قراءة في الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في تموز

تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق مطلع يوليو/تموز 2026، برفقة وفد وزاري وكبير من رجال الأعمال، في سياق انتقالي سوري معقد يمتد من سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، مروراً بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى باريس في 7 مايو/أيار 2025، بوصفها أول زيارة أوروبية له، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار ودمج قوات سوريا الديمقراطية في يناير/كانون الثاني 2026.

تمثل هذه الزيارة محطة سياسية ودبلوماسية ذات أهمية خاصة، ليس فقط على مستوى العلاقات السورية-الفرنسية، وإنما أيضاً في سياق إعادة تموضع سورية ضمن شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع.

أولاً: الأبعاد السياسية للزيارة

تمثل الزيارة عودة استراتيجية فرنسية إلى الساحة الشامية، مستفيدة من التحولات الجيوبوليتيكية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، ومن تراجع أدوار بعض القوى الدولية والإقليمية التي كانت فاعلة في الملف السوري.

وفي البعد التاريخي والاستراتيجي، تبدو فرنسا حريصة على استعادة دورها كلاعب مؤثر في المشرق العربي، مستندة إلى إرثها التاريخي وعلاقاتها التقليدية في المنطقة. وقد جاءت هذه الزيارة بعد سلسلة من الخطوات المتبادلة، شملت إعادة فتح السفارة الفرنسية في دمشق واستقبال الرئيس الفرنسي للرئيس السوري أحمد الشرع في باريس بتاريخ 7 مايو/أيار 2025، حيث أكد ماكرون آنذاك دعمه لسورية حرة ومستقرة وذات سيادة تحترم جميع مكوناتها.

ومن المتوقع أن تتناول المباحثات ملفات متعددة، في مقدمتها الشمولية السياسية، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وحماية حقوق جميع المواطنين، ومكافحة الإرهاب، وتنفيذ اتفاق 30 يناير/كانون الثاني 2026 المتعلق بدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية، إضافة إلى ملفات الأمن الإقليمي، واستقرار الحدود، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية، ومنع التصعيد في الجنوب السوري.

ومن الملفات التي يُتوقع أن تحضر بصورة غير مباشرة في المباحثات السورية الفرنسية، الملف اللبناني الذي يشكل أحد أهم محددات السياسة الفرنسية في المشرق. فباريس تنظر إلى استقرار لبنان بوصفه جزءاً من أمن شرق المتوسط، وتتابع عن كثب مستقبل التوازنات السياسية والأمنية فيه، بما في ذلك دور حزب الله وتداعيات التحولات الإقليمية على موقعه ونفوذه.
كما أن بعض التحليلات السياسية الغربية تتحدث عن إمكانية سعي بعض الأطراف الدولية إلى استكشاف أدوار سورية مستقبلية في دعم استقرار لبنان وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

وفي هذا السياق، قد تشكل الزيارة فرصة لتبادل وجهات النظر حول مستقبل العلاقات السورية اللبنانية وآليات تعزيز الأمن والاستقرار على جانبي الحدود بما يحفظ سيادة الدولتين ويمنع عودة التوترات الإقليمية.

كما لا يمكن فصل الزيارة عن الرؤية الفرنسية الأوسع لمنطقة شرق المتوسط، حيث تسعى باريس إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وتأمين مسارات الطاقة والتجارة البحرية، بما يجعل سورية جزءاً من معادلة أمنية واقتصادية أوسع تتجاوز حدودها الوطنية.

ثانياً: البعد الاقتصادي والتنموي

يحمل الجانب الاقتصادي أهمية كبيرة في هذه الزيارة، إذ يرافق الرئيس الفرنسي وفد واسع من رجال الأعمال وممثلي الشركات الفرنسية، بهدف استكشاف فرص الاستثمار والتعاون في قطاعات إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة والصحة والتعليم والخدمات.

ومن شأن هذا الحضور الاقتصادي أن يمنح فرنسا موقعاً متقدماً في مرحلة ما بعد الصراع، خصوصاً في ظل المواقف الفرنسية الداعمة لتخفيف العقوبات بشكل تدريجي وفتح المجال أمام مشاريع التعافي المبكر والتنمية المستدامة.

وفي الوقت ذاته، فإن نجاح التعاون الاقتصادي المرتقب يتطلب توفير بيئة قانونية وإدارية مستقرة، بما يضمن جذب الاستثمارات وتحقيق المصالح المتبادلة بين سورية وشركائها الدوليين.

وفي الوقت الذي ترحب فيه سورية بأي انفتاح دولي قائم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية، فإن نجاح هذه الشراكات يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة السورية على إدارتها من موقع الندية لا التبعية، وبما يضمن أن تكون عملية إعادة الإعمار أداة لتعزيز القرار الوطني المستقل، لا مدخلاً لإنتاج أشكال جديدة من الارتهان السياسي أو الاقتصادي.

ثالثاً: انعكاسات الزيارة على العلاقات السورية الأوروبية

قد تشكل هذه الزيارة بوابة مهمة نحو تطبيع تدريجي للعلاقات بين سورية والاتحاد الأوروبي، وإن كان هذا المسار سيبقى محكوماً بجملة من الشروط السياسية والأمنية والحقوقية.

فبعد زيارة الرئيس السوري إلى باريس في مايو/أيار 2025، والدعم الفرنسي لاستئناف بعض أوجه التعاون الأوروبي مع سورية خلال عام 2026، يمكن أن تشجع هذه الزيارة عدداً من الدول الأوروبية الأخرى، مثل ألمانيا وإيطاليا وغيرها، على توسيع انخراطها في برامج التعافي المبكر وإعادة الإعمار والمساعدات التنموية.

ومن شأن ذلك أن يساهم في تخفيف آثار العزلة الاقتصادية التي عاشتها سورية منذ عام 2011، وأن يفتح المجال أمام شراكات تنموية أوسع وأكثر استدامة.

إلا أن هذا المسار لا يخلو من التحديات، إذ ما تزال العواصم الأوروبية تربط أي تقدم كبير في العلاقات بمدى نجاح العملية الانتقالية، وترسيخ الاستقرار الأمني، واحترام الحقوق والحريات العامة، وضمان مشاركة مختلف مكونات المجتمع في بناء المستقبل السوري.

كما أن الانقسامات القائمة داخل بعض المجتمعات الأوروبية حول وتيرة الانفتاح على سورية قد تؤثر في سرعة تطور هذا المسار خلال السنوات القادمة.

ومن زاوية إنسانية وقانونية، تبقى العلاقات السورية الفرنسية مؤهلة أيضاً لفتح نقاشات تتعلق بأوضاع عدد من السوريين الموجودين في فرنسا ممن ترتبط قضاياهم بمرحلة الصراع السابقة.
وفي هذا الإطار، يأمل بعض المهتمين بالشأن العام السوري أن تتيح اللقاءات المرتقبة فرصة لإثارة بعض الملفات الإنسانية والقضائية، ومن بينها قضية المعتقل السوري إسلام علوش الذي وجّه مؤخراً نداءً إلى الرئيس أحمد الشرع طالب فيه بالمساعدة في متابعة ملفه القانوني، وذلك في إطار احترام استقلال القضاء الفرنسي والسعي لضمان الحقوق القانونية والإنسانية لجميع الأطراف.

رابعاً: ملف اللاجئين والنازحين

من المتوقع أن يحضر ملف اللاجئين والنازحين السوريين بقوة ضمن النقاشات السورية الأوروبية، نظراً لارتباطه المباشر بقضايا الأمن والاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.

وستبقى العودة الطوعية والآمنة والكريمة للسوريين إلى مناطقهم إحدى أهم مؤشرات نجاح المرحلة الانتقالية، كما تمثل عاملاً رئيسياً في تقييم المجتمع الدولي لقدرة الدولة السورية على استعادة وظائفها الطبيعية وتوفير بيئة مستقرة ومستدامة لمواطنيها.

ويتطلب ذلك توفير مقومات السكن والخدمات وفرص العمل، وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، بما يشجع على عودة تدريجية ومستدامة للمهجرين واللاجئين.

خامساً: تأثير الزيارة على موقع سورية إقليمياً ودولياً

من المرجح أن تترك الزيارة آثاراً إيجابية على موقع سورية الإقليمي والدولي، وإن كان ذلك بصورة تدريجية ومشروطة بمدى قدرة الدولة السورية على استثمار هذا الانفتاح وتحويله إلى مكاسب وطنية مستدامة.

فعلى المستوى الإقليمي، يمكن للزيارة أن تعزز الشرعية العربية والدولية للسلطة الانتقالية، وأن تدعم مسارات التعاون مع الدول المجاورة، ولا سيما لبنان والأردن، وأن تسهم في تخفيف التوترات الحدودية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

كما أن نجاح تنفيذ التفاهمات الداخلية، بما فيها اتفاق يناير/كانون الثاني 2026، قد يعزز من قدرة الدولة السورية على مواجهة التحديات الأمنية والحد من التدخلات الخارجية، في ظل دعم دولي متزايد لمبدأ وحدة الأراضي السورية وسيادتها.

ومن الناحية الاقتصادية، قد تشجع الزيارة على زيادة الاستثمارات العربية والإقليمية والدولية، بما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد السوري وتعزيز فرص التعافي.

أما على المستوى الدولي، فإن الزيارة تمثل مؤشراً إضافياً على إعادة دمج سورية تدريجياً ضمن المنظومة الدولية، وتوسيع فرص مشاركتها في المبادرات والمؤتمرات والبرامج الدولية المتعلقة بالتنمية وإعادة الإعمار.

ومع ذلك، فإن هذه التحولات لا تعني تغييراً فورياً في التوازنات الاستراتيجية الكبرى، بل تمثل خطوة ضمن مسار طويل يعتمد نجاحه على قدرة سورية على تحقيق التوازن بين الانفتاح الخارجي والحفاظ على وحدتها الوطنية واستقلال قرارها السيادي.

الخاتمة:

إذا ما تمت هذه الزيارة وفق ما هو متوقع، فإنها لن تكون مجرد محطة بروتوكولية أو دبلوماسية عابرة، بل قد تشكل مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين سورية وأوروبا، وعلى انتقال الملف السوري تدريجياً من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة واستعادة دورها الإقليمي والدولي.

وتبقى هذه الفرصة مرتبطة بقدرة السوريين أنفسهم على بناء عقد وطني جامع، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتحويل الانفتاح الدولي إلى رافعة للنهوض الوطني الشامل.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبدو سورية أمام فرصة تاريخية لإعادة تموضعها ضمن محيطها العربي والإقليمي والدولي، بما يخدم مصالح شعبها ويعزز سيادتها واستقلالها، بعيداً عن الاستقطابات والصراعات التي أثقلت حاضرها لعقود طويلة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

زيارة الرئيس أحمد الشرع لجزيرة أرواد

زيارة الرئيس أحمد الشرع لجزيرة أرواد تعكس التزام سورية بتعزيز قطاع السياحة كجزء من التنمية الاقتصادية.

9 يونيو 2026

إدارة الموقع

إطلاق مديرية صحة حلب حملة "معاً لمكافحة اللشمانيا"

إطلاق حملة 'معاً لمكافحة اللشمانيا' في حلب يعكس التزام مديرية صحة حلب بتعزيز الصحة العامة.

9 يونيو 2026

إدارة الموقع