وقفة احتجاجية لأئمة إدلب

يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغٍ ما قام به أئمة المساجد والخطباء والمؤذنون في مدينة إدلب، من وقفة احتجاجية سلمية طالبوا خلالها بتثبيتهم على رأس عملهم، وتحسين رواتبهم، أسوةً بباقي العاملين في مؤسسات الدولة.

وتيار المستقبل السوري إذ يُقدّر عالياً هذه المبادرة الوطنية المحترمة، يعتبرها حقاً مشروعاً وتعبيراً سلمياً عن مطلب عادل.
كما نرى أن هذه الوقفة هي صرخة وعي ورسالة عميقة تُذكّر الجميع بالدور المحوري الذي يلعبه الإمام والخطيب في صيانة النسيج الاجتماعي وبناء الإنسان.

أولاً، التأصيل النظري – الأئمة والخطباء كركيزة لرأس المال الاجتماعي:

لا يمكن النظر إلى مطالب الأئمة بمعزل عن الدور العظيم الذي ينهضون به، فالمسجد ليس مجرد بناء للعبادة، بل هو مؤسسة مجتمعية متكاملة، والإمام هو قطب هذه المؤسسة، وهو شريك أساسي في بناء ما يُعرف في الأدبيات الاجتماعية بـ "رأس المال الاجتماعي"، أي ذلك المخزون من الثقة والتعاون والأعراف المشتركة التي تماسك المجتمع.
وفي سياقٍ سوريٍ تآكل فيه رأس المال الاجتماعي لعقود من الاستبداد والحرب، يصبح دور الأئمة أكثر حيوية من أي وقت مضى، حيث نرئ أنهم الجسر الذي يعيد بناء الثقة بين الناس، والمرجع الذي يحتضن الفرد في محنته، والمنصة التي تنشر قيم التسامح والتعايش.
وهذا الدور النبيل يتطلب تكريماً يليق به، ولا يمكن أن يستمر في ظل أوضاع معيشية هشة.

ثانياً، واقع الأئمة بين الأرقام والمعاناة:

ترسم الأرقام المتاحة (ومعظمها غير رسمي للأسف) صورة واضحة عن حجم التحدي الذي يواجهه العاملون في الحقل الديني:

  • حجم المسؤولية: يُقدّر عدد المساجد في سورية بـ 13,759 مسجداً، موزعة على كافة المحافظات، وهذا العدد الهائل من دور العبادة يحتاج إلى آلاف الأئمة والخطباء والمؤذنين لإدارة شؤونها ورعاية روادها.
  • حجم الدمار: الحرب التي أشعلها النظام البائد لم تستثنِ دور العبادة، إذ تضرر 1,618 مسجداً بشكل مباشر، واستشهد ما لا يقل عن 48 إماماً وخطيباً حتى عام 2013، مما يظهر حجم الخسارة البشرية والمادية في هذا القطاع.
  • المعاناة المعيشية: تشير التصريحات الرسمية إلى أن رواتب الأئمة والخطباء لا تزال غير كافية، حيث يتراوح الحد الأدنى لأجورهم حول 100 دولار أمريكي شهرياً، وهو مبلغ لا يتناسب مع حجم الأعباء المعيشية ولا مع الدور الرسالي الذي يقومون به.

ورغم بعض القرارات الحكومية بزيادة الرواتب بنسبة 200%، إلا أن الفجوة ما زالت كبيرة، حيث أن الزيادة طالت الفئات "المنضمة" بشكل أساسي، مما قد يفسر استمرار المطالبات بتثبيت الأوضاع وتحسينها.

ثالثاً، الموقف المبدئي:
انطلاقاً من هذه المعطيات، ووفقاً لمنهجية تيار المستقبل السوري القائمة على "دعم الحلول الوطنية دون تأييد مطلق، ونقد ما يهدد مسار بناء الدولة دون معاداة"، يؤكد على ما يلي:

  1. الإشادة بالرسالة، والتفهم للمطالب: نُثمّن عالياً وعي أئمة وخطباء إدلب في التعبير عن مطالبهم بالوسائل السلمية والمشروعة، ونؤكد تضامننا الكامل معهم في مطالبتهم العادلة بتحسين أوضاعهم المعيشية والوظيفية.
  2. المطالبة بمراجعة شاملة لأجور العاملين في الحقل الديني: ندعو وزارة الأوقاف إلى الإسراع في تنفيذ الوعود الرسمية بزيادة الرواتب، ووضع خطة واضحة لتوحيد وتثبيت رواتب جميع العاملين في المساجد، بما في ذلك الفئات "غير المنضمة"، أسوةً بباقي مؤسسات الدولة.
  3. تثبيت الأئمة كحجر أساس في بناء الدولة: نؤكد على أن تثبيت الأئمة والخطباء على رأس عملهم لا يُعدّ رفاهية، بل هو استثمار في الاستقرار المجتمعي، فالإمام المطمئن على معيشته هو إمام قادر على العطاء والتوجيه وبناء الإنسان.

يُجدد تيار المستقبل السوري دعوته إلى الالتفات إلى هذه الشريحة المهمة من المجتمع، التي حملت على عاتقها أمانة التوجيه والإصلاح.
فلا تكتمل العدالة الاجتماعية دون إنصاف من يقفون في صفوف الدفاع الأولى عن الفكر والوعي.
ونرى أن الاستثمار في الأئمة هو استثمار في مستقبل سورية الأخلاقي والروحي، وهو جزء لا يتجزأ من بناء الدولة التي ننشدها جميعاً.

شاركها على:

اقرأ أيضا

قراءة في كتاب: بدأت في دمشق: كيف أعادت الثورة السورية الطويلة تشكيل عالمنا

تعرف على كيف أعادت الثورة السورية تشكيل حياتنا من خلال قراءة كتاب: بدأت في دمشق للكاتبة ريم علاف.

21 يوليو 2026

إدارة الموقع

توقيع مذكرة تفاهم مع برنامج الأغذية العالمي

مذكرة تفاهم مع برنامج الأغذية العالمي تسهم في تعزيز تعافي قطاع الحبوب في سورية وتؤكد التعاون الدولي.

21 يوليو 2026

إدارة الموقع