يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ البيان الصادر عن نقابة الصيادلة في سورية، يوم الاثنين 10 آب/أغسطس 2026 والموجه إلى الطلاب الناجحين في امتحانات الشهادة الثانوية، والذي حذّر فيه من تشبع سوق العمل الصيدلاني، ودعا إلى التوجه نحو تخصصات حديثة تتماشى مع احتياجات المستقبل .
وقد ارتأت النقابة، انطلاقاً من مسؤوليتها المهنية والوطنية، إصدار هذا البيان في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع التعليم الصيدلاني، حيث تضاعف عدد الكليات من كلية واحدة عام 1990 إلى 29 كلية حكومية وخاصة اليوم، تخرّج ما بين 6000 و 7000 صيدلاني سنوياً، فيما تشير السجلات الرسمية إلى وجود نحو 71 ألف صيدلاني مسجل، بينما لا يتجاوز عدد الصيدليات 20 ألف صيدلية، مما يعني أن نحو 50٪ من الصيادلة غير مزاولين للمهنة أو خارج البلاد .
يُثمن تيار المستقبل السوري مبادرة نقابة الصيادلة في إصدار هذا البيان التوعوي، ويرى فيه عدة دلالات رئيسية:
أولاً: تيار المستقبل السوري يُسجل أن هذا البيان يُجسّد نقلة نوعية في دور النقابات المهنية، من مجرد هيئات تسجيلية إلى جهات فاعلة في التوجيه الأكاديمي والمهني، كما نرى في هذه المبادرة نموذجاً للشفافية والمسؤولية المجتمعية التي ينبغي أن تسود العمل النقابي في سورية الجديدة.
ثانياً: تيار المستقبل السوري يُشير إلى أن الأرقام التي كشفت عنها النقابة تُبرز حجم الخلل في منظومة التعليم العالي، حيث أدى التوسع الأفقي غير المدروس في استحداث الكليات إلى تخريج أعداد تفوق حاجة السوق بأضعاف، ونرى أن هذا التحذير يجب أن يكون جرس إنذار لمراجعة شاملة لسياسات القبول الجامعي في جميع التخصصات.
ثالثاً: تيار المستقبل السوري يُثمن دعوة النقابة الطلاب إلى التوجه نحو تخصصات المستقبل كالذكاء الاصطناعي، وعلوم الحاسوب، والميكاترونكس، والبرمجيات، معتبراً أن هذه التخصصات تمثل رافعة التنمية في القرن الحادي والعشرين، وأن الاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل سورية.
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن أزمة تشبع سوق العمل الصيدلاني ليست سورية فريدة من نوعها، بل واجهتها دول كثيرة ونجحت في معالجتها من خلال سياسات واستراتيجيات يمكن الاستفادة منها:
- تنظيم أعداد المقبولين في كليات الصيدلة: طبقت بعض الدول، كالمملكة المتحدة وكندا، نظاماً لتحديد أعداد المقبولين في كليات الصيدلة بناءً على احتياجات سوق العمل الفعلية، مما حال دون تخريج أعداد تفوق قدرة السوق على الاستيعاب .
- توسيع مجالات عمل الصيادلة: في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا، لم يعد دور الصيدلي مقتصراً على صرف الدواء، بل توسع ليشمل الرعاية السريرية، وإدارة الأمراض المزمنة، والاستشارات الدوائية المتخصصة، مما فتح آفاقاً جديدة للخريجين .
- الاستثمار في التخصصات الحديثة: في قطر، نظمت كلية الصيدلة برامج تدريب دولي لطلبتها في ماليزيا واسكتلندا ونيوزيلندا، كما عقدت ورشاً متخصصة في توظيف الذكاء الاصطناعي في الممارسة الصيدلانية، تأكيداً على أهمية مواكبة التطورات العالمية .
- التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة: في دول كألمانيا وسنغافورة، تعتمد سياسات التعليم العالي على دراسات دقيقة لاحتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، مع آليات مرنة لتعديل مخرجات التعليم بناءً على هذه الدراسات .
يرى تيار المستقبل السوري أن تحذير النقابة، رغم أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة جذور الأزمة، بل يستوجب معالجة تحديات أعمق وهي:
- غياب التخطيط الاستراتيجي للتعليم العالي، فلا توجد حتى الآن رؤية وطنية واضحة لمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات التنمية، مما يجعل التوسع في بعض التخصصات يتم دون دراسة لاحتياجات السوق.
- ضعف التوجيه الأكاديمي والمهني في المدارس، فالطلاب يقدمون على اختيار تخصصاتهم الجامعية دون وعي كافٍ بمتطلبات سوق العمل، أو بفرص التخصصات الحديثة، مما يستوجب إصلاحاً جذرياً في منظومة التوجيه المدرسي.
- محدودية التخصصات التطبيقية في سورية، فرغم دعوة النقابة إلى التخصصات الحديثة، تبقى هذه التخصصات محدودة الانتشار في الجامعات السورية، وتفتقر إلى البنى التحتية والكوادر المؤهلة، مما يحد من قدرة الطلاب على الاستجابة لهذه الدعوة.
- الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات القبول الجامعي، فالوضع في الصيدلة ليس استثناءً، بل يعكس أزمة أوسع تشمل تخصصات طبية وهندسية وإنسانية أخرى، تتطلب مراجعة وطنية شاملة .
انطلاقاً من مسؤوليته العلمية والوطنية في متابعة ملفات التعليم العالي، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- إنشاء هيئة وطنية للتخطيط الاستراتيجي للتعليم العالي تكون مسؤولة عن تحديد احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية بالتنسيق مع جميع الوزارات والقطاعات، ووضع سياسات قبول جامعية مرنة تتكيف مع هذه الاحتياجات، على غرار النماذج الألمانية والسنغافورية.
- تحديث التخصصات الجامعية ومواءمتها مع متطلبات العصر من خلال إدخال تخصصات جديدة كالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والهندسة الطبية الحيوية، مع تطوير المناهج الحالية لتشمل المهارات الرقمية والتحليلية التي تزداد الحاجة إليها يومًا بعد يوم .
- إطلاق حملة وطنية للتوجيه الأكاديمي والمهني تستهدف طلاب المرحلة الثانوية، بالتعاون مع النقابات المهنية والجامعات والقطاع الخاص، لتزويدهم بمعلومات دقيقة عن سوق العمل والتخصصات الواعدة، ومساعدتهم في اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مستقبلهم الأكاديمي والمهني .
- تطوير برامج الدراسات العليا والتخصصات التطبيقية في كليات الصيدلة والقطاعات الأخرى، لتوسيع مجالات عمل الخريجين، وتشجيعهم على التوجه إلى مجالات البحث العلمي، والصناعات الدوائية، والرعاية السريرية المتخصصة، والصحة الرقمية .
- تشجيع الاستثمار في التعليم التقني والمهني: في التخصصات الحديثة، بالتنسيق مع القطاع الخاص، لضمان تخريج كوادر مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل الفعلية، مع ربط مخرجات التعليم التقني بمتطلبات التنمية الوطنية.
يُثمن تيار المستقبل السوري مبادرة نقابة الصيادلة في إصدار هذا البيان التوعوي، ويرى فيها نموذجاً يحتذى به للنقابات المهنية الأخرى، ورسالة مهمة للطلاب وأسرهم بضرورة التفكير المستقبلي في اختيار التخصصات الجامعية.
ويُذكّر بأن التعليم هو أساس بناء الدولة الحديثة، وأن الاستثمار في التعليم النوعي والموجه هو الضامن الوحيد لتحقيق التنمية المستدامة وبناء سورية الجديدة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن النهضة العلمية لا تتحقق بكثرة الخريجين، بل بنوعية التعليم ومواءمته مع احتياجات التنمية، وقدرة الخريجين على الابتكار والإبداع والمنافسة في سوق العمل المحلية والعالمية.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز جودة التعليم العالي ومواءمته مع سوق العمل، ناقداً لكل ما يعيق تحقيق العدالة الأكاديمية والفرص المتكافئة للجميع، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي يكون فيها العلم والمعرفة في صدارة الاهتمام، وتكون تخصصاتها الأكاديمية بوابة للتنمية والازدهار.