرقابة القضائية اللاحقة.
الجهة المشرفة على الأحزاب:
- المعطى الميداني: توزعت الآراء بين "هيئة قضائية مستقلة" (38.09%)، و"هيئة مالية وإدارية مستقلة" (33.33%)، و"المحكمة الدستورية العليا" (14.28%).
- التحليل القانوني ورؤية التيار: يجب أن تُنزع الولاية الإدارية على الأحزاب من وزارة الداخلية (التي تمثل السلطة التنفيذية)، لضمان مبدأ الفصل بين السلطات. ندعم في "المكتب الحقوقي" إنشاء هيئة قضائية مستقلة أو إسناد المهمة إلى المحكمة الدستورية العليا، لتكون الجهة الفاصلة في حالات الطعن بالتأسيس أو الحل. هذا الإجراء يحصّن العمل الحزبي من الابتزاز الأمني ويضمن الحيادية.
المرجعيات الدينية والطائفية والهوية الجامعة:
- المعطى الميداني: رفض 57.14% من المستطلعين إقرار مادة تمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني أو طائفي أو قومي أو مناطقي، بينما أيدها 19.01%.
- التحليل القانوني ورؤية التيار: من منظور قانوني، لا يمكن للمشرّع تجريم "الفكر" أو "الانتماء" بحد ذاته، طالما التزم الحزب بالدستور وبمبدأ عدم اللجوء إلى العنف. إن الحظر المطلق للمرجعيات قد يتعارض مع حرية التعبير وتكوين الأحزاب. ومع ذلك، يدعم التيار إدراج ضوابط قانونية صارمة تمنع استغلال الدين أو الطائفية لتكريس التمييز أو الانقسام المجتمعي، أو تشكيل ميليشيات طائفية تحت غطاء حزبي، مع التأكيد على "مبدأ المواطنة" كأساس جامع للعمل السياسي.
مدنية الدولة:
- المعطى الميداني: إجماع 100% على منع تشكيل مجموعات مسلحة تابعة للأحزاب، وتأييد 95% لمنع ضباط الجيش والأمن من الانتماء للأحزاب.
- التحليل القانوني ورؤية التيار: هذا الإجماع يُجسّد مبدأ قانونياً راسخاً في الدولة المدنية الحديثة، وهو خضوع المؤسسة العسكرية والأمنية للسلطة السياسية المدنية. نحن نؤيد منع الأحزاب من امتلاك أجنحة عسكرية، ومنع العسكريين من الانخراط في العمل الحزبي أثناء تأدية خدمتهم، لضمان حياد المؤسسة العسكرية وحمايتها من الاستغلال السياسي، مع ضمان حقهم في التصويت والمشاركة السياسية كمواطنين بعد انتهاء خدمتهم.
الشفافية المالية ومنع التمويل الأجنبي:
- المعطى الميداني: 95% يؤيدون منع التمويل الخارجي، و100% يؤيدون الاشتراكات، و90.47% يؤيدون التبرعات الوطنية.
- التحليل القانوني ورؤية التيار: يُعد منع التمويل الأجنبي المشروط مبدأً سيادياً لحماية القرار الوطني من الاختراق. ومع ذلك، يجب ألا يُفسر هذا المنع كذريعة لتجفيف موارد الأحزاب الناشئة. لذلك، نطالب بوضع سقف قانوني للتبرعات الوطنية، وتفعيل نظام الإعانة الحكومية العادلة الموزعة حسب التمثيل البرلماني أو عدد الأعضاء، لضمان تكافؤ الفرص بين الأحزاب، ومنع تحول الأحزاب إلى أدوات بيد رأس المال.
ثانياً، المعوقات القانونية والسياسية لإصدار القانون:
تشير بيانات الدراسة إلى أن 38% يتوقعون إصدار القانون قريباً، في مقابل 38% يرونه بعيداً، و24% لا يتوقعون توقيتاً محدداً. يعزو 23.80% من المستطلعين التأخير إلى "رفض السلطة للتعددية"، و19.04% إلى "التحديات الأمنية".
إن تعليق إصدار قانون الأحزاب بحجة "التحديات الأمنية" أو "تحديات المرحلة الانتقالية" يمثل شكلاً من أشكال تعطيل الحقوق الدستورية. إن غياب قانون عصري للأحزاب يخلق فراغاً تشريعياً يدفع إلى العودة إلى الممارسات الأمنية القديمة (مثل الاعتقال التعسفي أو منع التجمعات). كما أن الاستناد إلى "رفض التعددية" يُعد مخالفة صريحة للإعلان الدستوري. من هنا، نرى أن غياب الحوار الوطني الحقيقي هو العائق الأكبر، وندعو إلى اعتبار إقرار القانون أولوية تشريعية قصوى، لا يجوز تأجيلها أو ربطها بأولويات اقتصادية أو أمنية.
ثالثاً، التوصيات:
استناداً إلى التحليل السابق، يقدم تيار المستقبل السوري التوصيات التشريعية التالية، ليتضمنها مشروع قانون الأحزاب الجديد:
- اعتماد آلية الإخطار المسبق: يُمارس الحزب نشاطه بموجب إخطار يُقدم لوزارة الداخلية أو للجهة المختصة، ويُعتبر الإخطار مقبولاً حكماً إذا لم تصدر الجهة القضائية المختصة قراراً مسبباً برفضه خلال مدة أقصاها 30 يوماً.
- تحديد النصاب التأسيسي بواقعية: اشتراط عدد مؤسسين لا يقل عن (10) ولا يتجاوز (100) عضو، لتمكين الشباب والأحزاب الناشئة من التأسيس، مع اشتراط توزيعهم الجغرافي في (5) محافظات على الأقل (بحد أدنى 1 عضو في كل محافظة)، لضمان الطابع الوطني وعدم الانعزال الجغرافي.
- تكريس مبدأ مدنية الدولة: إدراج نص صريح وجازم يُحظر بموجبه على أي حزب سياسي تشكيل أجنحة عسكرية أو شبه عسكرية، أو الارتباط بجهات مسلحة، مع فرض عقوبات جزائية رادعة (جنائية) على المخالفين.
- تجريم التوظيف الطائفي: إدراج مادة تمنع استخدام دور العبادة أو المنابر الدينية لأغراض الدعاية الحزبية أو الانتخابية، حمايةً لحرية المعتقد وللنسيج الاجتماعي.
- إنشاء مفوضية مستقلة للرقابة المالية: إلزام الأحزاب بتقديم كشوف مالية سنوية مدققة لهيئة مستقلة (قضائية أو مالية)، مع فرض عقوبات صارمة على تلقي تمويل أجنبي مشروط، وإلزام الأحزاب بالكشف عن مصادر تمويلها لعموم المواطنين.
الخاتمة:
يمثل قانون الأحزاب في سورية ما بعد الأسد "العقد الاجتماعي السياسي" الجديد. إن التجاذبات الحالية بين القوى السياسية، كما أظهرتها دراسة "جسور"، هي حالة طبيعية لولادة نظام سياسي تعددّي، لكن استمرار المماطلة في إصدار القانون من شأنه أن يهدد الثقة في العملية الانتقالية برمتها. من هنا، يؤكد المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري أن الإسراع في تشريع قانون أحزاب عصري، قائم على الإخطار، والرقابة القضائية، والشفافية المالية، وحظر العنف، هو الضمانة الوحيدة لتحويل الصراع السياسي من ساحات المعارك والاستقطابات الأمنية إلى ساحات المنافسة السلمية وصناديق الاقتراع، وبناء دولة المؤسسات التي يتطلع إليها الشعب السوري.