رموز وأعلام الدولة في سورية (49): أليس قندلفت

تُعدّ أليس قندلفت واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ سورية الحديث، إذ ارتبط اسمها بلحظة حضور سورية في المحافل الدولية بعد الاستقلال، بوصفها أول امرأة عربية تمثل بلدها في الأمم المتحدة، وأول دبلوماسية سورية وعربية تخطو إلى قاعة المنظمة الدولية في أربعينيات القرن الماضي.

الجذور الدمشقية والامتداد التعليمي:

ولدت أليس متري قندلفت في دمشق عام 1892 لعائلة دمشقية عريقة من حي القيمرية في دمشق القديمة، وتنتمي إلى الطائفة الأرثوذكسية.
وكان والدها الأديب والشاعر متري قندلفت من الشخصيات السورية التي أسهمت في تأسيس مجمع اللغة العربية بدمشق.
تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي في المدرسة البطريركية الأرثوذكسية بدمشق، ثم انتقلت إلى بيروت حيث أتمت دراستها الثانوية في الكلية البروتستانتية السورية، المعروفة اليوم بالجامعة الأميركية في بيروت.

منحة ويلسون ومسار التخصص:

في عام 1919، منح الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، عبر لجنة كينغ كرين التي زارت سورية، منحتين دراسيتين لطالبتين سوريتين لمتابعة الدراسة العليا في الولايات المتحدة.
وقد رشح الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر السيدتين نازك العابد وأليس قندلفت للحصول على هاتين المنحتين.
وبينما رفض والد نازك العابد سفر ابنته قائلاً: «هذه أميركا وليست حمص»، وافق والد أليس على سفرها.
فسافرت إلى نيويورك، حيث حصلت على درجة الماجستير في علم النفس التربوي والإدارة المدرسية من كلية المعلمين في جامعة كولومبيا نحو عام 1921، ثم عادت إلى سورية بهدف الإسهام في تطوير تعليم الفتيات.

الانخراط في العمل التربوي والدبلوماسي:

عملت خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي في التدريس وإدارة المدارس في سورية ولبنان والعراق.
فتولت منصب أستاذة التربية في كلية المعلمين بدمشق، كما عملت مديرة لمدرسة المعلمات الحكومية في بغداد، ومديرة لمدرسة الأهليّة الخاصة للبنات في بيروت، إضافة إلى إدارتها المدرسة الثانوية للفنون والحرف في دمشق.

ومع بدايات تشكّل الدولة السورية المستقلة، اختارها فارس الخوري لتكون ممثلة سورية في الأمم المتحدة، فكانت أول سيدة عربية تمثل بلادها في المنظمة الدولية.
وفي عام 1945 حضرت جلسة الأمم المتحدة الخاصة بأوضاع المرأة حول العالم، وقدمت مداخلة تناولت أوضاع النساء في العالم العربي عامة، وفي سورية خاصة، كما دافعت عن استقلال سورية الكامل وإنهاء الانتداب الفرنسي عليها.

الصالون الثقافي والسياسي:

إلى جانب نشاطها الدبلوماسي، أسست أليس قندلفت عام 1942 صالوناً ثقافياً واجتماعياً في فندق أمية الكبير بساحة المرجة في دمشق، والذي كانت تملكه آنذاك.
وسرعان ما تحول ذلك الصالون إلى ملتقى لعدد من أبرز الشخصيات السياسية والثقافية السورية، من بينهم: عبد الرحمن الشهبندر، وفارس الخوري، وميشيل عفلق، وصلاح الدين البيطار، وفخري البارودي، إضافة إلى نخبة من الأدباء والشعراء، ومنهم عمر أبو ريشة.

سنواتها الأخيرة وإرثها:

في عام 1947 كانت مندوبة سورية في الدورة الأولى للجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة.
كما أسهمت في تأسيس الرابطة الوطنية للمرأة العربية عام 1945.
وبعد قيام الوحدة بين سورية ومصر عام 1958 وحل الأحزاب السياسية، انتهت حياتها السياسية بشكل مفاجئ، وغادرت سورية إلى لبنان.
ويُذكر أنه ولأسباب غير معلنة، مُحي اسمها لاحقاً من سجلات وزارة الخارجية السورية.
وقد بقيت في بيروت حتى وفاتها في أواسط ستينيات القرن الماضي، حيث دُفنت هناك.

موقف تيار المستقبل السوري:

إننا في تيار المستقبل السوري، وإذ نستحضر رموز الدولة السورية، نرى أن أليس قندلفت تمثل نموذجاً رائداً للمرأة السورية التي انتزعت مكانتها في العمل السياسي والدبلوماسي والثقافي بكفاءة وجدارة، لا بمنحة من أحد، مستفيدة من بيئة دمشقية ثقافية واجتماعية عريقة.

ويرى تيار المستقبل السوري أن استعادة هذه النماذج التاريخية ليس عملاً توثيقياً فحسب، بل ضرورة وطنية وسياسية لإعادة بناء الوعي الدولتي السوري، القائم على تراكم الخبرات والتجارب والاستفادة من دروس الماضي في بناء مستقبل البلاد.

وينظر التيار إلى سلسلة "رموز وأعلام الدولة في سورية" بوصفها جزءاً من مشروع وطني لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة السورية، وإحياء نموذج رجال ونساء الدولة القادرين على إدارة اللحظات الحرجة، وصون وحدة البلاد، واستعادة مكانتها الحضارية والسياسية.

وأخيراً، ورغم محو اسمها من السجلات الرسمية في مرحلة لاحقة، يبقى حضور أليس قندلفت في الذاكرة السورية علامة فارقة في تاريخ الدبلوماسية النسائية العربية والعالمية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

إطلاق المنظومة الوطنية لتقييم الأضرار على المباني والمنشآت الهندسية بعد الكوارث

يقدم تيار المستقبل السوري دعمه للمنظومة الوطنية لتقييم الأضرار، خطوة مهمة نحو تحسين الأمان والاغاثة بعد الكوارث.

12 مايو 2026

إدارة الموقع

اليوم العالمي لصحة النبات

اليوم العالمي لصحة النبات يمنحنا فرصة لتسليط الضوء على أهميته في الأمن الغذائي وحماية المحاصيل من الآفات.

12 مايو 2026

إدارة الموقع