يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ الإعلان الصادر عن وزارة الخارجية والمغتربين، يوم الأحد 09-08-2026 م، والمتضمن التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الجانب الروسي، بعد نحو عام ونصف من المفاوضات المكثفة، بشأن إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري.
وتنص المذكرة، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) ووسائل إعلام دولية، على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، وإدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية .
أما القواعد والمنشآت العسكرية، فقد اتفق الطرفان على إعادة صياغة وظيفتها، وتحويلها إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، مع تحديد سقف زمني لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل.
وتزامن هذا الإعلان مع تسلم الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، اليوم، مطار اللاذقية الدولي، في خطوة وصفتها الهيئة بأنها "تمثل خطوة مهمة ضمن مسار استعادة وتشغيل المطارات السورية وإعادتها إلى منظومة الطيران المدني الوطني".
يُثمن تيار المستقبل السوري الجهود الدبلوماسية التي قادتها وزارة الخارجية، ويرى في هذه المذكرة ثلاث دلالات رئيسية:
أولاً: استعادة السيادة تدريجياً، حيث نُسجل أن هذه الخطوة تُجسّد تحولاً في طبيعة الوجود العسكري الأجنبي على الأراضي السورية، من قواعد عسكرية ذات طابع دائم إلى مراكز تدريب مشتركة تخضع لترتيبات جديدة، مع إعادة المنشآت المدنية إلى إدارة الدولة السورية.
وهذا ينسجم مع رؤيتنا في ضرورة استعادة الدولة لسيادتها الكاملة على كامل أراضيها ومؤسساتها.
ثانياً: التوازن في العلاقات الدولية، نشير هنا إلى أن المذكرة تعكس منهجية الدولة السورية في إدارة علاقاتها الخارجية، القائمة على التوازن والمصالح المتبادلة، دون رهان على حساب آخر.
فقد استمرت المفاوضات نحو عام ونصف، مما يدل على حرص الجانبين على الوصول إلى صيغة تراعي المصالح المشتركة .
وبدورنا، نرى في هذا النهج مؤشراً على نضج في التعامل الدبلوماسي مع الملفات الشائكة.
ثالثاً: أولوية إعادة الإعمار وتشغيل المرافق الحيوية، إذ نؤيد وندعم الإسراع في تسلم مطار اللاذقية الدولي، والذي كان مرتبطاً عملياً بالوجود العسكري الروسي منذ عام 2015، مما قلص دوره كمطار مدني .
فإعادة تشغيله واستقبال الرحلات الجوية سيكون له أثر إيجابي على الحركة التجارية والسياحية، ويعزز جهود إعادة الإعمار، أسوة بتأكيد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني على بدء التقييم الفني والتشغيلي تمهيداً لإعادة التأهيل .
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أولوية استعادة السيادة الوطنية وبناء علاقات دولية متوازنة:
- بيان "استئناف سورية مشاركتها في منظمة الجمارك العالمية" (بتاريخ 27 حزيران/يونيو 2026): شدد على أن عودة سورية إلى المحافل الدولية تعزز فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتُسهم في إعادة بناء علاقاتها الخارجية على أسس جديدة.
- دراسة "زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى روسيا: دلالات جيوسياسية واقتصادية نحو إعادة بناء سورية" (بتاريخ 16/ تشرين الأول/ اكتوبر 2025): حيث حذرت الدراسة من أن نجاح الزيارة الرئاسية تحتاج إلى إدارة دقيقة لتجنب الاعتماد الزائد على موسكو، خاصة في ظل مخاطر التنازلات السياسية التي قد تهدد السيادة السورية.
يرى تيار المستقبل السوري أن تنفيذ المذكرة، رغم أهميتها، يواجه تحديات ويفتح آفاقاً تستوجب المتابعة:
- التزام الجانبين بالجدول الزمني: فالمدة الزمنية المحددة بثلاثة أشهر تمثل اختباراً لجدية التنفيذ، وتتطلب آليات متابعة واضحة لضمان التحول الفعلي للمنشآت العسكرية إلى مراكز مدنية أو تدريبية مشتركة.
- ضمان الشفافية في إدارة المنشآت المستعادة: فإعادة مطار حميميم والرصيف التجاري إلى الإدارة المدنية يجب أن ترافقه إجراءات تضمن كفاءة التشغيل، ومكافحة أي فساد، واستثمار هذه المرافق في خدمة التنمية الوطنية.
- فرصة لإعادة هيكلة القطاع اللوجستي: فاستعادة ميناء طرطوس بمرفقه التجاري تفتح الباب أمام تطوير البنية التحتية للموانئ السورية، وزيادة قدرتها الاستيعابية، بما يسهم في تنشيط حركة التجارة والاستيراد والتصدير.
- الآثار على العلاقة مع روسيا: فتحويل القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة يفتح أفقاً جديداً للتعاون في مجالات الأمن والدفاع، مع الحفاظ على الاستقلالية السورية في القرار الوطني.
وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في مراقبة مسار بناء الدولة، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- الإسراع في تنفيذ بنود المذكرة، مع وضع خطة تنفيذية واضحة، وجداول زمنية دقيقة، وآليات رقابية لمتابعة التحول الفعلي للمنشآت العسكرية إلى مراكز مدنية وتدريبية، والتأكد من التزام الطرفين بالمهلة المحددة بثلاثة أشهر.
- إطلاق خطة شاملة لتطوير مطار اللاذقية وميناء طرطوس، بالاستفادة من عودتهما للإدارة السورية، وتأهيلهما وفق المعايير الدولية، ليكونَا بوابة رئيسية للتواصل التجاري والاستثماري مع العالم.
- تعزيز الشفافية في إدارة المرافق المستعادة، عبر نشر تقارير دورية عن عمليات التشغيل والإيرادات، وإتاحة المعلومات للرأي العام، أسوة بالتزام الجهات الحكومية بالكشف عن نتائج المشاريع الحيوية.
- البناء على الزخم الدبلوماسي، لتعزيز علاقات سورية مع مختلف الدول، بما يحقق المصالح الوطنية، ويُسهم في جذب الاستثمارات ودعم جهود إعادة الإعمار، مع الحفاظ على استقلالية القرار السوري.
يُثمن تيار المستقبل السوري هذه الخطوة الدبلوماسية المهمة، التي تعكس قدرة الدولة السورية على إدارة ملفاتها المعقدة بحنكة، واستعادة سيادتها تدريجياً على منشآتها الحيوية.
ويُذكّر بأن استعادة المطارات والموانئ وإعادة تشغيلها هي جزء من بناء سورية الجديدة، القائمة على السيادة والكرامة، والمفتوحة على العالم بثقة وتوازن.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن نجاح هذه المذكرة لن يُقاس فقط بتحويل القواعد العسكرية، بل بقدرتها على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين، من خلال تحسين الخدمات، وتنشيط الاقتصاد، وخلق فرص العمل.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز استعادة السيادة وبناء الدولة، ناقداً لكل ما يعيق تحقيق العدالة والتنمية، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية الجديدة التي تسود فيها السيادة الكاملة، وتُدار فيها مؤسساتها
بكفاءة وشفافية.