يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ التحذير الذي أصدره مركز أمن المعلومات التابع للهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات (NAITS)، يوم الجمعة 10 تموز/يوليو 2026، بشأن انتشار إعلانات وروابط احتيالية عبر منصات التواصل الاجتماعي، تروّج لأرباح وهمية بهدف سرقة البيانات والأموال.
وتيار المستقبل السوري إذ يُثمّن هذه اليقظة المؤسسية، فإنه يضع هذا التحذير في سياقه النظري والاقتصادي الأوسع، بوصفه تجسيداً لصراع دائم بين بناء الثقة في الفضاء الرقمي وآليات استغلالها، وبوصفه اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية مواطنيها في عصر التحول الرقمي.
أولاً: يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن ظاهرة الروابط الاحتيالية هي أزمة ثقة وخلل في العلاقة بين الفرد والمؤسسة في الفضاء الرقمي، تعكس حالة من "الخطر الأخلاقي" الناتجة عن الفجوة المعرفية بين المواطن والمنظومة التقنية، وما يرتبط بها من "إخفاق سوقي" يستند إلى عدم تماثل المعلومات.
ويُحلل تيار المستقبل السوري هذه الظاهرة في ضوء نظريات الاقتصاد المعلوماتي، حيث يُمثل الاحتيال الرقمي شكلاً متطوراً من "الإخفاق السوقي"، يستند إلى عدم تماثل المعلومات بين المحتال والضحية.
فالمحتالون يمتلكون معرفة متقدمة بآليات الهندسة الاجتماعية ونقاط الضعف النفسية، بينما يفتقر المواطن العادي إلى الأدوات المعرفية والتقنية اللازمة لتمييز العروض الوهمية من الفرص الحقيقية.
كما ونُذكر بأن الفضاء الرقمي، رغم كونه فضاءً للحرية والانفتاح، يظل أرضاً خصبة لاستغلال هذه الفجوة المعرفية، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تدفع البعض للبحث عن منفذ سريع من عنق الزجاجة المعيشي.
وقد أشارت بيانات شركة كاسبرسكي إلى أن مستخدمي منطقة الشرق الأوسط نقروا على أكثر من 47 مليون رابط تصيد احتيالي خلال عام واحد (بين نوفمبر 2024 وأكتوبر 2025)، تم اكتشافها وحظرها جميعاً بواسطة حلول كاسبرسكي الأمنية.
كما أشارت البيانات إلى أن 88.5% من هجمات التصيد الاحتيالي تهدف إلى سرقة بيانات الدخول، وأن الصفحات المزيفة للمتاجر الإلكترونية استحوذت على 48.5% من مشهد التصيد المالي في الشرق الأوسط خلال عام 2025، تلتها الصفحات المزيفة للمصارف بنسبة 26.1%.
ثانياً: يُشدّد تيار المستقبل السوري على أن حماية البيانات المصرفية هي ركيزة أساسية لبناء الثقة في الاقتصاد الرقمي، وشرط ضروري لنجاح أي مسار للتحول المالي والمصرفي، وأن الإخلال بهذه الحماية يُهدد مصداقية المؤسسات المالية برمتها، ويُعيق جهود الشمول المالي.
كما يُلفت تيار المستقبل السوري الانتباه إلى أن الخسائر الناجمة عن الهجمات الإلكترونية على المستوى العالمي تُشكّل تحدياً اقتصادياً جسماً.
فوفقاً لتقديرات شركة الأبحاث Cybersecurity Ventures، بلغت الخسائر العالمية الناجمة عن الجرائم الإلكترونية نحو 9.5 تريليون دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 10.5 تريليون دولار في عام 2025، وهو رقم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لمعظم الاقتصادات الكبرى.
وفي هذا السياق، تُشكّل هجمات التصيد الاحتيالي تهديداً مباشراً للشمول المالي، إذ تُضعف ثقة المواطنين في استخدام الخدمات المصرفية الرقمية، وتُعيق جهود الدولة في تحديث القطاع المالي.
وتيار المستقبل السوري يُشدّد على أن نجاح التحول الرقمي في سورية يتوقف على قدرة الدولة على توفير بيئة رقمية آمنة، تحمي المواطنين من مخاطر الاحتيال، وتُعزز ثقتهم في المؤسسات المالية.
ثالثاً: يستذكر تيار المستقبل السوري مواقفه الثابتة الداعمة للتحول الرقمي وحماية الحقوق الرقمية، والمنشورة على موقعه الرسمي، ومنها:
- بيان "افتتاح مركز "النافذة الواحدة" في مرفأ اللاذقية" (بتاريخ 11 تموز/يوليو 2026)، حيث شدد على أن التحول الرقمي يتطلب بنية تحتية تقنية متطورة، وآليات رقابية شفافة، واستثماراً في الكوادر البشرية، وهو ما ينطبق أيضاً على ضرورة حماية البيانات المصرفية.
- بيان "إطلاق تطبيق ‘الشؤون المدنية'" (بتاريخ 21 حزيران/يونيو 2026)، الذي أكد على أن أتمتة الخدمات الإدارية تُسهم في الحد من الفساد والمحسوبية، شريطة توفير بيئة رقمية آمنة.
- بيان "استراتيجية مصرف سورية المركزي 2026–2030″ (بتاريخ 7 أيّار/مايو 2026)، التي أشارت إلى أن التحول الرقمي في القطاع المالي والمصرفي هو ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار النقدي والتنمية المستدامة.
رابعاً: انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية والاقتصادية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- سد الفجوة المعرفية، من خلال إطلاق برامج توعية وطنية واسعة حول مخاطر الاحتيال الرقمي، وأساليب التعرف على الروابط الوهمية، وسبل حماية البيانات الشخصية، أسوةً بتوصيات مركز أمن المعلومات، وبما يُسهم في تقليل هشاشة المواطنين أمام عمليات الاحتيال.
- تطوير البنية التحتية التقنية، من خلال تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية والرقابية في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية، وتحديث أنظمة الحماية المصرفية، واعتماد آليات متطورة لكشف ومنع الهجمات السيبرانية، أسوةً بما نصت عليه استراتيجية مصرف سورية المركزي.
- تعزيز التعاون الدولي، من خلال المشاركة في المبادرات الإقليمية والدولية لمكافحة الاحتيال المالي والجرائم الإلكترونية، وتبادل الخبرات والمعلومات مع الدول الرائدة في هذا المجال، أسوةً بمشاركة سورية في القمة العالمية لمكافحة الاحتيال 2026.
- تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، من خلال تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم الاحتيال الإلكتروني، وضمان سرعة البت في القضايا المحالة إلى القضاء، وتعزيز دور الهيئات الرقابية في متابعة أداء المؤسسات المالية والتقنية. يُجدد تيار المستقبل السوري تأكيده على أن التحول الرقمي هو مسار استراتيجي لبناء اقتصاد معرفي متطور، وأن حماية البيانات المصرفية ليست رفاهية، بل هي شرط أساسي لاستدامة هذا التحول ونجاحه.
ونرى أن الحكومة السورية والمؤسسات المالية والمجتمع المدني مدعوون اليوم إلى العمل معاً لتعزيز الأمن الرقمي، وتوعية المواطنين، وبناء بيئة رقمية آمنة وجاذبة للاستثمار، تليق بسورية الجديدة وتطلعات شعبها.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً وناقداً ومراقباً لهذا الملف، سعياً إلى بناء سورية الجديدة على أسس المعرفة والعدالة والتنمية المستدامة.