تابع تيار المستقبل السوري باهتمام كبير التقرير الصادر يوم الأربعاء 15-04-2026 عن فريق الخبراء الأممي المعني بسيادة القانون والعنف الجنسي في حالات النزاع، والذي أشاد بما وصفه بـ "التقدم الملحوظ" الذي أحرزته سورية في ملف العدالة الانتقالية خلال عام واحد فقط، منذ سقوط النظام البائد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وفي الوقت الذي نثمن فيه هذا الاعتراف الأممي بالجهود الوطنية المبذولة، فإننا في تيار المستقبل السوري نرى في هذا التقرير أكثر من مجرد تقييم مرحلي، إنه وثيقة تحذيرية بامتياز، تكشف الهشاشة التي تكتنف هذا المسار، وتؤكد أن ما تحقق حتى الآن ليس نهاية الطريق، بل مجرد بداية تتطلب تضافر الجهود الوطنية والدولية للحفاظ عليها.
أولاً، ما جاء في التقرير الأممي – قراءة في التفاصيل:
أفاد الفريق الأممي، الذي يعمل في سورية منذ سقوط النظام البائد بموجب قرار مجلس الأمن 1888، بأن الجهود الوطنية أثمرت عن تعاون وثيق بين الأمم المتحدة والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وهيئة المفقودين، ووزارات العدل والصحة والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني.
غير أن التقرير كشف حقائق صادمة تستحق الوقوف عندها:
- أ. حجم العنف الجنسي المنهجي: أكدت المحللة القضائية صوفيا كاندياس أن العنف الجنسي خلال الحرب كان واسع النطاق وممنهجاً، استُخدم كأداة متعمدة للإذلال والعقاب، ولم يكن مجرد تجاوزات فردية.
ب. استهداف الرجال والفتيان: بينما تأثرت النساء والفتيات بشكل غير متناسب، كشف التقرير أن الرجال والفتيان تعرضوا لاستهداف شديد، لا سيما في أماكن الاحتجاز، وإحدى المنظمات الشريكة وثقت أن 98% من الرجال والفتيان أبلغوا عن تعرضهم للعنف الجنسي. - جـ. الوصمة الاجتماعية كأكبر عائق: تعتبر الوصمة الاجتماعية العائق الأكبر أمام تحقيق العدالة، وتعمل على مستويات متعددة: داخل الناجي نفسه، وداخل مجتمعه، وعلى المستوى الاجتماعي الأوسع.
ونتيجة لذلك، فإن العديد من الناجين لا يتحدثون أبداً. - د. ضعف القدرات المؤسسية: أدت سنوات النزاع إلى إفراغ الأنظمة الطبية والطب الشرعي والقضائية في البلاد.
وبدون قدرات طب شرعي كافية، لا يمكن جمع الأدلة أو حفظها بشكل صحيح. بدون محققين ومدعين عامين مدربين، لا يمكن للملفات أن تتقدم. - هـ. تراجع التمويل الدولي: انخفض دعم منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية خلال العام الماضي، في وقت تشتد فيه الحاجة إليه.
والخطر ليس فقط الجمود، بل الانتكاس، وإذا لم تتوافر الموارد، فقد تضيع الأدلة، وقد ينأى الناجون بأنفسهم، وقد تتآكل الثقة المبكرة في المؤسسات الناشئة.
ثانياً، موقف تيار المستقبل السوري:
يأتي هذا التقرير ليعزز ما سبق أن دعا إليه تيار المستقبل السوري في أكثر من مناسبة، ويؤكد صحّة التحذيرات التي أطلقناها سابقاً.
نستحضر في هذا السياق مانشرناه عبر موقع تيار المستقبل السوري الرسمي:
- "هيئة العدالة الانتقالية، ضرورةُ المرحلة" (13 كانون الثاني 2025): في هذه الورقة التأسيسية، دعونا إلى إنشاء هيئة عدالة انتقالية مستقلة كأولوية وطنية قصوى، وحذرنا من أن أي تأخير في هذا الملف سيكلف البلاد ثمناً باهظاً على صعيد الثقة المجتمعية والاستقرار.
- "حول العدالة الانتقالية طريق إلى السلم الأهلي والمصالحة الوطنية" (14 حزيران 2025): حيث شدد تيار المستقبل السوري في هذه الورقة على أن العدالة الانتقالية تشكل حجر الزاوية في بناء السلم الأهلي، وأكد أن العدالة لا ينبغي أن تكون أداة للثأر أو تصفية الحسابات، بل وسيلة لقطع الطريق على التكرار، ولبناء ثقة مجتمعية في مؤسسات دولة ما بعد الصراع.
إن تيار المستقبل السوري، إذ يتابع بقلق بالغ التحذيرات الأممية حول تراجع التمويل وتهديد الأدلة بالضياع وتآكل الثقة، يؤكد على ما يلي:
- أولاً، العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً ولا بنداً قابلاً للتأجيل، بل هي حجر الأساس لأي عملية انتقالية تسعى لمنع تكرار الانتهاكات وضمان استقرار سورية الجديدة.
- ثانياً، لا يمكن فصل مسار العدالة الانتقالية عن متطلباته الأساسية: إعادة تأهيل الأنظمة الطبية والطب الشرعي والقضائية، وتدريب الكوادر الوطنية على معايير التحقيق والمحاسبة الدولية، وتوفير الدعم النفسي والطبي والقانوني للناجين.
- ثالثاً، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يكتفي بالإشادة بالتقدم ثم يترك هذه الجهود دون دعم، فالخطر حقيقي، من فقدان الأدلة، وتآكل الثقة، وانكفاء الناجين.
ونرى أن هذه ليست سيناريوهات افتراضية، بل نتائج حتمية لتراجع الدعم. - رابعاً، على الحكومة السورية أن تتعامل بجدية مع توصيات التقرير، وأن تعمل على:
- الإسراع في إقرار قانون العدالة الانتقالية أمام مجلس الشعب القادم.
- تخصيص ميزانية كافية لدعم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين.
- فتح قنوات تعاون حقيقية مع منظمات المجتمع المدني، التي وصفها التقرير الأممي بأنها "العمود الفقري للعدالة الانتقالية" والطريقة الوحيدة للاستماع حقاً إلى الناجين.
- ضمان الشفافية في إجراءات المحاكمات، مع مراعاة حماية الضحايا والشهود.
ثالثا، دعوة للاستثمار:
إن تيار المستقبل السوري يرفع صوته عالياً ليؤكد ما جاء في التقرير الأممي من أن هذه هي لحظة الاستثمار.
فإن التقدم السريع الذي أحرزته سورية خلال عام واحد هي فرصة نادرة، لكنها فرصة هشة، تعتمد على دعم مستدام.
والفارق بين "فقدان الأدلة" و"تآكل الثقة" هو فارق بين مسار عدالة ناجح وعقود إضافية من الإفلات من العقاب.
يدعو تيار المستقبل السوري المجتمعَ الدولي، وفي مقدمته الدول المانحة والأمم المتحدة ومؤسسات التمويل الدولية، إلى:
- تخصيص تمويل عاجل وكافٍ لدعم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وهيئة المفقودين، والمنظمات الأهلية التي تعمل على توثيق الانتهاكات وتقديم الخدمات للناجين.
- توفير الدعم التقني والتدريبي للأنظمة الطبية والطب الشرعي والقضائية، لتمكينها من القيام بدورها في جمع الأدلة وحفظها.
- دعم برامج مكافحة الوصمة الاجتماعية من خلال حملات توعية وبرامج دعم نفسي واجتماعي، لتهيئة البيئة الآمنة التي تشجع الناجين على التقدم.
خاتمة:
إن تيار المستقبل السوري يجدد تأكيده أن العدالة الانتقالية اختبارٌ حقيقي لمدى التزام سورية الجديدة ببناء دولة القانون والمؤسسات.
وهي الطريق الوحيد لكسر حلقة العنف والإفلات من العقاب، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتأسيس عقد اجتماعي جديد قائم على الكرامة والعدالة.
ونرى أن ما تحقق خلال عام هو بداية واعدة، لكنها تبقى هشة دون دعم.
ونحن في تيار المستقبل السوري نعلن استعدادنا الكامل للمساهمة بكل طاقاته الفكرية والاستشارية والمجتمعية في إنجاح هذا المسار، انطلاقاً من إيماننا الراسخ بأنه لا سلام بدون عدالة، ولا مستقبل بدون حقيقة.