من سقوط محور الممانعة إلى تحصين الهوية الوطنية السورية

لم يكن انهيار النفوذ الإيراني في سورية، وما تبعه من تراجع واضح لما عُرف لعقود بـ"محور المقاومة والممانعة"، مجرد تحولٍ عسكري أو سياسي، بل كان لحظةً تاريخية كشفت حقيقة مشروعٍ رفع شعارات تحرير القدس ومواجهة إسرائيل، بينما انشغل عملياً ببناء شبكات النفوذ، وتأسيس الميليشيات، والتدخل في شؤون الدول العربية، وإعادة تشكيل خرائط الولاء بما يخدم مصالح النظام الإيراني.

ومع مشهد دفن المرشد الإيراني علي خامنئي، وما يحمله من دلالات سياسية ورمزية، قد يظن بعضهم أن المشروع الإيراني قد انتهى، غير أن الحقيقة أبعد من ذلك. فالمشاريع العقائدية لا تُدفن بدفن قادتها، ولا تنتهي بسقوط بعض أدواتها العسكرية، ما دام نظام الملالي ما يزال قائماً في طهران، وما دامت البنية الفكرية والتنظيمية التي صنعت هذا المشروع باقية وقادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة.

لقد أثبتت التجربة السورية، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المشروع الإيراني لم يكن مشروع مقاومة بقدر ما كان مشروع نفوذ سياسي وعسكري وعقائدي، استخدم الدين وسيلةً لتوسيع السيطرة، وحوّل الانتماء المذهبي إلى أداة لبناء ولاءات تتجاوز حدود الأوطان، وهو ما دفع الشعب السوري ثمنه من دمه، وخراب مدنه، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وإضعاف مؤسسات دولته.

واليوم، وبعد انكسار هذا المشروع في أهم ساحاته، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه سورية هو الاعتقاد بأن الخطر قد زال. فالنفوذ لا يعود دائماً بالدبابات والميليشيات، بل قد يعود عبر الجامعات، والمؤسسات الدينية، والمراكز الثقافية، والجمعيات، والمنح الدراسية، والتمويل الخارجي، وصناعة النخب المرتبطة فكرياً وسياسياً بمشاريع تتجاوز حدود الوطن.

ومن هنا، فإن معركة سورية القادمة ليست معركةً عسكرية، وإنما معركة بناء الدولة الوطنية الحديثة، وترسيخ الهوية السورية الجامعة، وصناعة مواطنٍ يكون ولاؤه لسورية وحدها، لا لأي مشروع عابر للحدود أو مرتبط بعاصمة أجنبية، أياً كانت.

ولذلك، فإن تحصين الجامعات الإسلامية، والمعاهد الشرعية، وكليات الشريعة، ومراكز الدراسات الدينية، يجب أن يصبح جزءاً من مشروع الأمن الوطني السوري، لما لهذه المؤسسات من أثر بالغ في تشكيل وعي الأجيال القادمة. ولا يتحقق ذلك بالإقصاء أو التحريض، وإنما بإصلاح المناهج، وتعزيز الفكر الوسطي، وترسيخ قيم المواطنة، وربط التعليم الديني بثوابت الدولة السورية وسيادتها ووحدتها الوطنية.

كما أن بناء الدولة الجديدة يقتضي إطلاق مراجعة وطنية شاملة لجميع الحسينيات، والمراكز الثقافية والدينية، والمقامات والمزارات التي أُنشئت أو أُعيد تفعيلها خلال سنوات النفوذ الإيراني، وذلك عبر لجان علمية وقانونية وتاريخية وشرعية مستقلة، تتولى دراسة الأسس القانونية لإنشائها، والخلفيات التاريخية التي استندت إليها، وصحة الروايات الدينية المتعلقة بها، ومصادر تمويلها، والأدوار التي مارستها خلال سنوات الحرب، ومدى انسجامها مع سيادة الدولة السورية ومصالحها الوطنية.

وينطبق ذلك على المواقع التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بالمشروع الإيراني، بما في ذلك بعض الحسينيات والمقامات التي جرى توظيفها سياسياً أو أمنياً أو دعائياً، مثل مقام السيدة سكينة، ومقام أويس القرني، وغيرها من المواقع التي تستوجب إعادة تقييم وضعها القانوني والتاريخي والشرعي، بعيداً عن الانفعال، ووفق معايير الدولة والقانون.

فما ثبتت شرعيته القانونية، وصحت أصوله التاريخية، وسلامة أساسه الديني، ولم يُستخدم وسيلةً للتدخل الخارجي أو نشر الانقسام الطائفي، فإنه يبقى مصوناً ومحترماً. أما ما ثبت أنه أُنشئ أو استُخدم أداةً لمشروع سياسي أو مذهبي مرتبط بقوى خارجية، أو كان وسيلةً للتعبئة الطائفية وتقويض السيادة الوطنية، فينبغي أن يُعالج وفق أحكام القانون، وبما يحفظ وحدة المجتمع السوري وهيبة الدولة.

فالدول لا تهدم دور العبادة، لكنها كذلك لا تسمح بتحويلها إلى مقرات نفوذ سياسي، أو أمني، أو استخباراتي، ولا إلى أدوات لتغيير الهوية الوطنية أو صناعة الولاءات العابرة للحدود.

لقد أثبتت التجربة السورية أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس اختلاف المذاهب، وإنما تحويل المذهب إلى مشروع سياسي تديره دولة أجنبية.

ومن هنا فإن تحصين سورية لا يكون ضد الشيعة بوصفهم مكوناً دينياً من مكونات المجتمع، بل ضد التشيع السياسي، كما يكون في الوقت نفسه ضد أي مشروع سني، أو قومي، أو أيديولوجي، يجعل الولاء لغير سورية أو يقدم مصالح الخارج على المصلحة الوطنية.

ومن هذا المنطلق، فإن تيار المستقبل السوري يرى أن المرحلة المقبلة تستوجب العمل على جملة من الأولويات الوطنية، أبرزها:

  • ترسيخ الهوية الوطنية السورية الجامعة بوصفها المرجعية العليا لجميع المواطنين.
  • مراجعة المناهج التعليمية والشرعية بما يعزز قيم المواطنة والدولة وسيادة القانون.
  • إخضاع المؤسسات الدينية والثقافية والجامعات والمعاهد لمعايير الشفافية والرقابة القانونية.
  • تنظيم التمويل الخارجي للمؤسسات الدينية والثقافية، ومنع أي دعم يستهدف بناء ولاءات سياسية خارجية.
  • مراجعة الوضع القانوني والتاريخي والشرعي للمقامات والمزارات والحسينيات التي نشأت أو توسعت خلال سنوات النفوذ الإيراني.
  • حماية الجامعات السورية من أي استقطاب مذهبي أو أيديولوجي يخدم مشاريع إقليمية.
  • تعزيز البحث العلمي والدراسات الوطنية التي توثق تجربة التدخلات الخارجية وآثارها على الدولة السورية.

إن سقوط محور الممانعة يعد فرصة تاريخية لاستخلاص الدروس، وسد الثغرات التي سمحت باختراق الدولة السورية لعقود، وبناء منظومة وطنية قادرة على حماية استقلال القرار السوري، ومنع تكرار التجربة تحت أي عنوان أو شعار.

واليوم، وبعد دفن خامنئي، واستمرار حكم الملالي في طهران، فإن الرسالة الأهم ليست أن المشروع الإيراني قد انتهى، بل أن مسؤولية السوريين قد بدأت.
فالمستقبل لا يُصنع بالشعارات، ولا تُحمى الأوطان بردود الأفعال، وإنما ببناء دولة القانون والمؤسسات، وترسيخ الهوية الوطنية، وصناعة وعيٍ يجعل الولاء لسورية وحدها، ويغلق الأبواب أمام كل مشروع خارجي، مهما كان اسمه أو شعاره أو غطاؤه الديني أو السياسي.

فالمعركة القادمة ليست معركة إسقاط نظام، بل معركة حماية وطن؛ وحماية الأوطان تبدأ بتحصين العقول قبل تحصين الحدود، وببناء الإنسان قبل بناء الحجر، وبترسيخ سيادة الدولة قبل أي اعتبار آخر.

شاركها على:

اقرأ أيضا

مشروع تطوير حقول الغاز مع شركة "أديس" السعودية

مشروع تطوير حقول الغاز مع شركة "أديس" السعودية يهدف لزيادة الإنتاج بنسبة 50% خلال عام واحد.

4 يوليو 2026

إدارة الموقع

اليوم الدولي للتعاونيات

اليوم الدولي للتعاونيات يسلط الضوء على الجهود الدولية في دعم التنمية والشراكة الرسمية.

4 يوليو 2026

إدارة الموقع