تمهيد:
أرسى الإسلام للمرأة أهلية تامة وحقاً كاملاً غير مقيدٍ بأيّ قيد، عدا ما حرم الله ورسوله، وجعلها شريكة الرجل في بناء المجتمع، وهو ما كرسه دستور الجمهورية العربية السورية في المادة 45 منه، حيث تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع.
في هذا السياق، ومع دخول سورية مرحلة جديدة من بناء الدولة ومؤسساتها، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة المنظومة التشريعية، ولا سيما قانون الأحوال الشخصية، لضمان مواكبتها لمتطلبات العصر وتحقيق العدالة بين الزوجين.
فقانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953، رغم تعديلاته اللاحقة، لا يزال يضم نصوصاً تحتاج إلى إعادة نظر، وعلى رأسها المادة 117 المتعلقة بالطلاق التعسفي، والتي تشكل نموذجاً لثغرة تشريعية تخل بالتوازن بين حقوق الزوجين، وتناقض روح الشريعة الإسلامية التي أحاطت المرأة بالرعاية والكرامة.
الإطار التشريعي للطلاق التعسفي في القانون السوري:
الطلاق في القانون السوري نوعان: طلاق رجعي (وهو الأول أو الثاني، ويحق للزوج خلال فترة العدة إرجاع زوجته دون عقد جديد).
وطلاق بائن (يقع عند انتهاء عدة الطلاق الرجعي دون رجعة، أو عند إيقاع الطلقة الثالثة).
وفي إطار تنظيم حق الزوج في الطلاق، نصت المادة 117 من قانون الأحوال الشخصية على تعويض للزوجة إذا طلقها زوجها بشكل تعسفي.
لكن النص الأصلي للمادة – قبل تعديل عام 2019 – كان يحمل شروطاً مجحفة، تمثلت في:
أولاً: شرط البؤس والفاقة، كان النص يشترط أن يصيب الزوجة "بؤس وفاقة" جراء الطلاق التعسفي، وهو شرط يصعب إثباته، وينتفي بمجرد لجوء الزوجة إلى ذويها أو حصولها على عمل، مما يحرمها من حقها المشروع في التعويض حتى لو لحقها ضرر معنوي ونفسي بالغ.
ثانياً: تقدير النفقة بثلاث سنوات، ترك المشرع أمر تقدير النفقة للقاضي بسلطته التقديرية، بحيث لا تتجاوز نفقة ثلاث سنوات، مع الأخذ بعين الاعتبار حال الزوج يسراً وعسراً، وهو مبلغ لا يتناسب مع واقع الحياة ومتطلباتها المتصاعدة.
ثالثاً: الإجراءات القضائية المطولة، تواجه المطلقات سلسلة من الإجراءات الطويلة والمماطلات وحالات الإكراه التي يستخدمها الزوج للتخلص من التعويض، مما يزيد من معاناتهن النفسية والمادية.
التعديل التشريعي لعام 2019 وإشكالياته:
شكل صدور القانون رقم 4 لعام 2019 نقلة نوعية في مفهوم التعويض عن الطلاق التعسفي، حيث حوله من "معونة اجتماعية" مشروطة بالفقر إلى "حق قانوني ملزم".
وجاء التعديل ليلغي شرط "البؤس والفاقة" المجحف، وأصبح التعويض يعتمد على "نظرية المسؤولية التقصيرية"، حيث تستحق الزوجة التعويض متى ثبت التعسف، بغض النظر عن وضعها المالي.
وتنص المادة 117 بعد التعديل على أنه "إذا طلق الرجل زوجته وتبين للقاضي أن الزوج متعسف في طلاقها دون ما سبب معقول … استحقت تعويضاً بما لا يتجاوز نفقة ثلاث سنوات لأمثالها".
ورغم هذا التقدم التشريعي، تبقى ثغرات تحتاج إلى معالجة:
- استمرار التقييد بسقف ثلاث سنوات، وهو مبلغ لا يتناسب مع حجم الضرر المعنوي والنفسي الذي تلحقه المطلقة، ولا مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
- ترك السلطة التقديرية للقاضي دون معايير واضحة، مما قد يؤدي إلى تباين في الأحكام.
- غياب النصوص التي تردع الزوج عن المماطلة في تنفيذ أحكام التعويض. واقع الطلاق في سورية بالأرقام:
تكشف الإحصاءات – والتي غالبها يعتمد على دراسة ميدانية من الكاتبة- عن أزمة اجتماعية متفاقمة تجعل من تعديل المادة 117 ضرورة ملحة:
تحتل سورية المرتبة السابعة عربياً في معدلات الطلاق لعام 2024.
نحو 40% من حالات الزواج في سورية تنتهي بالطلاق.
ارتفعت معدلات الطلاق في سورية بنسبة قد تصل إلى 35% خلال السنوات الخمس الماضية.
خلال النصف الأول من عام 2026، سُجلت 416 حالة طلاق و1358 حالة مخالعة، مما يعكس لجوء عدد أكبر من الأسر إلى إنهاء العلاقة الزوجية.
تشير إحصاءات المكتب المركزي إلى أن 24,710 من أصل 30,284 حالة طلاق هي لرجال أكبر سناً كثيراً من زوجاتهم، أي بنسبة 81.59%.
60% من الشباب يعزفون عن الزواج بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة والمهور المرتفعة.
هذه الأرقام تعكس واقعاً مقلقاً، وتؤكد الحاجة إلى تشريعات تحمي الأسرة من التفكك، وتضمن للنساء حقوقهن في حال وقوع الطلاق.
الطلاق التعسفي في ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي:
في الشريعة الإسلامية:
لم تترك الشريعة الإسلامية المرأة فريسة للتعسف، بل أحاطتها بحماية شاملة في حال الطلاق.
فالقرآن الكريم أمر بالمعاشرة بالمعروف، وأوجب للنساء "متعاً" عند الطلاق، قال تعالى: "وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ" (البقرة: 241).
وهذا المتاع ليس منة من الزوج، بل حق شرعي وجب لإكرام المطلقة وجبراً لخاطرها.
كما أن الشريعة حرمت العبث بعقد الزواج الذي جعله الله "ميثاقاً غليظاً"، فلا يجوز أن يكون الطلاق ألعوبة في أيدي العابثين، ومستقبل الأسر والأولاد لا يجوز أن يكون رهينة لإرادة رجل عابث.
إن التعويض عن الطلاق التعسفي هو تجسيد لمبدأ "الضرر يزال" و"لا ضرر ولا ضرار"، وهو حق مشروع مبني على فعل الطلاق دون سبب، وليس على حالة الفقر.
في القانون الوضعي:
يستند التعويض عن الطلاق التعسفي في القانون السوري إلى نظرية المسؤولية التقصيرية، التي تقوم على أن كل من تسبب بضرر للآخر يلتزم بتعويضه.
فالطلاق بإرادة منفردة دون سبب معقول يشكل إضراراً بالزوجة، يستوجب جبراً مادياً ومعنوياً، بغض النظر عن حالتها المالية.
كما أن الفلسفة القانونية الحديثة تتجه نحو حماية "حق الشخص في الاستقرار العائلي" كحق أساسي من حقوق الإنسان، لا يجوز المساس به دون مبرر مشروع.
التحديات العملية في تطبيق المادة 117:
رغم التعديل التشريعي لعام 2019، يواجه تطبيق المادة 117 تحديات عدة:
أولاً: صعوبة إثبات التعسف، يبقى "السبب المعقول" مفهوماً مرناً يخضع لتقدير القاضي، مما قد يؤدي إلى تباين في الأحكام.
ثانياً: تعقيدات إثبات البؤس والفاقة في النص القديم.ط، رغم إلغاء هذا الشرط في التعديل، إلا أن بعض الممارسات القضائية قد تظل متأثرة به.
ثالثاً: الإجراءات القضائية الطويلة.ط، تعاني المطلقات من بطء التقاضي، مما يزيد من معاناتهن النفسية والمادية، ويشجّع الأزواج على المماطلة.
رابعاً: ضعف الوعي القانوني، تفتقر الكثير من النساء إلى المعرفة بحقوقهن القانونية، مما يحرمهن من المطالبة بالتعويض المستحق.
رؤية مستقبلية لتعديل المادة 117:
انطلاقاً من ضرورة حماية الأسرة السورية وضمان استقرارها، ومن منطلق واجبنا الوطني في بناء دولة القانون والمؤسسات، نقترح التعديلات التالية على المادة 117:
أولاً: إلغاء سقف الثلاث سنوات، يجب أن يكون التعويض متناسباً مع حجم الضرر الفعلي، دون تقييده بسقف زمني جامد، مع الأخذ بعين الاعتبار مدة الزواج، وعمر الزوجة، وظروفها الاجتماعية والصحية.
ثانياً: جعل التعويض حقاً وجوبياً، متى ثبت التعسف، تستحق الزوجة التعويض تلقائياً، دون حاجة إلى إثبات ضرر إضافي، أسوة بما نصت عليه المادة المعدلة.
ثالثاً: وضع معايير واضحة لتقدير التعويض، تحديد ضوابط موضوعية للقضاة، تشمل مدة الزواج، عدد الأطفال، عمر الزوجة، ومستوى المعيشة أثناء الزواج.
رابعاً: تسريع النظر في دعاوى النفقة، إصدار تشريعات تلزم المحاكم بالفصل في دعاوى النفقة خلال مدة محددة، حفاظاً على كرامة المرأة التي أحاطها الإسلام بها.
خامساً: تشديد العقوبات على المماطلة، فرض غرامات تأخير على الأزواج الذين يماطلون في تنفيذ أحكام التعويض، لحماية حقوق المطلقات.
سادساً: إطلاق حملات توعية قانونية، تعريف النساء بحقوقهن في التعويض عن الطلاق التعسفي، وآليات المطالبة به.
خاتمة:
إن الزواج عقد جعله الله "ميثاقاً غليظاً"، لا يجوز أن يكون ألعوبة في أيدي العابثين، ومستقبل الأسر والأولاد لا يجوز أن يكون رهينة لإرادة رجل متعسف.
والمرأة التي تنفق شبابها ومالها في بناء أسرتها، ثم تُطلق بلا سبب معقول، لا تستحق أن تترك فريسة للفقر أو للإجراءات البيروقراطية المعقدة.
التعديلات التي طرأت على المادة 117 عام 2019 كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها غير كافية.
آن الأوان لإعادة النظر في هذا النص، ليكون جابراً للضرر الحقيقي، وحامياً للأسرة من التفكك، ومؤسساً لثقافة قانونية تحترم كرامة المرأة وتصون حقوقها، تماشياً مع روح الشريعة الإسلامية ومع تطلعات الشعب السوري في بناء دولة القانون والمؤسسات.
فالضرر يزول، والعدل أساس الملك، وحماية الأسرة هي حماية للمجتمع بأسره.