يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ تطورات ملف إضراب عمال شركة "زنوبيا" لصناعة السيراميك والغرانيت في منطقة الكسوة بريف دمشق، والذي استمر لعدة أيام احتجاجاً على تدني الأجور وتدهور ظروف العمل.
ويُثمن عالياً الجهود التي بذلتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بقيادة الوزيرة هند قبوات، والتي تكللت بالتوصل إلى اتفاق يوم الاثنين 15 حزيران/يونيو 2026، لينهي الإضراب الذي كان قد دخل يومه الثامن على التوالي، ويُمثل نموذجاً يحتذى به في الحوار الاجتماعي المسؤول بين أطراف الإنتاج الثلاثة: الحكومة، وأصحاب العمل، والعمال.
أولاً: يُثمّن تيار المستقبل السوري مضمون الاتفاق الذي يُعد خطوة نحو تحسين أوضاع العمال، لكنه يؤكد على أن استدامته هي الاختبار الحقيقي لجديته.
حيث ينص الاتفاق على زيادة الأجور بمقدار 700 ألف ليرة سورية قديمة، تُصرف بأثر رجعي اعتباراً من بداية حزيران/يونيو الجاري. كما يشمل الاتفاق إجراءات عملية لتحسين بيئة العمل، تشمل تعزيز معايير السلامة المهنية، وتأمين الرعاية الصحية والفحوص الطبية الدورية للعاملين.
وتيار المستقبل السوري يرى أن هذه البنود تُعالج كخطوة أولية جوهر المطالب العمالية التي كانت واضحة منذ بداية الإضراب، والتي تشمل زيادة الرواتب لتتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتحسين ظروف العمل، وتوفير التأمين الصحي، وضمان احترام الحقوق العمالية داخل الشركة.
وإذ نُشيد بهذا الإنجاز، فإننا نُذكّر بأن قيمة الزيادة تظل في النهاية خاضعة لقوة العارض والطالب، في ظل غياب تشريعات وطنية موحدة تحدد الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص وتربطه بمؤشرات التضخم وغلاء المعيشة.
ثانياً: يستذكر تيار المستقبل السوري مواقفه الثابتة والمنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد أن حقوق العمال هي خط أحمر، وأن الحوار الاجتماعي هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والتنمية.
إذ سبق لتيار المستقبل السوري أن أصدر بياناً بتاريخ 8 حزيران/يونيو 2026، تحت عنوان "إضراب عمال شركة زنوبيا للسيراميك في ريف دمشق" ، ناقش فيه حيثيات الإضراب وتداعياته، وطالب الحكومة وأصحاب العمل بتحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية في حماية حقوق العمال.
كما أصدر التيار بياناً في 1 أيار/مايو 2026، بمناسبة "يوم العمال العالمي" ، جدد فيه التزامه بحماية حقوق نحو 1.25 مليون عامل مسجل في مؤسسات الدولة، مؤكداً على أن كرامة العامل من كرامة الوطن.
وتظهر هذه الإحالات المتسلسلة أن تيار المستقبل السوري لا يتعامل مع هذه القضية بوصفها حدثاً معزولاً، بل يتابعها باستمرارية ويدرك أبعادها البنيوية.
ثالثاً: يُبدي تيار المستقبل السوري تفاؤلاً مشروطاً، ويُقدّم مجموعة من التوصيات العملية لتجنيب القطاع الخاص هزات عمالية مستقبلية، وضمان استدامة العلاقة بين العمال والإدارة.
فما حدث في شركة "زنوبيا" مؤشر على حالة احتقان عمالي واسعة في عدد من المنشآت الصناعية السورية الخاصة، نتيجة تراجع القدرة الشرائية واستمرار ارتفاع الأسعار.
ولتجنب تكرار هذه السيناريوهات، ولضمان أن يتحول هذا الاتفاق إلى نقطة تحول حقيقية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- تفعيل دور النقابات العمالية المستقلة في القطاع الخاص، وتعزيز مفاوضات العمل الجماعي التي تشكل وسيلة حضارية وإنسانية لتسوية النزاعات قبل أن تتفاقم وتتحول إلى إضرابات مكلفة للجميع.
- إصدار تشريع وطني موحد يحدد الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، ويربطه بمؤشرات تضخم وغلاء معيشة يتم تحديثها دورياً، لوضع حد للتفاوت الصارخ بين الأجور وتكاليف المعيشة، ودعم التفاوض الفردي بين العامل وصاحب العمل.
- تطوير نظام حوافز وإنتاجية في الشركات الصناعية الكبرى، يعزز ارتباط الأجر بالإنتاج، ويخلق حالة من الشراكة الحقيقية بين العمال والإدارة، بدلاً من العلاقة التقليدية القائمة على الأجر الثابت والاستغلال.
- إنشاء وحدة حكومية متخصصة في الوساطة وحل النزاعات العمالية، تتولى التدخل السريع قبل تفاقم الأزمات، وتعمل على تقريب وجهات النظر بين العمال وأصحاب العمل، والحفاظ على استمرارية الإنتاج.
ختاماً: يُجدد تيار المستقبل السوري تأكيده على أن الاستثمار في الإنسان السوري، وتأمين حياة كريمة للعامل وعائلته، هو الاستثمار الحقيقي الذي يعيد بناء سورية الجديدة.
وندعو الحكومة والقطاع الخاص إلى النظر إلى العمال كشركاء في النجاح، لا كأداة إنتاج قابلة للاستهلاك.
ونعتبر نجاح تجربة شركة"زنوبيا" يجب ألا يبقى استثناءً، بل ينبغي أن يتحول إلى نموذج معمم يُحتذى به في كافة القطاعات، وأن يُبنى عليه لإنشاء منظومة عمل متكاملة قائمة على الحقوق والواجبات والحوار، بدلاً من الأزمات والإضرابات.