ملخص:
يناقش هذا المقال الإشكالية الخطيرة المتمثلة في انزياح الخطاب النقدي في السياقات الإسلامية المعاصرة عن وظيفته الإصلاحية والبناءة، ليصبح خطاباً تحريضياً يكرّس الكراهية، ويهدد السلم الأهلي، ويقوّض أسس المشروع الحضاري المنشود.
ينطلق المقال من فرضية أن "الإسلام الحضاري" لا ينظر إلى النقد كتهديد، بل يعدّه أداة ضرورية للتصحيح والتجديد، شريطة أن يلتزم بمنظومة من الضوابط الأخلاقية والشرعية المستمدة من القرآن والسنة النبوية.
ويسعى المقال إلى تفكيك الآليات النفسية والاجتماعية التي تحول النقد إلى تحريض، مستخدماً أدوات التحليل الأصولي والمقاصدي.
ويخلص إلى تقديم نموذج إسلامي حضاري لاستعادة أخلاقيات الخلاف، يرتكز على مفاهيم الحكمة، والعدل، والرحمة، وتغليب المصلحة العامة، بما يساهم في إعادة بناء الثقة المجتمعية المفقودة في بيئات الصراع كالحالة السورية.
مقدمة:
قامت ثقافة راسخة للاختلاف والنقد في قلب المشروع الحضاري الذي تبنته الحضارة الإسلامية عبر تاريخها،.
لقد كان النقد محركاً لتطور العلوم الشرعية والإنسانية، من علم الحديث والجرح والتعديل، إلى الفقه وأصوله، وصولاً إلى الفلسفة والعمران.
غير أن المُلاحظ في واقعنا الراهن، وخاصة في سياقات الاستقطاب الحاد كالحالة السورية، هو تحول هذه الآلية الحضارية إلى أداة للتحريض.
فلم يعد النقد يستهدف الفكرة لتفنيدها، بل يستهدف الشخص أو الجماعة لشيطنتها وإقصائها، مما يخلق مناخاً من الاحتراب الأهلي المعنوي الذي يمهد للاحتراب المادي.
إن تيار المستقبل السوري، وهو يتبنى رؤية "الإسلام الحضاري"، يرى أن هذه الظاهرة تتجاوز أن تكون زلة أخلاقية مؤقتة، لتكون مظهر من مظاهر "الاستئصال الحضاري" الذي تعرضت له الأمة.
فالتحريض هو آفة اجتماعية تقوّض "أسلمة العمران" بتحويل الدين من جامع للناس إلى مفرق لهم.
تنطلق هذه الرؤية من إدراك عميق بأن الإسلام في جوهره رسالة سلام وتعايش، وأن الآيات التي تتحدث عن الجدال والنقد (مثل: "وجادلهم بالتي هي أحسن" – النحل: 125) تضع إطاراً صارماً لبقاء الاختلاف في دائرة البناء لا الهدم.
التأصيل المفهومي:
لفهم الإشكالية، لا بد من تفكيك المفهومين:
النقد (والمراجعة): في السياق الحضاري، هو عملية تقويم للفكرة أو الاجتهاد بهدف التصويب والوصول إلى الحق، وهو قائم على احترام المُخالف.
وقد عبّر عنه الأصوليون بـ"النصيحة" التي هي عماد الدين، وجعلوا من التناظر وسيلة لاستخراج الحكم الشرعي، وهو ما يعكس أن الحقيقة تُولد من رحم الاختلاف المنضبط.
التحريض: هو خطاب تعبوي يستهدف المشاعر وليس العقول، ويهدف إلى شحن النفوس ضد الآخر وتجريده من إنسانيته وحقه في الوجود.
في القرآن، يُقرن التحريض غالباً بالفتنة والبغي، كما في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ" (النور: 11)، حيث تم تحويل معلومة كاذبة إلى حملة تحريض ضد بيت النبوة.
والفارق الجوهري أن النقد يُعمل العقل ويسعى للحق، بينما التحريض يُعطّل العقل ويسعى للحشد ضد "عدو" مصطنع.
آليات الانزلاق:
بتحليل الخطاب التحريضي السائد في الساحة السورية، يمكن رصد ثلاث آليات نفسية-اجتماعية خطيرة تسببت في هذا الانزلاق:
أولاً: تغييب "المقصد" لصالح "الوسيلة"، حيث يتحول النقد من وسيلة للإصلاح إلى غاية في حد ذاته، وهي غلبة "الأنا" الجماعية على "الآخر".
وهنا، لا يهم إن كانت الفكرة صحيحة بقدر ما يهم إحراج الخصم وإثبات تفوق الجماعة.
ثانياً: مبدأ التضخيم والتعميم، إذ يتم انتزاع قول أو فعل من سياقه الاجتهادي، وتضخيمه، ثم تعميمه ليكون دليلاً على خيانة الخصم للدين أو الوطن أو القيم.
وهذا تحريف لمنهج الجرح والتعديل العلمي الذي كان قائماً على التدقيق لا التهويل.
ثالثاً: توظيف "الغضب المقدس"، فلعل أخطر ما في الأمر هو إلباس التحريض السياسي لبوس الدين، فعندما يُصوّر النقد الموجه لفكرة ما على أنه طعن في أصل الدين او خيانة الوطن، يصبح الناقد مرتداً أو عميلاً، وبالتالي يُشرعن استباحة دمه وعرضه.
وهذا يحول الساحة الفكرية إلى ساحة حرب، وهذا يتعارض مع المقصد القرآني الذي يعتبر الفتنة أشد من القتل.
الإسلام الحضاري:
من منطلق رؤيتنا لـ"الإسلام الحضاري"، فإن استعادة الفعل النقدي البناء يتطلب تفعيل مجموعة من الضوابط المستمدة من جوهر الشريعة:
ضابطة العدل والقسط: الاستناد إلى قوله تعالى: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا" (المائدة: 8)، فلا يجوز أن تتحول الكراهية السياسية أو الطائفية إلى مانع من الإنصاف.
فمن أصول النقد الحضاري إعطاء الخصم حقه كاملاً، وعرض فكرته بأمانة قبل تفنيدها.
ضابطة الحكمة والموعظة الحسنة: فإن النقد الحضاري ليس صراخاً وتحريضاً، بل هو خطاب ناعم يغزو العقول، والحكمة تعني وضع الفكرة في سياقها، وفهم خلفيات صاحبها، ومعرفة الوقت المناسب لعرض النقد.
أما التحريض فهو سمة الطيش الفكري الذي يحرص على الاستفزاز لا الإقناع.
ضابطة المصلحة وسد الذرائع: يمنحنا علم المقاصد أداة عظيمة لتقييم الخطاب.
فأي خطاب ناقد، مهما بدا "علمياً"، إذا كان مآله الفتنة وتفريق الأمة وتمزيق النسيج الوطني، فهو حرام من باب سد الذرائع.
والمصلحة الحضارية في سورية اليوم تقتضي خطاباً يجمع لا يفرق، ويعزز الثقة بين مكونات الشعب، باعتبار ذلك من أولويات "جلب المصالح ودرء المفاسد".
ضابطة التمييز بين الفكرة وحاملها: في التراث الحضاري الإسلامي، كان بإمكان الفقيه أن يخطّئ فكرة خصمه بعنف منهجي، لكنه في الوقت نفسه يصلي خلفه ويحفظ له كرامته.
هذا "الفقه الخلافي" هو ما يجب إحياؤه لنزع فتيل الأزمة التي نستشرف خطورتها.
هذا، والتحريض يبدأ تحديداً عندما يتم الخلط بين "الحكم على القول" و"الحكم على القائل" بإطلاق نوايا أو توصيفات تكفيرية أو تخوينيّة.
خلاصة نحو خطاب النهضة – من "فقه التحريض" إلى "فقه العمران":
إن الخلاص من مستنقع التحريض يتطلب وعياً بأن النقد وظيفة عمرانية، وليس أداة حربية.
إن تيار المستقبل السوري، وهو يتطلع إلى بناء سورية ما بعد الصراع، يرى أن مهمة إرساء "الإسلام الحضاري" تبدأ من تطهير خطابنا من آفة التحريض.
فالمشروع النهضوي لا يحتمل منطق "إما نحن وإما هم"، بل يحتاج إلى كل الطاقات في عملية بناء إجماع وطني على أسس العدالة والحرية والمواطنة.
ولكي يتحول النقد إلى أداة تحريض، يجب أن يغيب العقل ويحضر "الغضب المقدس".
ولكي يعود النقد إلى أصله الحضاري، يجب أن يحضر العقل، ويحضر الضمير الأخلاقي، وتُستعاد قيم الإسلام الكبرى: الرحمة بالعالمين، والحوار بالتي هي أحسن، والبر بمن اختلفنا معهم.
إن الطريق إلى الدولة المدنية الحديثة يمر حتماً عبر إعادة تأهيل ثقافة الاختلاف، وجعلها في خدمة الإنسان والعمران، لا في خدمة الكراهية والدمار.
قائمة المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم، آيات المواجهة والجدال (النحل: 125، المائدة: 8، العنكبوت: 46).
- ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، فصل في تغير الفتوى وضوابط الإنكار.
- أبو حامد الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، قاعدة التكفير وضوابطه.
- ابن خلدون، المقدمة، الباب السادس في العلوم وأصنافها، ودور الجدل في العمران.
- طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، في نقد العقل المهيمن وأخلاقيات الحوار.
- يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، ضوابط الخلاف الفقهي والفكري.
- منشورات تيار المستقبل السوري – قسم البحوث والدراسات، من الأيديولوجيا إلى العمران بعد المرحلة الانتقالية. جمعة محمد لهيب. نشر بتاريخ 01-05-2026م.