تابع تيار المستقبل السوري باهتمام فكري وسياسي عميق حلول اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم، والذي يحتفل به المجتمع الدولي في التاسع من آب/أغسطس من كل عام.
وتعود البداية التاريخية لهذا اليوم إلى عام 1982، تخليداً لعقد أول اجتماع لفريق عمل الأمم المتحدة المعني بالسكان الأصليين، قبل أن تعتمده الجمعية العامة رسمياً بموجب القرار رقم (49/214) في ديسمبر 1994.
إننا في تيار المستقبل السوري ننظر إلى هذه المناسبة كوقفة فلسفية قيمية تسائل مفهوم "الأصالة البشريّة" وعلاقة الإنسان بالأرض والتاريخ، ومحطة جوهرية لإعادة قراءة واقع التعددية الثقافية والاجتماعية في سورية وهي تخوض غمار مرحلتها الانتقالية الحساسة نحو الاستقرار والبناء الشامل والمستدام.
يرى تيار المستقبل السوري أن الاحتفاء بهذا اليوم يقوم على ركائز قيمية وفلسفية كبرى تتجاوز الحدود الجغرافية:
- قيمة التجذر وحفظ الذاكرة: فالشعوب الأصلية تمثل الوعاء المعرفي الحي للتاريخ الإنساني، والعلاقة المتناغمة بين الكائن وبيئته.
- التنوع الإنساني كضرورة وجودية: إن حماية الخصوصيات الثقافية واللغوية هي صمام الأمان ضد الأحادية الفكرية والسياسية الهادفة لصهر المجتمعات قسرياً.
- العدالة الكونية والإنصاف: الالتزام بتمكين المجتمعات المحلية والدفاع عن حقوقها غير القابلة للتصرف في تقرير مصيرها الثقافي والاجتماعي.
تستند رؤيتنا في تيار المستقبل السوري إلى أحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية لعام 2026، والتي تكشف عن فجوة بنيوية تتطلب يقظة الضمير العالمي:
- الديموغرافيا والتنوع: يوجد ما يقارب 476 مليون نسمة من السكان الأصليين ينتشرون في 90 دولة، ويمثلون أكثر من 5000 مجموعة ثقافية فريدة.
- التحدي اللغوي: يتحدث هؤلاء السكان بالغالبية العظمى من لغات العالم المقدرة بـ 7000 لغة، مما يجعلهم الحارس الأكبر للتنوع غير المادي للبشرية.
- مؤشرات الهشاشة: على الرغم من أنهم يشكلون حوالي 6.2% فقط من سكان العالم، إلا أنهم يمثلون بطريقة صادمة ما يقارب 15% من أفقر سكان الأرض، وهم أكثر عرضة بثلاث مرات للمرور بتجارب الفقر المدقع مقارنة بغيرهم.
- الحق في الحياة: تشير تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2026 إلى أن متوسط العمر المتوقع للسكان الأصليين يقل بنحو 20 عاماً في بعض المناطق مقارنة بالمتوسطات الوطنية، نتيجة ضعف الرعاية الطبية والتهميش التنموي.
إن تيار المستقبل السوري، ومن منطلق مسؤوليته الوطنية ونظرته المستقبلية لـ سورية الجديدة، يربط قيم هذا اليوم الدولي مباشرة بالسياق السوري الراهن:
- التعددية السورية أصالة وتجذر: إن الهوية السورية ليست قالباً مصمتاً، بل هي نسيج تراكمي وحضاري فريد صاغته هويات فرعية وثقافات أصيلة متعايشة على هذه الأرض منذ آلاف السنين (من عرب وكرد وسريان وآشور وتركمان وشركس وأرمن وغيرهم).
- تحديات المرحلة الانتقالية: إن الانتقال السياسي والمجتمعي في سورية يتطلب بالضرورة مغادرة سياسات التهميش والتعريب القسري أو الإقصاء الثقافي، والاعتراف الدستوري الواضح بالتنوع كعامل قوة وطني وليس كمهدد للوحدة.
- المستقبل القائم على المواطنة الحاضنة: لا يمكن بناء عقد اجتماعي سوري مستدام دون تصفير النزاعات الإثنية والمناطقية، وتحقيق العدالة التوزيعية في التنمية، وضمان تكافؤ الفرص في إدارة الشأن العام.
وبناءً على هذه القراءة يتقدم تيار المستقبل السوري بالتوصيات والمبادئ التوجيهية التالية:
- دسترة التنوع: نوصي بأن يضمن الدستور السوري القادم في مرحلة الاستقرار النهائي اعترافاً كاملاً بالتعددية الثقافية واللغوية، وحماية حقوق كافة المكونات الأصيلة في ممارسة خصوصيتها الثقافية والتعليمية.
- إدماج المعايير الدولية: ضرورة مواءمة القوانين المحلية السورية المستقبلية مع إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية (UNDRIP)، لضمان حماية الملكيات الثقافية والمادية للمكونات المحلية.
- التنمية المتوازنة والمستدامة: توجيه خطط إعادة الإعمار والمشاريع التنموية بشكل عادل ومكافئ للمناطق والأقاليم السورية كافة، لاسيما تلك التي عانت من التهميش التاريخي أو التدمير الممنهج خلال سنوات الحرب.
- تحديث البيانات الإحصائية الوطنية: نطالب الهيئات الدولية والوطنية المعنية بالمرحلة الانتقالية بتبني آليات حديثة لجمع البيانات الديمقراطية المفصلة والمفككة، لإنهاء حالة "الغياب الإحصائي" للمكونات المجتمعية وضمان التخطيط التنموي السليم.
- التعليم الحاضن للتعدد: إصلاح المناهج التربوية والتعليمية في سورية المستقبل لتشمل قيم التسامح، والتعريف بالثقافات واللغات المحلية المتنوعة، واعتبارها إرثاً وطنياً مشتركاً لكل السوريين.