من "الجماعة" إلى "المواطنة" في الدولة السورية الحديثة

تقديم:

تجد سورية نفسها اليوم، في مرحلتها الانتقالية، أمام استحقاق تأسيسي دقيق، وهو كيف يمكن بناء دولة حديثة جامعة، في مجتمع أنهكته سنوات الصراع، وتشابكت فيه الانتماءات الأولية (الطائفية، والمناطقية، والقبلية) مع إرث طويل من الاستبداد والتضييق على الحريات العامة؟ .

والخطاب الديني، الذي يشكل مرجعية أساسية لكثير من السوريين، هو أحد أهم المداخل لمعالجة هذه الإشكالية، فإذا كان هذا الخطاب قد استُخدم تاريخياً لتكريس الانقسام أو تبرير الإقصاء، فإن السؤال المطروح هو: هل يمكن إعادة تأصيله ليصبح جسراً نحو "المواطنة" الجامعة، بدلاً من أن يبقى أسيراً لمنطق "الجماعة" الضيقة؟

أولاً، "الأمة" في القرآن:

لا يمكن الحديث عن المواطنة في الإسلام بمعزل عن مفهوم "الأمة"، الذي ورد في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، منها الجماعة التي تربطها رابطة اجتماع، والجماعة التي تربطها عقيدة واحدة، لكن اللافت أن القرآن الكريم لم يحصر "الأمة" في جماعة دينية واحدة، بل استخدمها أيضاً للإشارة إلى جماعة تعاقدية، كما في وصفه لليهود بأنهم "أمة مع المؤمنين" في صحيفة المدينة.

والأساس القرآني للمواطنة الجامعة يتجلى في ثلاث آيات محوريات:

أولاً: آية التعارف. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13). وقد أوضحت دار الإفتاء المصرية أن الله سبحانه جعل التعددية "سبباً دافعاً للتعارف والتواصل لا للتصارع والتقاطع" ، فالآية لا تلغي الانتماءات الفرعية (الشعوب والقبائل)، بل تعيد توجيهها نحو التعارف، الذي هو أساس أي مجتمع مدني متعدد.

ثانياً: آية الاعتصام. يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103). وقد بين السياق القرآني أن هذا الاعتصام هو الذي يحول الأعداء إلى إخوة: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فالوحدة هنا فعل إرادي يقوم على "الاعتصام" بالمرجعية الجامعة، التي تحفظ للجميع حقوقهم، وتمنع التشرذم.

ثالثاً: آية العدل. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58). والعدل هنا ليس موجهاً للمسلمين فقط، بل لـ "الناس" جميعاً. وهذا هو الأساس القرآني للمواطنة: المساواة أمام القانون، بغض النظر عن الدين أو العرق أو المنطقة.

ثانياً، أول دستور للمواطنة التعاقدية:

إذا كانت الآيات القرآنية قد أسست لمبدأ المواطنة، فإن صحيفة المدينة هي التطبيق العملي الأول لهذا المبدأ في التاريخ الإسلامي، فبعد الهجرة، كتب النبي ﷺ وثيقة نظم بها العلاقات بين سكان المدينة من المهاجرين والأنصار واليهود والوثنيين، وقد وصفها الباحثون بأنها "أول وثيقة دستورية في التاريخ الإسلامي"، جسدت "مبدأ المواطنة والتعايش السلمي، وأرست أسس العدالة والوحدة" .

واللافت في هذه الوثيقة أنها لم تكتفِ بتنظيم علاقة المسلمين ببعضهم، بل نظمت علاقة جميع المكونات بالدولة الجديدة. فقد نص البند الخامس والعشرون على أن "يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"، ونص البند السابع والثلاثون على أن "على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة".

وهذا يعني أن الصحيفة أسست لـ "مواطنة تعاقدية"، تحدد الحقوق والواجبات لكل مواطن، بغض النظر عن عقيدته .

وقد أكد غير واحد من العلماء أن وثيقة المدينة "تقرر قيم المواطنة، وتحدد الحقوق والواجبات لكل مواطن يعيش على أرض المدينة بغض النظر عن عقيدته أو عرقه أو لونه"، وتضمن للمخالف "حرية الاعتقاد، والمحافظة على نفسه وماله وعرضه" .

وهذا هو النموذج الذي يمكن البناء عليه في سورية الجديدة: دولة تتعاقد مع جميع مواطنيها، لا دولة تتعاقد مع طائفة أو جماعة دون أخرى.

ثالثاً، الإعلان العالمي الأول لحقوق الإنسان:

لم تكن صحيفة المدينة مجرد وثيقة تنظيمية، بل كانت تعبيراً عن رؤية أعمق تجسدت في خطبة الوداع، التي ألقاها النبي ﷺ في حجة الوداع، ووصفها العلماء بأنها "ميثاق حياة" و"أهم الوثائق التي سطرت حقوق الإنسان وواجباته" .

وقد أعلن النبي ﷺ في خطبته مبدأ المساواة الجذرية بين البشر: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" .

لقد أكد هذا النص وأرسى قواعد التعايش والسلام بين البشرية دون تفاضل ومنح الإنسانية الحائرة حقوقها.

والدلالة هنا أن المواطنة في الإسلام لا تقوم على الدم أو العرق أو اللغة، بل على الكرامة الإنسانية المشتركة والتقوى، وهي معايير فردية لا جماعية. وهذا هو الأساس الذي يمكن للخطاب الديني الوسطي أن يبني عليه في سورية، مواطنة لا تلغي الانتماءات الفرعية، لكنها تتسامى عليها، وتضع الجميع تحت مظلة القانون والكرامة.

رابعاً، عمر بن الخطاب ونموذج "المواطنة المحمية":

لم يقتصر تطبيق المواطنة على عصر النبوة، بل استمر في عصر الصحابة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نموذجاً فريداً في هذا المجال. فقد كتب عهد الأمان لأهل إيلياء (القدس)، ونص فيه: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم" . وهذا العهد لم يكن مجرد "تسامح" منّةً من الأقوى، بل كان عقداً ملزماً للدولة بحماية حقوق مواطنيها غير المسلمين.

بل إن عمر أوصى عند وفاته بأهل الذمة، فكتب لمن يخلفه: "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ" . وهذا يعني أن حماية حقوق المواطنين غير المسلمين كانت وصية سياسية ودينية، لا مجرد إجراء إداري. وقد لاحظ الباحثون أن الحقوق التي أعطاها عمر لأهل الذمة كانت "أوسع بكثير" من الحقوق التي أعطتها الإمبراطوريات الأخرى في ذلك الزمان .
والدرس المستفاد لسورية الجديدة هو أن المواطنة تتحقق بعقد دستوري ملزم، يحمي حقوق جميع المواطنين، ويكون قابلاً للمساءلة أمام القضاء. وهذا ما تحتاجه سورية اليوم: "عهد عمري" جديد، يكتبه السوريون جميعاً، ويضمن لكل مواطن حقه في الأمن والكرامة والمشاركة.

خامساً، قراءة في الفقه السياسي الكلاسيكي:


ارتبط في الفقه السياسي الإسلامي الكلاسيكي مفهوم "الجماعة" بالشرعية السياسية، حيث اعتبر الفقهاء أن "الجماعة" هي أساس البيعة والطاعة، وأن الخروج عنها يؤدي إلى الفتنة. لكن هذا المفهوم، رغم أهميته في حفظ النظام، قد يتحول إلى أداة لإقصاء الآخر، إذا فُهم بمعنى "الجماعة المذهبية أو الطائفية"، لا "الجماعة الوطنية".

وهنا يبرز الفرق الجوهري بين "الأمة" و"الجماعة" في التراث الإسلامي. فـ "الأمة" هي الجماعة من حيث هي كيان جامع، تربطها رابطة اجتماع أو عقيدة أو تعاقد، بينما "الجماعة" في الفقه السياسي ارتبطت أحياناً بـ "أهل الحل والعقد"، أي النخبة التي تمثل الأمة. وقد أشار الباحثون إلى أن "الأمة" في القرآن لا تعني "الجماعة" مطلقاً، بل هي "الجماعة الذين تربطهم رابطة اجتماع يعتبرون بها واحداً" .

والمشكلة في سورية أن "الجماعة" كثيراً ما فُهمت بمعناها الطائفي أو المناطقي، لا بمعناها الوطني الجامع. وقد ساهم الخطاب الديني، في بعض مراحله، في تكريس هذا الفهم الضيق، عندما حصر "الجماعة" في "أهل السنة" أو "أهل المدينة" أو "أتباع المذهب الفلاني". وهذا هو ما يجب تجاوزه اليوم، بالانتقال من "الجماعة" ككيان إقصائي، إلى "الأمة" ككيان جامع، يتسع للجميع.

سادساً، نحو تأصيل حضاري للمواطنة:

لم تكن إشكالية الانتقال من "الجماعة" إلى "المواطنة" حكراً على الفقه الكلاسيكي، بل تناولها المفكرون المسلمون المتأخرون بطرق مبتكرة، يمكن أن تشكل إطاراً نظرياً للخطاب الديني الوسطي في سورية:

مالك بن نبي: "الكومنويلث الإسلامي" كبديل حضاري
قدم مالك بن نبي مشروعاً فكرياً لبناء "الكومنويلث الإسلامي"، الذي يمثل "نموذجاً حضارياً للوحدة والتعايش"، ويقوم على معادلة "إنسان + تراب + وقت = حضارة" .
ويرى بن نبي أن هذا الكومنويلث يجب أن يكون "جامعاً إسلامياً تشاركياً في الهيكلة والوظيفة، تشاورياً في الرؤية والتنفيذ، لا مركزياً في البناء والإدارة" .
والدلالة هنا أن الوحدة الوطنية، في المنظور الحضاري، ليست "ذوباناً" في مركز واحد، بل هي "تشارك" في بناء الحضارة، يقوم على "التراب" (الأرض المشتركة) و"الوقت" (التاريخ المشترك) و"الإنسان" (المواطن). وهذا هو الإطار الذي يمكن أن يقدمه الخطاب الديني الوسطي لسورية: وحدة لا تلغي التنوع، بل تستثمره في بناء الحضارة.

طه عبد الرحمن: "المآخاة" كمواطنة أخلاقية
يقدم طه عبد الرحمن مفهوماً مبتكراً للمواطنة، وهو "المآخاة"، التي يراها "المواطنة" الحقة، لأنها "تأسست على القيم الأخلاقية" .
ويرى أن المواطنة في الحداثة الغربية انفصلت عن الأخلاق، فأصبحت مجرد "حقوق قانونية"، بينما المواطنة في الحداثة الإسلامية تقوم على "المآخاة"، أي "الأخوة الأخلاقية" التي تتجاوز الحقوق المجردة.
ويشير طه عبد الرحمن إلى أن "المواطنة الحقة والصالحة لا تكون إلا مواطنة متصلة ومفتوحة، أي عبارة عن مؤاخاة" . فالمآخاة، في هذا الفهم، ليست مجرد "تعايش سلبي"، بل هي "التزام أخلاقي متبادل"، يقدم فيه كل مواطن "المصلحة العامة على المصلحة الخاصة"، و"يدفع المفسدة عن الآخرين"، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ .
وهذا الطرح يمكن أن يوفر للخطاب الديني الوسطي في سورية أساساً أخلاقياً قوياً للمواطنة، فالمواطنة ليست مجرد "عقد قانوني"، بل هي "ميثاق أخلاقي"، يلتزم فيه المواطنون بالعدل والإحسان، لا فقط بالمطالبة بالحقوق.

محمد عابد الجابري: نقد "العقل السياسي العربي" وتجاوز محدداته
قدم محمد عابد الجابري نقداً عميقاً لما أسماه "العقل السياسي العربي"، الذي يراه محكوماً بثلاثة محددات رئيسية: "القبيلة" و"الغنيمة" و"العقيدة" .
ويرى الجابري أن هذه المحددات الثلاثة هي التي تمنع قيام "مواطنة" حقيقية في المجتمعات العربية، لأنها تجعل الولاء للجماعة (القبيلة أو الطائفة) مقدماً على الولاء للوطن، وتجعل السلطة أداة للغنيمة لا أداة للخدمة.
والحل الذي يطرحه الجابري هو "تجاوز هذه المحددات" عبر "نقد العقل السياسي العربي"، وإعادة بناء الوعي السياسي على أساس "المواطنة" و"حقوق الإنسان" و"الديمقراطية" .
وهذا النقد، رغم أنه موجه للتراث العربي ككل، ينطبق بشكل خاص على سورية، حيث لا تزال "القبيلة" و"الغنيمة" و"العقيدة" (بالمعنى الطائفي) تشكل عوائق أمام بناء دولة المواطنة.

سابعاً، من "الجماعة" إلى "المواطنة":

في ضوء هذا التراث النصي والفكري، يمكن القول إن الخطاب الديني الوسطي في سورية الجديدة يواجه ثلاثة تحديات كبرى، ويمكنه أن يلعب ثلاثة أدوار محورية:

التحدي الأول: إرث "الجماعة" الطائفية. لقد استُخدم الخطاب الديني، في العقود الماضية، لتكريس الانقسام الطائفي والمناطقي، وتحويل "الجماعة" إلى "هوية إقصائية". والخطاب الوسطي مدعو إلى تفكيك هذا الإرث، عبر التأكيد على أن "الأمة" في الإسلام أوسع من "الجماعة"، وأن "المواطنة" باعتباره المجال الأوسع الجامع الممكن الحالي لا تلغي الانتماء الديني، لكنها تتسامى عليه في المجال العام.

التحدي الثاني: غياب "العقد الاجتماعي" الجامع. لا تزال سورية تفتقر إلى "عقد اجتماعي" جديد، يحدد حقوق وواجبات جميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم. والخطاب الديني الوسطي يمكن أن يساهم في تأصيل هذا العقد، بالاستناد إلى صحيفة المدينة وخطبة الوداع وعهد عمر، باعتبارها نماذج إسلامية أصيلة لـ "المواطنة التعاقدية".

التحدي الثالث: خطر "الخطاب البديل" الطائفي. في غياب خطاب وطني جامع، تملأ الخطابات الطائفية والمناطقية الفراغ، وتستقطب الشباب المحبط. والخطاب الوسطي مدعو إلى تقديم بديل جاذب، يقوم على "المواطنة" لا "الطائفية"، و"الكرامة" لا "الإقصاء"، و"الأمل" لا "الخوف".

أما الأدوار المحورية التي يمكن للخطاب الديني الوسطي أن يلعبها فهي:

  • دور "الرابط الاجتماعي"، عبر التأكيد على القيم المشتركة (العدل، الإحسان، التعارف) التي تجمع السوريين جميعاً.
  • دور "الرقيب الأخلاقي"، عبر محاسبة السلطة على أدائها، والدفاع عن حقوق المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم.
  • دور "المصالح"، عبر نشر ثقافة "المآخاة" (بالمعنى الطهائي) التي تجعل المواطنة "التزاماً أخلاقياً"، لا مجرد "حق قانوني".

ثامناً، توصيات:

انطلاقاً من هذا التحليل، يوصي المكتب الديني في تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: تأسيس "ميثاق وطني للمواطنة" مستمد من صحيفة المدينة. يجب أن يُصاغ هذا الميثاق بمشاركة جميع المكونات السورية، وأن يحدد الحقوق والواجبات لكل مواطن، بغض النظر عن دينه أو عرقه أو منطقته، على غرار "صحيفة المدينة" التي وحدت مكونات المجتمع المديني في عقد واحد.

ثانياً: إعادة قراءة "الجماعة" في ضوء "الأمة"، حيث يجب على الخطاب الديني الوسطي أن يعيد تعريف "الجماعة"، بحيث لا تكون "جماعة طائفية"، بل "جماعة وطنية باعتبار واقعيتها والمصلحة"، تتسع للجميع. وهذا يتطلب مراجعة نقدية للتراث الفقهي السياسي، والتمييز بين ما هو "سياقي" (مرتبط بظروف تاريخية معينة) وما هو "مقاصدي" (مرتبط بمقاصد الشريعة الجامعة).

ثالثاً: تبني "المآخاة" كأساس أخلاقي للمواطنة، و أن ينتقل الخطاب الديني من "المواطنة القانونية" (الحقوق والواجبات) إلى "المواطنة الأخلاقية" (المآخاة والإحسان)، على غرار ما طرحه طه عبد الرحمن. وهذا يعني أن المواطنة هي "التزام أخلاقي" بالعدل والإحسان.

رابعاً: مواجهة "محددات العقل السياسي العربي" (القبيلة، الغنيمة، العقيدة)، بمعنى أنه على الخطاب الديني الوسطي أن يكون "خطاباً نقدياً"، يكشف كيف تُستخدم "القبيلة" و"الغنيمة" و"العقيدة" لتكريس الفساد والإقصاء، ويدعو إلى "تجاوزها" نحو "دولة المواطنة".

خامساً: بناء "خطاب ديني وطني" لا "خطاب ديني فئوي". خطاباً وطنياً، يخاطب السوريين جميعاً، وهذا لا يعني إلغاء الخصوصية الدينية، بل يعني تسامي الخطاب العام فوق الانتماءات الفرعية.

خاتمة:

إن الانتقال من "الجماعة" إلى "المواطنة" في سورية الجديدة هو تحول حضاري في فهم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. وهو تحول له أصول نصية في القرآن والسنة، ونماذج تاريخية في صحيفة المدينة وخطبة الوداع وعهد عمر، وإرهاصات فكرية عند مالك بن نبي وطه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري.

والخطاب الديني الوسطي، الذي يمثله المكتب الديني في تيار المستقبل السوري، هو "المدخل الطبيعي" لهذا التحول، لأنه يمتلك "الشرعية الدينية" و"الرصيد الثقافي" و"القبول الاجتماعي" الذي يمكنه من "تفكيك خطاب الجماعة" و"بناء خطاب المواطنة". وهذا يتطلب "إرادة سياسية" من الدولة، و"جهداً فكرياً" من العلماء والمفكرين، و"انفتاحاً" من المجتمع. فإذا تحققت هذه الشروط، يمكن لسورية أن تقدم "نموذجاً حضارياً" جديداً، لا "للمواطنة" فحسب، بل "للإسلام الحضاري" الذي يرى في "الاختلاف" رحمة، وفي "الوحدة" قوة، وفي "المواطنة" عبادة.

المراجع:

  1. وزارة الأوقاف المصرية. (2025، 16 تشرين الأول). صحيفة المدينة. https://awkafonline.gov.eg/content-sections/98/6813/
  2. وزارة الأوقاف المصرية. (2025، 29 حزيران). أول وثيقة سلام. https://awkafonline.gov.eg
  3. وزارة الأوقاف المغربية. (2012، 28 أيار). أسس المجتمع الإسلامي الجديد: وثيقة المدينة.. حقوق المواطنة وواجباتها. https://habous.gov.ma
  4. دار الإفتاء المصرية. (2020، 24 كانون الأول). الإسلام دين ودولة يدعو إلى التماسك بين طوائف المجتمع. https://www.dar-alifta.org/ar/articles/details/7400/
  5. الأزهر الشريف. (د.ت.). خطيب الأزهر: خطبة الوداع أرست قواعد التعايش والسلام بين البشرية دون تفاضل. https://azhar.eg
  6. البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار.
  7. مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل.
  8. الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الإمام.
  9. ابن حجر العسقلاني. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب المناقب.
  10. النووي، يحيى بن شرف. شرح صحيح مسلم، كتاب الإمارة.
  11. بن نبي، مالك. شروط النهضة. دار الفكر.
  12. بن نبي، مالك. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. دار الفكر.
  13. عبد الرحمن، طه. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. المركز الثقافي العربي.
  14. عبد الرحمن، طه. تجدید المنهج في تقویم التراث. المركز الثقافي العربي.
  15. الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته. مركز دراسات الوحدة العربية.
  16. الجابري، محمد عابد. نقد العقل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

إعلان الصندوق السيادي السوري إجراء مراجعة لأصوله

إعلان الصندوق السيادي السوري لإجراء مراجعة شاملة لأصوله يعد خطوة هامة نحو تحسين إدارة الموارد في سورية.

23 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

اليوم العالمي للنمر الثلجي

اليوم العالمي للنمر الثلجي هو مناسبة لتسليط الضوء على أهمية المحافظة على التنوع البيولوجي وحماية البيئة.

23 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع