منذ توليه رئاسة المرحلة الانتقالية في التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2025، أطلّ الرئيس أحمد الشرع على السوريين في مناسبات محدودة ومتباعدة.
والسؤال الذي يطرحه هذا المقال سؤال جوهري عن فلسفة الحكم في مرحلة انتقالية، هل يكفي أن يظهر الرئيس في المناسبات الكبرى، أم أن المرحلة تتطلب حضوراً اتصالياً منتظماً يكاشف السوريين بما يجري، ويشرح التحديات، ويعترف بالمعوقات؟
الاتصال السياسي في المراحل الانتقالية:
تشير أدبيات الاتصال السياسي إلى أن المراحل الانتقالية هي أكثر المراحل حاجة إلى التواصل المنتظم، لأنها تجمع بين ثلاثة عوامل: غموض المستقبل، وهشاشة الثقة، وارتفاع التوقعات.
وفي هذه المرحلة، لا يعمل الخطاب السياسي كأداة "إعلام" فحسب، بل كأداة "إدارة معنى"، أي مساعدة المواطنين على فهم ما يجري، وتفسير القرارات، وتقبل الصعوبات.
ويقدم مفهوم "العقد الاتصالي" فكرة أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم على تبادل منتظم، لا على خطاب أحادي من حين لآخر.
فالحاكم يقدم المعلومة والتفسير والاعتراف بالحدود، والمواطن يقدم الثقة والمشاركة والصبر.
وإذا انهار هذا العقد، حل محله "فراغ اتصالي" تملؤه الشائعات، والمعلومات المضللة، والخطابات البديلة (الطائفية، والمناطقية، والمعارضة).
وفي السياقات التي تعاني من إرث استبدادي طويل، يصبح بناء هذا العقد أكثر صعوبة، لأن المواطن قد اعتاد أن كل خطاب رسمي هو دعاية، وأن كل صمت هو إخفاء.
ولذلك، فإن الخطاب الدوري أداة لإعادة بناء الثقة من خلال التكرار والمكاشفة والاعتراف بالحدود.
كيف خاطب الشرع السوريين؟:
حتى اللحظة، لا يوجد خطاب دوري منتظم للرئيس الشرع.
الخطابات التي ألقاها كانت مرتبطة بمناسبات محددة، ويمكن إجمالها في ما يلي:
- خطاب التنصيب (29 كانون الثاني/يناير 2025): أول خطاب موجّه للسوريين، استمر خمس دقائق، وأعلن فيه خريطة طريق المرحلة الانتقالية.
- خطاب رفع العقوبات (14 أيار/مايو 2025): خطاب موجز (تسع دقائق)، بارك فيه رفع العقوبات الأميركية.
- خطاب رفع العقوبات نهائياً (19 كانون الأول/ديسمبر 2025): ألقاه الرئيس من سفح جبل قاسيون في دمشق، احتفاءً برفع العقوبات الأميركية والأوروبية نهائياً، وأكد فيه أن "سورية تعود إلى مكانتها الطبيعية".
- خطاب عيد الفطر (20 آذار/مارس 2026): كلمة هنأ فيها السوريين، وتحدث عن أولويات الحكومة (تمكين المواطن، إنهاء المخيمات، الموازنة، الأجور).
- خطاب الجمعية العامة للأمم المتحدة (23 أيلول/سبتمبر 2026): خطاب خارجي موجه للمجتمع الدولي.
- كلمات في مناسبات دينية ووطنية: مثل كلمته في مؤتمر "وحدة الخطاب الإسلامي" (شباط/فبراير 2026)، وكلمة عيد الفطر، وكلمة ذكرى التحرير.
هذه الخطابات، رغم تنوعها، لا تشكل نمطاً اتصالياً منتظماً، فهي تأتي بعد الأحداث، لا قبلها أو أثناءها، وهي تخبر الناس بما تحقق، لا تكاشفهم بما يعوق.
وهذا ما يثير سؤالنا: هل يمكن لهذا النمط أن يبني ثقة حقيقية بين الدولة والمواطن، في مرحلة انتقالية بالغة التعقيد؟
هل للخطاب الدوري جذور؟:
في التاريخ الإسلامي:
لم يكن المسلمون الأوائل ينتظرون "مناسبة كبرى" ليسمعوا من قائدهم، ففي المدينة المنورة، كان النبي ﷺ يخطب في الناس كل جمعة، وكانت خطبته تجمع بين العبادة والسياسة والإدارة والتوجيه، وقد كانت خطبة الجمعة غالباً ذات طابع سياسي وعسكري، وأنها كانت تتناول السياسات الإدارية والمالية ومبرراتها، والأوامر التنفيذية.
وكان ذكر اسم الحاكم في الخطبة تأكيداً أسبوعياً للبيعة، وإعلاناً للشرعية.
هذا النموذج كان آلية اتصال سياسي دوري، تُبقي الحاكم على صلة مباشرة بالجمهور، وتُخضعه للمساءلة الشعبية، ولو من خلال الحضور والاستماع.
في التجربة الأميركية:
في عام 1933، أطلق الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت سلسلة من الخطابات الإذاعية عُرفت بـ "أحاديث المدفأة"، وكانت تُبث مساء أيام الأحد، وتستهدف شرح السياسات بلغة بسيطة، وطمأنة الأميركيين في خضم الكساد الكبير.
وتشير المصادر إلى أنها تراوحت بين 27 و31 خطاباً بين عامي 1933 و1944، وأنها نجحت إلى حد كبير، حيث ارتفع البريد الرئاسي من خمسة آلاف رسالة أسبوعياً إلى خمسين ألفاً، وأصبحت تقليداً مؤسسياً يستمر به الرؤساء الأميركيون حتى اليوم.
في التجارب المعاصرة:
لم تكن كل التجارب ناجحة، ففي فنزويلا، استخدم هوغو تشافيز برنامجه الأسبوعي كأداة للتواصل المباشر مع الجماهير، لكنه تحول تدريجياً إلى أداة دعائية، وانتُقد لـ"انعدام الجدية، والإفراط في الودية، والملل في كثير من الأحيان.
وفي الإكوادور، استخدم رافائيل كوريا برنامجه الأسبوعي بطريقة مماثلة، لكنه تعرض لانتقادات بسبب الاستقطاب والشعبوية.
والدرس المستفاد أن الخطاب الدوري سلاح ذو حدين، فهو يمكن أن يكون أداة شفافية ومساءلة، إذا كان مفتوحاً للحوار، ومعترفاً بالمشكلات، وقابلاً للنقد.
لكنه يمكن أن يتحول إلى أداة دعاية، إذا كان أحادياً، ومكتفياً بذكر الإنجازات، ورافضاً للأسئلة الصعبة.
لماذا يحتاج السوريون إلى خطاب دوري؟:
لأن الثقة لا تُبنى بالخطابات الموسمية:
تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الرضا عن أداء الحكومة تراجعت من 25% في نيسان/أبريل 2026 إلى 20% في حزيران/يونيو 2026، في حين ارتفعت نسبة عدم الرضا من 44% إلى 52% في الفترة نفسها.
كما أظهر استطلاع أن 14% فقط من المستجيبين يرون مجلس الشعب الجديد ممثلاً للسوريين.
هذه الأرقام لا تعني أن الحكومة فقدت شرعيتها، لكنها تعني أن الفجوة بينها وبين الشارع تتسع، وأن الخطاب الموسمي لا يكفي لسدها.
لأن الشارع السوري لم يعد يقبل "الخطاب الجاهز":
في ظل النظام السابق، كان الخطاب الرسمي جاهزاً مسبقاً، لا يتغير بتغير الأحداث، ولا يعترف بالمشكلات، وقد أنتج هذا "ثقافة عدم الثقة"، والرئيس الشرع، في خطاباته الأولى، حاول كسر هذه الثقافة، حيث وصف أحد التحليلات خطابه بأنه "بسيط، واضح، نابع من نبض الناس"، لكن هذا الأسلوب لا يكفي إذا لم يكن منتظماً ومكاشفاً.
لأن المرحلة الانتقالية تتطلب "إدارة التوقعات":
المرحلة الانتقالية في سورية تواجه تحديات هائلة: أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر، ومعدل بطالة يتجاوز 50%، و2.45 مليون طفل خارج المدرسة، وتكلفة إعادة إعمار تقدر بـ 216 مليار دولار، هذه الأرقام لا يمكن إخفاؤها، ولا يمكن حلها بين ليلة وضحاها. والخطاب الدوري يمكن أن يكون أداة لإدارة التوقعات، عبر شرح ما يمكن تحقيقه وما لا يمكن تحقيقه، والاعتراف بالعجز حيث يوجد.
أخيرا: السوريون تحملوا ويلات الحرب، وقدموا تضحيات هائلة، وهم لا يطلبون المعجزات، بل يطلبون الصدق.
والخطاب الدوري، إذا كان صادقاً، يمكن أن يكون تعبيراً عن احترامهم، واعترافاً بمعاناتهم، وتعهداً بالعمل من أجلهم. وهو أيضاً أداة لشد أزر الحكومة، لأن المواطن الذي يفهم التحديات يصبح شريكاً في مواجهتها، لا خصماً لها.
إيجابيات الخطاب الدوري وسلبياته:
أولاً: تعزيز الشفافية والمكاشفة، حيث يمكن للرئيس أن يشرح ما تم إنجازه، وما تعطل، ولماذا تعطل، دون الدخول في تفاصيل قد تضر بالأمن القومي. وهذا يقلل من الشائعات والمعلومات المضللة.
ثانياً: بناء الثقة والشرعية. فالحضور المنتظم يخلق علاقة مباشرة بين الرئيس والمواطن، ويجعل الأخير يشعر بأن صوته مسموع، وأن همومه معروفة، وأن الحكومة لا تخيفه.
ثالثاً: إدارة التوقعات وتخفيف الغضب. فالاعتراف بالصعوبات والتأخيرات والأخطاء، بدلاً من تجاهلها، يمكن أن يخفف الغضب الشعبي، لأن المواطن يشعر أن الحكومة لا تكذب عليه.
رابعاً: تعزيز الوحدة الوطنية. الخطاب الموجّه لجميع السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم، يمكن أن يكون أداة لتوحيد الخطاب الوطني، وتجاوز الخطابات الطائفية والمناطقية.
خامساً: تحسين صورة سورية خارجياً. الخطاب الدوري المتلفز يمكن أن يكون أداة دبلوماسية، تُظهر سورية الجديدة ك دولة شفافة ومنفتحة، لا دولة مغلقة ومتكتمة.
أما سلبيات الخطاب الدوري ومخاطره:
أولاً: خطر "الإفراط في التواصل"، الإفراط في الظهور يمكن أن يؤدي إلى "التعب التواصلي"، حيث يفقد الخطاب وزنه وتأثيره، ويصبح روتيناً. والحل ليس إلغاء الخطاب، بل تنظيمه وتنويع محتواه.
ثانياً: خطر تحول الخطاب إلى "دعاية". إذا كان الخطاب أحادياً، ومكتفياً بذكر الإنجازات، ورافضاً للنقد، فإنه يتحول إلى أداة دعائية، لا أداة مكاشفة. والحل هو إرساء آليات تفاعل حقيقية.
ثالثاً: خطر "الانفصال عن الواقع". إذا كان الخطاب معداً بعناية بحيث يخفي الصعوبات ويبالغ في الإنجازات، فإنه يفقد مصداقيته. والحل هو المكاشفة الصادقة، حتى لو كانت مؤلمة.
رابعاً: خطر "التحول إلى مسرح". إذا تحول الخطاب إلى استعراض، وتصفيق، ومدح، فإنه يفقد وظيفته الجوهرية. والحل هو الحفاظ على البساطة، وتجنب المظاهر.
خامساً: خطر "الإرهاق الرئاسي". الخطاب الدوري يتطلب جهداً كبيراً في الإعداد والمتابعة. وإذا لم تكن هناك فريق اتصال محترف، فإن الخطاب قد يصبح عبئاً،
توصيات عملية:
أولاً: إطلاق خطاب دوري (أسبوعي أو نصف شهري) محدد المدة. يُقترح أن يكون خطاباً تلفزيونياً مباشراً، مدته 15-20 دقيقة، يُبث في وقت ثابت (مثلاً مساء الخميس أو الجمعة)، بحيث يصبح موعداً ينتظره السوريون.
ثانياً: تحديد هيكل ثابت للخطاب. يمكن أن يتضمن: ملخصاً لما جرى، شرحاً لقرار حكومي، اعترافاً بصعوبة أو تأخير، ورسالة أمل. هذا الهيكل يجعل الخطاب قابلاً للمتابعة.
ثالثاً: إرساء آليات تفاعل حقيقية. لا يكفي أن يتحدث الرئيس، بل يجب أن يستمع. يمكن إنشاء منصة إلكترونية لتلقي أسئلة المواطنين، واختيار عدد منها للإجابة عنها في الخطاب.
رابعاً: الفصل بين "ما يمكن الإفصاح عنه" و"ما لا يمكن". ليس كل شيء قابلاً للنشر، خاصة في الملفات الأمنية والخارجية. لكن يمكن للرئيس أن يقول: "هناك ملفات لا أستطيع الحديث عنها الآن، لكنني أعدكم بأننا نعمل عليها".
خامساً: إشراك المؤسسات، لا الرئيس وحده. يمكن أن يكون الخطاب منصة لوزراء أو مسؤولين، يشرحون ملفات محددة (الصحة، التعليم، الطاقة)، بدلاً من أن يتحمل الرئيس عبء كل شيء.
سادساً: تقييم الأثر بشكل دوري. يجب قياس مدى تأثير الخطاب على ثقة المواطنين وفهمهم للسياسات، عبر استطلاعات الرأي وتحليلات وسائل التواصل.
خاتمة:
السؤال الذي بدأنا به كان: لماذا لا يكون هناك خطاب تلفزيوني دوري للرئيس الشرع؟ والجواب ليس "لأنه لا يريد"، ولا "لأنه لا يستطيع"، بل "لأننا لم نبنِ بعد ثقافة الحكم المكاشف".
فالخطاب الدوري تعبير عن فلسفة حكم تؤمن بأن الشعب ليس متلقياً، بل شريكاً.
والتجارب التاريخية، من خطبة الجمعة إلى "أحاديث المدفأة"، تُظهر أن الحكام الذين تحدثوا إلى شعوبهم بانتظام كانوا أقرب إلى القلوب، وأكثر قدرة على الصمود في الأزمات.
وسورية، التي تمر بمرحلة انتقالية بالغة التعقيد، تحتاج إلى حُكم يسمع، لا حُكم يخطب فقط. والخطاب الدوري، إذا أُحسن إعداده وتنفيذه، يمكن أن يكون خطوة صغيرة في هذا الاتجاه، لكنها خطوة كبيرة في بناء الثقة بين الدولة والمواطن.
لأن الشعب السوري، الذي تحمل كل شيء، يستحق أن يُكاشَف، لا أن يُخاطَب فقط.