تمهيد:
انعقد مجلس الشعب السوري في الثاني عشر من تموز/يوليو 2026، في دورته الأولى، ليُعيد فتح أحد أكثر الملفات السياسية حساسية في المرحلة الانتقالية، وهو ملف قانون الأحزاب السياسية.
فبعد أكثر من ستة عقود من احتكار حزب البعث للحياة السياسية منذ عام 1963، وأربعة وخمسين عاماً من حكم عائلة الأسد الذي رسّخ اندماج الحزب بالدولة، تجد سورية نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الحياة السياسية على قواعد جديدة، تقوم على المشاركة بدل الاحتكار، وعلى التنافس السلمي بدل الإقصاء.
غير أن الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية ليس مجرد إجراء تشريعي يتمثل في إصدار قانون جديد، بل هو تحول عميق يمس فلسفة الدولة وطبيعة المجتمع والثقافة السياسية وآليات إنتاج السلطة.
ولذلك تبرز أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها: ما هو الحزب السياسي؟
ولماذا تحتاج الدول الحديثة إلى الأحزاب؟
وهل المجتمع السوري اليوم مهيأ لقيام حياة حزبية حقيقية؟
وكيف يمكن تجنب أخطاء الماضي، ومنع تحول التعددية إلى وسيلة جديدة للانقسام؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستوجب قراءة التجربة السورية في سياقها التاريخي، والاستفادة من التجارب المقارنة، وصولاً إلى تصور واقعي يوازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات التحول الديمقراطي.
أولاً: مفهوم الحزب السياسي ووظيفته في الدولة الحديثة
لا يمكن الحديث عن قانون للأحزاب أو عن التعددية السياسية قبل تحديد المقصود بالحزب السياسي نفسه.
ففي الفقه الدستوري، يُعرَّف الحزب السياسي بأنه تنظيم وطني دائم، يقوم على برنامج سياسي معلن، ويهدف إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة في صنع القرار عبر الوسائل السلمية والدستورية، مع الالتزام بأحكام الدستور وسيادة القانون واحترام إرادة الناخبين.
ولا يقتصر دور الأحزاب على خوض الانتخابات أو التنافس على السلطة، بل تؤدي وظائف أعمق في البناء السياسي للدولة، فهي المدرسة التي تُعد القيادات، والمنصة التي تُنتج البرامج العامة، والجسر الذي ينقل مطالب المجتمع إلى مؤسسات الدولة، كما تمارس دوراً رقابياً على أداء السلطة التنفيذية، وتسهم في توسيع المشاركة الشعبية، وتحويل الخلافات السياسية إلى منافسة سلمية داخل المؤسسات، بدلاً من انتقالها إلى الشارع أو إلى العنف.
ولهذا السبب أصبحت الأحزاب إحدى الركائز الأساسية في النظم الديمقراطية الحديثة، لأنها تمنح المجتمع قنوات منظمة للتعبير عن اختلافاته، وتحول التنوع الاجتماعي والفكري إلى مصدر قوة وإبداع، بدلاً من أن يكون سبباً للصراع والانقسام.
غير أن نجاح الأحزاب لا يرتبط بوجودها القانوني فحسب، وإنما بوجود بيئة سياسية وقضائية وإعلامية تسمح لها بالعمل بحرية، وتضمن تكافؤ الفرص بينها، وتمنع في الوقت نفسه احتكار السلطة أو استخدام الأحزاب واجهات لمصالح ضيقة أو مشاريع خارج إطار الدولة.
ثانياً: أيهما يسبق الآخر؟ الحزب أم الدولة!
يطرح الانتقال السياسي في الدول الخارجة من النزاعات سؤالاً فلسفياً وسياسياً بالغ الأهمية: هل تُبنى الدولة أولاً ثم تُطلق الحياة الحزبية، أم أن الأحزاب هي التي تُنتج الدولة وتمنحها الشرعية؟
وقد انقسمت المدارس السياسية حول هذه المسألة، فهناك من يرى أن الأحزاب هي القلب النابض للديمقراطية، وأن غيابها يعني غياب المشاركة الشعبية والرقابة على السلطة، بينما يرى اتجاه آخر أن التعددية السياسية في دولة ما زالت مؤسساتها هشة قد تتحول إلى عامل انقسام بدلاً من أن تكون عامل استقرار.
ويبدو أن التجارب الدولية تشير إلى أن العلاقة بين الدولة والأحزاب ليست علاقة تعارض أو أسبقية زمنية، وإنما علاقة تكامل متبادل.
فالدولة القوية تحتاج إلى أحزاب قوية ومسؤولة، والأحزاب لا يمكن أن تزدهر في ظل دولة منهارة أو عاجزة عن فرض القانون.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام سورية لا يكمن في الاختيار بين الدولة أو الأحزاب، بل في بناء الاثنين معاً بصورة متوازنة، بحيث تتقدم مؤسسات الدولة بالتوازي مع نمو الحياة السياسية، فلا تتحول الدولة إلى أداة بيد حزب واحد، ولا تتحول الأحزاب إلى كيانات تتنافس على حساب وحدة الدولة.
ثالثاً: الجذور التاريخية للتجربة الحزبية في سورية:
ليست الأحزاب السياسية ظاهرة مستوردة على المجتمع السوري، كما يُصوَّر أحياناً، بل تمتلك سورية واحداً من أقدم التقاليد الحزبية في المنطقة العربية.
فقد بدأت ملامح العمل السياسي المنظم في أواخر العهد العثماني من خلال الجمعيات العربية السرية التي طالبت بالإصلاح، ثم تطورت بصورة أوضح خلال فترة الانتداب الفرنسي.
وكان من أبرز تلك التنظيمات "جمعية العربية الفتاة"، التي أسهمت في ترسيخ الفكر القومي العربي، وشكلت أحد الروافد الفكرية للحركة الوطنية السورية، قبل أن تنبثق عنها لاحقاً قوى سياسية كان لها دور بارز في مرحلة الاستقلال.
كما برزت "الكتلة الوطنية" بوصفها الإطار السياسي الأهم في مواجهة الانتداب الفرنسي، واستطاعت أن تقود النضال الوطني لعقود، وأن تجمع شخصيات من مختلف المدن والتيارات حول هدف الاستقلال.
وبعد تحقيق الاستقلال عام 1946م، تفرعت عنها أحزاب واتجاهات متعددة، لتبدأ سورية واحدة من أكثر التجارب البرلمانية حيوية في العالم العربي آنذاك.
رابعاً: من التعددية إلى الاحتكار:
رغم الحيوية السياسية التي شهدتها سورية خلال العقود الأولى من الاستقلال، فإن التجربة الديمقراطية بقيت تعاني هشاشة بنيوية نتيجة التنافس الحاد بين القوى السياسية، والتدخل المتكرر للمؤسسة العسكرية في الحياة العامة.
فمنذ انقلاب حسني الزعيم عام 1949، مروراً بانقلابي سامي الحناوي وأديب الشيشكلي، دخلت سورية مرحلة أصبحت فيها القوة العسكرية عاملاً حاسماً في تداول السلطة، على حساب الإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع.
ولم تكن تلك الانقلابات نتيجة لوجود الأحزاب السياسية بحد ذاتها، بل كانت تعبيراً عن غياب التوازن بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية، وهو درس تاريخي بالغ الأهمية!!
إذ إن الديمقراطية لا تنهار بسبب كثرة الأحزاب، وإنما عندما تصبح القوة المسلحة بديلاً عن الشرعية الدستورية.
وجاء انقلاب الثامن من آذار/مارس 1963 ليشكّل نقطة التحول الكبرى في التاريخ السياسي السوري، بعدما استولى الجناح العسكري لحزب البعث على السلطة، لتبدأ مرحلة جديدة انتقلت فيها سورية من التنافس الحزبي إلى احتكار العمل السياسي.
ومع ما سمي بـِ "الحركة التصحيحية" التي قادها حافظ الأسد عام 1970، لم يعد حزب البعث مجرد حزب حاكم، بل تحول إلى الإطار الذي اندمجت فيه الدولة نفسها.
وقد كرّس دستور عام 1973 هذا الواقع عندما نص في مادته الثامنة على أن "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع"، فأصبحت مؤسسات الدولة، والجيش، والإدارة، والنقابات، والجامعات، تدور جميعها ضمن منظومة الحزب الواحد.
ولم يكن هذا النص الدستوري مجرد صياغة قانونية، بل أسس لثقافة سياسية جديدة تقوم على احتكار السلطة، وربط الولاء للدولة بالولاء للحزب، وتحويل الانتماء الحزبي إلى أحد أهم معايير الترقية والتعيين والوصول إلى مواقع القرار.
ولإضفاء مظهر شكلي من التعددية، أُنشئت "الجبهة الوطنية التقدمية" عام 1972، وضمت عدداً من الأحزاب التي قبلت العمل تحت قيادة حزب البعث.
إلا أن هذه الجبهة لم تكن إطاراً للتنافس السياسي، بل كانت إطاراً لتنظيم العلاقة بين الحزب الحاكم وبعض القوى المتحالفة معه، دون أن تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في القرار السياسي أو التداول على السلطة.
وبذلك غابت الحياة الحزبية الفعلية عن سورية لأكثر من نصف قرن، وتحولت الأحزاب الأخرى إلى كيانات هامشية، بينما أصبح البعث هو الحزب الوحيد القادر على الوصول إلى مؤسسات الدولة وصناعة القرار.
خامساً: دستور 2012:
مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، وجد النظام نفسه أمام ضغوط داخلية وخارجية دفعت إلى الإعلان عن سلسلة من الإصلاحات السياسية، كان أبرزها إصدار دستور جديد عام 2012، وإلغاء المادة الثامنة التي كانت تمنح حزب البعث صفة الحزب القائد للدولة والمجتمع.
ومن الناحية النظرية، بدا هذا التعديل تحولاً دستورياً مهماً، إذ أقر مبدأ التعددية السياسية، وأتاح إصدار قانون جديد للأحزاب، بما يسمح بتأسيس أحزاب خارج إطار البعث والجبهة الوطنية التقدمية.
إلا أن الواقع العملي بقي بعيداً عن النصوص الدستورية.
فقد ظلت الأجهزة الأمنية صاحبة الكلمة العليا في الحياة السياسية، واستمرت القيود الإدارية والقانونية المفروضة على تأسيس الأحزاب وممارسة نشاطها، ولم تشهد البلاد انتخابات تنافسية حقيقية أو تداولاً فعلياً للسلطة، الأمر الذي جعل كثيراً من الباحثين ينظرون إلى تلك الإصلاحات باعتبارها محاولة لامتصاص الضغوط أكثر من كونها انتقالاً حقيقياً نحو الديمقراطية.
وهكذا بقيت التعددية السياسية في سورية، حتى سقوط النظام البائد، تعددية شكلية لم تُحدث تغييراً جوهرياً في بنية السلطة، ولم تمنح الأحزاب الجديدة فرصة حقيقية للمنافسة أو المشاركة في صناعة القرار.
سادساً: المشهد الحزبي بعد سقوط نظام الأسد:
أحدث سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً جذرياً في المشهد السياسي السوري، إذ انتهت للمرة الأولى منذ أكثر من ستين عاماً هيمنة حزب البعث على الدولة، وبدأت مرحلة انتقالية تستهدف إعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة.
وفي التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2025، قررت السلطات الانتقالية حل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وعلى رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي، وإنهاء جميع الامتيازات السياسية والتنظيمية التي تمتعت بها تلك الأحزاب طوال العقود السابقة، باعتبارها جزءاً من البنية السياسية للنظام السابق.
كما نص الإعلان الدستوري المؤقت، الصادر في الرابع عشر من آذار/مارس 2025، على كفالة حرية تأسيس الأحزاب السياسية، لكنه ربط ممارسة هذا الحق بصدور قانون جديد ينظم الحياة الحزبية، ويحدد شروط التأسيس والتمويل والممارسة السياسية.
وقد بقي هذا القانون مؤجلاً طوال المرحلة الأولى من الانتقال السياسي، بحجة غياب السلطة التشريعية المختصة بإقراره.
غير أن انعقاد مجلس الشعب في الثاني عشر من تموز/يوليو 2026 أزال هذا المبرر، وجعل إصدار قانون الأحزاب أحد أهم الاستحقاقات الدستورية والسياسية المطروحة أمام المجلس الجديد.
وفي هذا السياق، كان الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قد صرح في الخامس من آذار/مارس 2026، بأن قانون الأحزاب سيصدر بعد تشكيل مجلس الشعب، وأنه سيأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع السوري ومتطلبات المرحلة الانتقالية.
ووفقاً لكتاب "الأحزاب السياسية في سورية" الصادر عن مركز جسور للدراسات، فقد بلغ عدد الأحزاب التي تأسست في سورية، قبل عام 2011 وبعده، نحو 134 حزباً، إلا أن أياً منها لا يتمتع اليوم بصفة الحزب المسجل رسمياً داخل البلاد، بسبب غياب الإطار القانوني الناظم.
وهذا الواقع يضع سورية أمام مرحلة تأسيسية جديدة، لا تتمثل في إعادة إحياء الأحزاب القديمة، ولا في السماح بولادة عدد كبير من الأحزاب دون ضوابط، وإنما في بناء حياة حزبية وطنية حديثة، تكون جزءاً من مشروع بناء الدولة، لا بديلاً عنها، ولا منافساً لها على الشرعية.
سابعاً: التحديات التي تواجه إطلاق التعددية الحزبية:
إن إصدار قانون للأحزاب لا يعني تلقائياً قيام حياة سياسية ناضجة، فالتشريعات مهما بلغت دقتها لا تستطيع وحدها صناعة ثقافة ديمقراطية أو بناء مؤسسات مستقرة. ولذلك تواجه سورية، في هذه المرحلة الانتقالية، مجموعة من التحديات البنيوية التي ينبغي التعامل معها بواقعية ومسؤولية.
ولعل أول هذه التحديات يتمثل في استمرار التحديات الأمنية وتفاوت السيطرة الإدارية على كامل الجغرافيا السورية، وهي ظروف تجعل العمل الحزبي أكثر تعقيداً، لأن الأحزاب لا تزدهر إلا في بيئة مستقرة تضمن حرية الاجتماع والتنقل والتعبير، وتوفر الحماية القانونية لجميع الفاعلين السياسيين.
أما التحدي الثاني فيكمن في احتمال قيام أحزاب على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية، وهو ما قد يحول التعددية السياسية إلى إعادة إنتاج للانقسامات المجتمعية التي عانت منها سورية خلال سنوات الحرب.
وقد أحسن الإعلان الدستوري عندما حظر إنشاء الأحزاب على هذه الأسس، إلا أن النصوص وحدها لا تكفي، ما لم تقترن برقابة قضائية مستقلة، وثقافة سياسية تؤمن بالمواطنة المتساوية.
ويبرز تحدٍ ثالث يتمثل في ضعف الخبرة الحزبية لدى المجتمع السوري بعد أكثر من نصف قرن من تغييب الحياة السياسية.
فقد نشأت أجيال كاملة لم تمارس العمل الحزبي الحر، ولم تختبر الانتخابات الداخلية أو تداول القيادة أو إعداد البرامج السياسية، الأمر الذي يجعل بناء أحزاب مؤسسية عملية تحتاج إلى وقت، وإلى تدريب، وإلى تراكم في الخبرة.
ثامناً: ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟
ليست سورية أول دولة تنتقل من نظام الحزب الواحد أو الحكم السلطوي إلى التعددية السياسية، فقد سبقتها تجارب عديدة تقدم دروساً تستحق التأمل.
ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم يُترك المجال مفتوحاً بلا ضوابط، بل أُعيد بناء الحياة الحزبية ضمن إطار دستوري صارم يحمي النظام الديمقراطي، ويمنع عودة الأحزاب التي تهدد الدولة أو تحرض على الكراهية والعنف.
وفي إسبانيا، بعد وفاة الجنرال فرانكو عام 1975، اختارت الدولة الانتقال التدريجي نحو التعددية، مع الحفاظ على استقرار المؤسسات، وهو ما جنّب البلاد الانزلاق إلى الفوضى.
أما جنوب أفريقيا، فقد استطاعت تحويل التنافس السياسي بعد نهاية نظام الفصل العنصري إلى وسيلة للمصالحة الوطنية، عبر دستور جامع ومؤسسات مستقلة واحترام نتائج الانتخابات.
وفي المقابل، أظهرت بعض التجارب أن التوسع غير المنضبط في إنشاء الأحزاب، أو قيامها على الهويات الضيقة، يؤدي إلى تفتيت المشهد السياسي وإضعاف الحكومات وتعطيل التنمية.
وتؤكد هذه الخبرات أن نجاح التعددية لا يقاس بعدد الأحزاب، وإنما بجودة النظام القانوني الذي ينظم عملها، وبقدرتها على تمثيل المجتمع ضمن إطار الدولة، لا خارجها.
تاسعاً: المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها قانون الأحزاب السوري:
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إصدار قانون للأحزاب، بل إصدار قانون يؤسس لحياة سياسية مستقرة ومستدامة.
ومن أبرز المبادئ التي يُستحسن أن يتضمنها قانون الأحزاب السوري:
- ضمان حرية تأسيس الأحزاب الوطنية وفق إجراءات قانونية واضحة، مبسطة، وشفافة، بعيداً عن التعسف الإداري أو التمييز السياسي.
- حظر إنشاء الأحزاب على أسس طائفية أو مذهبية أو عرقية أو مناطقية أو قبلية أو عسكرية، بما يحفظ وحدة المجتمع والدولة.
- اشتراط أن يكون الحزب ذا طابع وطني جامع، وأن يمتلك انتشاراً تنظيمياً في أكثر من محافظة، بما يمنع احتكار تمثيل فئة أو منطقة بعينها.
- اشتراط تقديم برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي مكتوب ومعلن، يوضح رؤية الحزب وأهدافه وآليات عمله، بما يتيح للمواطنين تقييمه على أساس برامجه لا على أساس الأشخاص أو الشعارات.
- منع امتلاك أي حزب تشكيلات مسلحة، أو الارتباط بأي قوة عسكرية أو أمنية، أو استخدام العنف أو التحريض عليه أو التهديد به وسيلةً للعمل السياسي.
- الفصل الكامل بين الحزب والدولة، ومنع استخدام مؤسسات الدولة، أو المال العام، أو الوظيفة العامة، أو دور العبادة، أو المؤسسات التعليمية، أو الأجهزة الأمنية والعسكرية في الدعاية أو النشاط الحزبي.
- إلزام الأحزاب بممارسة الديمقراطية الداخلية، وإجراء انتخابات دورية لقياداتها، وضمان حق أعضائها في الترشح، والانتخاب، والمساءلة، وتداول المسؤوليات التنظيمية.
- ضمان الشفافية المالية الكاملة، والإفصاح الدوري عن الإيرادات والمصروفات، وإخضاع الحسابات المالية لتدقيق مستقل وفق أحكام القانون.
- منع التمويل الأجنبي المباشر أو غير المباشر، أو أي دعم مالي أو لوجستي أو سياسي يؤثر في استقلال القرار الوطني أو في نزاهة العملية السياسية.
- التزام جميع الأحزاب وأعضائها باستقلال القرار الوطني، وحظر تلقي التعليمات أو التوجيهات من حكومات أو أجهزة استخبارات أو جهات أجنبية بما يمس سيادة الجمهورية العربية السورية أو يؤثر في إرادة الناخبين.
- عدم جواز تولي عضوية أو قيادة أي حزب سياسي لمن صدر بحقه حكم قضائي نهائي، أو ثبتت مسؤوليته وفق آليات العدالة الانتقالية، عن ارتكاب جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو أعمال إرهابية، أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو التعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية بما يضر بالأمن القومي والسيادة الوطنية، وذلك مع ضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
- منع إعادة تشكيل الأحزاب أو التنظيمات التي ثبت تورطها المؤسسي في ارتكاب جرائم بحق الشعب، أو في تقويض النظام الدستوري، أو في ممارسة القمع المنهجي، إلا وفق أحكام العدالة الانتقالية وبقرار قضائي نهائي.
- ضمان تكافؤ الفرص بين الأحزاب في وسائل الإعلام الرسمية، وفي الحملات الانتخابية، وفي الوصول إلى الناخبين، بما يحقق عدالة المنافسة السياسية.
- حماية حق المعارضة السياسية السلمية، والاعتراف بها ركناً أساسياً من أركان النظام الديمقراطي، وشريكاً في الرقابة والمساءلة وصنع السياسات العامة.
- كفالة مشاركة المرأة، والشباب، والأشخاص ذوي الإعاقة، وسائر فئات المجتمع في الحياة الحزبية، وتشجيع تمثيلهم في الهيئات القيادية.
- تنظيم اندماج الأحزاب، وانقسامها، وتعليق نشاطها، وحلها، وفق إجراءات قانونية واضحة، بحيث لا يجوز حل أي حزب إلا بحكم قضائي نهائي.
- إخضاع الأحزاب لرقابة القضاء المستقل، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة تُعنى بتسجيل الأحزاب والإشراف على التزامها بالقانون، بعيداً عن هيمنة السلطة التنفيذية.
- إلزام جميع الأحزاب بإقرار ميثاق وطني يلتزم بنبذ العنف والإرهاب وخطاب الكراهية والتحريض على التمييز، ويؤكد احترام الدستور، ووحدة الدولة، وسيادتها، والتداول السلمي للسلطة، وحقوق الإنسان، وقبول نتائج الانتخابات والاحتكام إلى الوسائل الديمقراطية في حل الخلافات.
- مراعاة خصوصية المرحلة الانتقالية، بحيث تُمارس الأحزاب السياسية حقوقها في المشاركة في الحياة العامة والعمل البرلماني والانتخابي وفق أحكام القانون، على أن تُنظم آليات التنافس على المناصب السيادية، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية، بموجب أحكام الدستور والترتيبات الدستورية الخاصة بالمرحلة الانتقالية، بما يحقق الاستقرار ويحافظ على السلم الأهلي.
- تُعد الأحزاب السياسية مؤسسات وطنية دائمة، ولا يجوز لها العمل على تقويض مؤسسات الدولة أو إضعافها أو تعطيلها، كما تلتزم بالفصل بين معارضة الحكومات المنتخبة ومعارضة الدولة ذاتها، وباحترام استمرارية مؤسساتها وسيادتها ووحدة أراضيها، وعدم اللجوء إلى أي وسيلة تهدد كيان الدولة أو السلم الأهلي لتحقيق أهدافها السياسية.
إن مثل هذه المبادئ لا تقيد الحرية السياسية، بل تحميها من الانحراف، وتحافظ على التوازن بين حق التنظيم السياسي ومتطلبات الأمن الوطني ووحدة المجتمع.
عاشراً: سيناريوهات مستقبل الحياة الحزبية في سورية:
يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية لمسار الحياة الحزبية خلال السنوات المقبلة.
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في التعددية المنضبطة، حيث يصدر قانون متوازن يسمح بقيام أحزاب وطنية مسؤولة، مع ضوابط تمنع الانقسام الطائفي والتطرف السياسي، فتتطور الحياة الحزبية تدريجياً بالتوازي مع ترسيخ مؤسسات الدولة.
أما السيناريو الثاني، فهو التأجيل المطول، إذا غلبت الاعتبارات الأمنية على الإصلاح السياسي، واستمر تأجيل إصدار قانون الأحزاب، الأمر الذي يبقي العمل السياسي في منطقة قانونية رمادية، ويؤدي إلى تراجع الثقة بعملية الانتقال السياسي.
ويتمثل السيناريو الثالث في التعددية الفوضوية، إذا صدر قانون متساهل يسمح بقيام عشرات الأحزاب دون معايير واضحة، فتتحول التعددية إلى حالة من التشظي السياسي والاستقطاب المجتمعي، بما ينعكس سلباً على استقرار الدولة.
أما السيناريو الرابع، وهو السيناريو المنشود، فيتمثل في التوافق الوطني، حيث تنشأ أحزاب قليلة نسبياً، لكنها قوية، ذات برامج واضحة وقواعد شعبية حقيقية، وتشكل تحالفات وطنية، وتنتقل تدريجياً من الصراع على السلطة إلى التنافس في تقديم الحلول والسياسات العامة، بما يعزز الاستقرار ويكرس التداول السلمي للسلطة.
خاتمة:
تقف سورية اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء حياتها السياسية بعد أكثر من ستة عقود من احتكار الحزب الواحد، غير أن نجاح هذه الفرصة لا يتوقف على إصدار قانون جديد فحسب، وإنما على بناء ثقافة سياسية جديدة تؤمن بالمواطنة، واحترام الدستور، والتداول السلمي للسلطة، وقبول الاختلاف بوصفه أحد مظاهر قوة المجتمع لا مصدر تهديد له.
فليست قيمة الأحزاب في كثرة عددها، ولا في حدة خطاباتها، وإنما في قدرتها على تحويل التعددية إلى شراكة وطنية، والمعارضة إلى رقابة مسؤولة، والاختلاف إلى منافسة سلمية داخل مؤسسات الدولة.
إن الحزب الذي يجعل من الدولة مرجعيته العليا، ويضع المصلحة الوطنية فوق مصالحه التنظيمية، هو شريك في بناء سورية الجديدة.
أما الحزب الذي يختزل الوطن في جماعته، أو يسعى إلى احتكار الحقيقة أو السلطة، فإنه يعيد إنتاج الاستبداد، مهما اختلفت شعاراته.
ولذلك، فإن مستقبل سورية لا يحتاج إلى كثرة الأحزاب بقدر ما يحتاج إلى أحزاب وطنية مسؤولة، تؤمن بأن الدولة هي الإطار الجامع لجميع السوريين، وأن التنافس السياسي ليس معركة وجود، بل وسيلة حضارية لبناء دولة القانون والمؤسسات، وصون وحدة الوطن، وتحقيق تطلعات أبنائه نحو الحرية والعدالة والتنمية المستدامة.