الملخص الأكاديمي:
تتناول هذه الدراسة بالتحليل الحدث الأكاديمي المحوري المتمثل بانعقاد "المؤتمر الدولي العلمي الثاني للعلوم التربوية والنفسية" في جامعة الفرات خلال يومي 12-13 أيار/مايو 2026، وذلك كأحد مؤشرات التعافي الأكاديمي السوري في مرحلة ما بعد التحول السياسي.
تهدف الدراسة إلى رصد واقع البحث العلمي ومؤسسات التعليم العالي في سورية اليوم، وتحليل التحديات الهيكلية والتمويلية التي تعترض نهضتها، ثم تقديم رؤية مستقبلية تستند إلى منهج "الإسلام الحضاري" لتحقيق التكامل بين التراث المعرفي ومتطلبات العصر.
كما تقدم دراسة مقارنة مختصرة لتجارب دول خليجية وآسيوية ناجحة في إصلاح منظومة التعليم العالي، وتحاول الإجابة عن السؤال المحوري: كيف يمكن للبحث العلمي أن يكون محركاً حقيقياً لبناء سورية الحديثة؟
أولاً، منهجية الدراسة والمقدمة التحليلية:
تنطلق الدراسة من قاعدة أن بناء الدولة المدنية الحديثة لا يكتمل دون إرساء أسس متينة للعلم والمعرفة، ذلك أن البحث العلمي يمثل الضمانة الأساسية للتنمية المستدامة، والآلية المثلى لتجاوز منطق المحاصصة والهيمنة، واستبداله بعقلية المؤسسة والكفاءة.
وفي هذا السياق، يكتسب انعقاد المؤتمر الدولي الثاني للعلوم التربوية والنفسية في جامعة الفرات أهمية خاصة، بصفته مؤشراً على عودة الحياة الأكاديمية إلى طبيعتها، وانفتاح المؤسسات التعليمية السورية على العالم بعد سنوات من العزلة والدمار التي خلفها النظام البائد.
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لتوثيق الحدث وتحليل أبعاده، والمنهج المقارن لاستخلاص العبر من نماذج إقليمية وعالمية في تطوير التعليم العالي، مع الاستعانة بالبيانات والإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتصنيفات الدولية الموثقة لعام 2026.
ثانياً، رؤية تيار المستقبل السوري في بناء الإنسان ذي الثقافة الحداثية:
يعتمد تيار المستقبل السوري في مشروعه الفكري على رؤية الإسلام كحضارة إنسانية تنهل من ينابيع العدل والعلم والوسطية، لا كأيديولوجيا مُغلقة أو أداة توظيف سياسي.
ومن هذا المنطلق يدعو التيار إلى ما يسميه "الإسلام الحضاري"، المؤكِد على أن الإسلام حثّ على العلم والمعرفة والبحث والتأمل في الكون وكان داعماً للحضارة الإنسانية في أزهى عصورها، قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» [رواه ابن ماجه]. وهذا الحديث يضع البحث العلمي في صلب الواجب الديني والأخلاقي، وليس مجرد خيار ثانوي.
والإسلام الحضاري هو نهج يُجسّد القيم الإسلامية الأصيلة التي تدعو إلى العلم والعمل والبناء والإتقان والعدل، بعيداً عن التشدد والغلو والأيديولوجيا.
وهو نظير "المدنية الإسلامية" التي تستلهم قيم العدل والمسؤولية الأخلاقية والإتقان لبناء المؤسسات ونشر المعرفة.
وفي صميم هذه الرؤية يأتي الاهتمام بالشباب والتعليم والتكنولوجيا، إذ أن نشر "الثقافة الحداثية" و"العقلية العلمية" يشكلان جوهر مشروع التيار في مواجهة الأفكار المتطرفة والاستبدادية، ولطالما أكد تيار المستقبل السوري على ضرورة مواءمة المناهج الأكاديمية مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وحذّر في أبحاثه السابقة من أزمة عدم التوافق بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل[1].
ثالثاً: المؤتمر الدولي الثاني للعلوم التربوية والنفسية – التوثيق والتحليل:
حقائق الحدث: [2]
نظّمت جامعة الفرات برعاية الأستاذ الدكتور مروان الحلبي وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مؤتمرها الدولي العلمي الثاني للعلوم التربوية والنفسية، تحت شعار "أوّلُ التمكُّن استثمارُ الممكن"، وبعنوان: "العلوم التربوية والنفسية: بين معطيات الواقع ومتطلَّبات التطوير".
تولّى رئاسة المؤتمر الأستاذ الدكتور منير الحبيب العاروض رئيس جامعة الفرات، وذلك في رحاب كلية التربية في جامعة الفرات بمدينة دير الزور، وخُصّص له يومي 12-13 أيار 2026.
كما جاء في برنامج المؤتمر المُعلن أن افتتاحه بدأ في صباح يوم 12 أيار، وتضمّنت جلساته الأولى محاور متخصصة تناولت قضايا جوهرية، مثل: "المعلم والمتعلم والصحة النفسية في ظل المتغيرات العالمية"، و"أثر المتغيرات العالمية على الضغوط النفسية للطلاب والمعلمين ودور الإدارة التربوية في الحد منها"، و"العلاقة بين صحة الالتزام الوظيفي والاحتراق النفسي"، و"الازدهار النفسي وعلاقته بتحفيز الذات لدى طلبة الجامعة"، بمشاركة باحثين من جامعات سورية وعربية (جامعة دمشق، جامعة كركوك، وغيرها).
قراءة تحليلية في دلالات الحدث:
يشكّل انعقاد هذا المؤتمر في هذا التوقيت تحديداً وفي موقع جغرافي حساس (دير الزور) رسالة واضحة بأربعة مستويات: أولها أن الجامعات السورية استعادت دورها الفاعل كمؤسسات علمية رائدة بعد أن كانت هدفاً للإهمال والتدمير الممنهج؛ وثانيها أن انفتاح سورية على المجتمع الأكاديمي العربي والدولي قد بدأ يأخذ أبعاداً عملية لا تقتصر على التصريحات السياسية، وثالثها أن الاهتمام بالعلوم التربوية والنفسية يشكّل اعترافاً ضمنياً بأهمية معالجة الصدمات النفسية الهائلة التي خلّفها النزاع الطويل على المجتمع السوري، ورابعها أن هذا المؤتمر إنما هو واحد من سلسلة مؤتمرات وفعاليات علمية تشهدها الجامعات السورية في عام 2026، مما يعكس حراكاً أكاديمياً متنامياً.
في السياق نفسه، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في 13 نيسان 2026 عن مؤشرات وإحصائيات محدثة عن القطاع[3]، كما شهدت مؤسسات التعليم العالي تطوراً لافتاً في التصنيفات العالمية؛ فقد أظهرت نتائج النسخة الجديدة من مؤشر ساينتفيك إندكس للجامعات لعام 2026 الصادر في 17 شباط 2026 إنجازاً أكاديمياً لافتاً لمؤسسات التعليم العالي في سورية، حيث تربّعت جامعة اللاذقية على قائمة الجامعات السورية في هذا التصنيف متقدّمة على جامعات دمشق وحلب وتشرين والبعث[4].
كما دخلت جامعة دمشق ضمن تصنيف QS العالمي لعام 2026 كأفضل الجامعات، لتصبح الجامعة السورية الوحيدة في هذا التصنيف[5].
رابعاً، مقاربة الموضوع من منظور "الإسلام الحضاري":
نرى من منظور "الإسلام الحضاري" الذي يحمله تيار المستقبل السوري، فإنّ عقد مؤتمر علمي دولي في جامعة الفرات هو تجسيد حي لهذه الرؤية.
فالتكامل بين العلوم التربوية والنفسية من جهة والثوابت الأخلاقية والحضارية من جهة أخرى هو السبيل الأنجع لإعادة بناء المجتمع السوري وتعزيز تماسكه.
والإسلام الحضاري يرفض الفصل المطلق بين المعرفة والخُلق، ويدعو إلى أن يكون العلم في خدمة الإنسان والمجتمع، وهو ما يتجلى في عناوين جلسات المؤتمر التي تركز على الصحة النفسية والضغوط التربوية.
كما نرى أن معالجة الاحتراق النفسي لدى المعلمين، وتعزيز الازدهار النفسي لدى الطلاب، هي قيم إسلامية أصيلة (العدل، الرحمة، حفظ الكرامة) مُعبَّر عنها بلغة علمية حديثة.
خامساً، التزامن مع حدث دولي بارز:
تجدر الإشارة إلى أن هذا المؤتمر العلمي يأتي بعد يوم واحد من إعلان الاتحاد الأوروبي (في 11 أيار 2026) عن إنهاء تجميد اتفاقية التعاون الاقتصادي مع سورية بعد قطيعة استمرت 14 عاماً[6]، وهو ما يمثل انفتاحاً أوروبياً تدريجياً على سورية الجديدة.
لايقتصر هذا الانفتاح على المجال الاقتصادي فقط، بل يمتدّ إلى مجالات التعليم والبحث العلمي، حيث سبق للاتحاد الأوروبي أن ناقش مع الحكومة السورية خططاً لتطوير التعليم العالي، تضمنت إعادة فتح مكتب إيراسموس+ في دمشق، الذي يوفّر منحاً تعليمية وبرامج تبادل واسعة للطلاب والموظفين والمتدرّبين.
وهذا التزامن يخلق فرصة تاريخية لمأسسة التعاون العلمي مع أوروبا، بنفس القدر الذي يشكّل فيه اختباراً لقدرة السوريين على تقديم رؤية أكاديمية تتماشى مع المعايير الدولية.
سادساً، تحليل الواقع والتحديات (بيانات وإحصائيات حديثة):
- إحصاءات القبول والتعليم العالي:
بحسب بيانات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بلغ عدد المتقدمين لمفاضلات القبول الجامعي للعام الدراسي 2025-2026 حوالي 256,891 طالباً وطالبة عبر التطبيق الإلكتروني[3].
وقد سجّلت الوزارة في العام السابق انخفاضاً عاماً وشاملاً في معدلات القبول والحدود الدنيا، وهو ما يشير إلى استمرار تأثير تداعيات النزاع السابق على الإقبال على التعليم العالي.
وتضم سورية حالياً 21 جامعة معتمدة تم التحقق منها عبر مصادر موثوقة للبيانات الأكاديمية. - ميزانية البحث العلمي:
تُعتبر ميزانية البحث العلمي من أكثر التحديات إلحاحاً.
فرغم إدراج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في موازنة 2026 التي أعلن الرئيس أحمد الشرع أنها تبلغ 10.5 مليارات دولار[7]، إلا أن المبالغ المخصصة للبحث العلمي لا تزال دون الطموحات التي تمكن الباحثين من القيام بأبحاث نوعية.
ويُعزى ذلك إلى أولوية إعادة الإعمار المادي على حساب الاستثمار المعرفي. - مشكلة هجرة العقول:
لا تزال سورية تعاني من هجرة الكفاءات العلمية، حيث غادر الكثير من الباحثين والأساتذة الجامعيين أثناء النزاع، وما زال البعض يفضل البقاء في الخارج بسبب ضعف الحوافز وانعدام البيئة البحثية الجاذبة.
وهذه المشكلة إن لم تُعالج، فستؤدي إلى إفراغ المؤسسات الأكاديمية من كوادرها وتقويض أي جهد للنهوض بالتعليم العالي.
سابعاً، توصيات ورؤية مستقبلية مستندة إلى تجارب مقارنة:
التوصيات العملية للنهوض بالبحث العلمي والتعليم العالي:
- إنشاء صندوق وطني لدعم البحث العلمي يكون مستقلاً إدارياً ومالياً، ويتولى تمويل الأبحاث التطبيقية ذات الأولوية الوطنية، على غرار صندوق قطر للتنمية الثقافية (صندوق "رواق" لدعم البحث العلمي) وتجربة ماليزيا مع "صندوق العلوم والتكنولوجيا".
- إطلاق برنامج "رفد" لإعادة استقطاب الكفاءات السورية المغتربة في الجامعات، يتضمن تقديم حوافز مادية وخدمية، مع توفير بيئة بحثية متطورة تمكّنهم من تقديم إضافات نوعية.
- هذه التجربة نجحت بشكل لافت في كوريا الجنوبية (برنامج "Brain Pool") وتركيا (برنامج "TÜBİTAK").
- تطوير مناهج الدراسات العليا لتتكامل مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية، مع التركيز على المجالات التكنولوجية الحديثة والطاقة المتجددة والتخطيط الحضري.
- مأسسة التعاون الأكاديمي مع الاتحاد الأوروبي من خلال إعادة تفعيل اتفاقيات التعاون القديمة واستحداث برامج تبادل أكاديمي مشترك (إيراسموس+، Horizon Europe).
- إنشاء مرصد سوري للإبداع العلمي يرصد ويُقيّم مخرجات البحث العلمي ويقدّم توصيات فنية للجهات المانحة والمستثمرين.
تجارب دولية ناجحة يمكن الاقتداء بها:
أ. تجربة الإمارات العربية المتحدة: استثمرت في إنشاء مراكز بحثية عالمية المستوى (جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي) واستقطبت كفاءات عالمية، وأخضعت التعليم العالي لمعايير جودة عالمية (اعتماد برامج الجامعات من هيئات دولية).
ب. تجربة ماليزيا: ربطت التعليم العالي بخطط التنمية الوطنية (رؤية 2020)، وأسست وكالة "MIMOS" لدعم البحث والتطوير التكنولوجي، مما جعل قطاع التصنيع عالي التقنية أحد روافد الاقتصاد الماليزي.
جـ. تجربة فنلندا: جعلت البحث العلمي حجر الزاوية في نظامها التعليمي، وصرفت على تدريب المعلمين وتطوير المناهج بما يتلاءم مع متغيرات العصر.
تحذير من تجارب فاشلة:
- تجربة ليبيا بعد 2011: حيث أُهملت منظومة التعليم العالي واعتمد الاقتصاد على الريع النفطي دون الاستثمار في الإنسان، مما أدى إلى تدهور كامل في البحث العلمي وهجرة كل الكفاءات.
- تجربة لبنان: حيث انهارت الجامعات الرسمية بسبب الاستقطاب السياسي وتكريس المحاصصة الطائفية في إدارة المؤسسات التعليمية.
الخاتمة:
في الختام، يكمن جوهر بناء سورية الجديدة في استثمار العقل السوري وتحريره من قيود الماضي.
إن المؤتمر الدولي الثاني للعلوم التربوية والنفسية في جامعة الفرات تجسيد ملموس لعودة سورية إلى خريطة البحث العلمي العالمي، ونرى أن البوصلة الأكاديمية الآن يجب أن تتجه نحو الانفتاح على العالم، وتجديد العقد بين الدولة والعلماء، وتمكين الشباب السوري من حمل مشعل النهضة.
وبدورنا، ندعو في تيار المستقبل السوري إلى الانتقال من حالة الترقب إلى حالة الإنجاز، ومن شعارات الإصلاح إلى علم الإصلاح.
ونحن على يقين من أن عصر بناء سورية يبدأ من رحاب الجامعات، وينتظر أن يضع كل من يستطيع العطاء لبنته الأولى.
قائمة المصادر والمراجع:
- تيار المستقبل السوري، "التقرير السنوي لعام 2025م"، 1 كانون الثاني 2026.
- جامعة الفرات، "المؤتمر الدوليّ العلميّ الثاني للعلوم التربويّة والنفسيّة بجامعة الفرات (إعلان وبرنامج)"، 12 أيار 2026.
- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، "مؤشرات وإحصائيات عن التعليم العالي"، 13 نيسان 2026.
- uni.sy، "ترتيب الجامعات السورية لعام 2026 وفق مؤشر ساينتفيك إندكس"، 17 شباط 2026.
- مؤسسة الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني (الرسمية السورية)، "جامعة دمشق ضمن تصنيف QS العالمي لعام 2026 كأفضل الجامعات"، 18 حزيران 2025.
- العربي الجديد، "الاتحاد الأوروبي ينهي تجميد اتفاق التعاون مع سورية"، 11 أيار 2026.
- الجزيرة نت، "الرئيس الشرع يعلن موازنة 2026.. 10.5 مليارات دولار"، 9 نيسان 2026.
بالإضافة إلى:
· موقع TopUniversities.com، تصنيف QS World University Rankings 2026 (تاريخ الدخول: 12 أيار 2026).
· مركز حرمون للدراسات المعاصرة، "تحديات التعليم العالي في سورية"، 2025. (للاستئناس)