النخبة الفكرية السورية في مرحلة المخاض البنيوي

ملخص تنفيذي:

تمثل هذه الدراسة مقاربة نظرية أولية لدور النخبة الفكرية في عملية بناء الدولة السورية الحديثة، انطلاقاً من أطروحة "المخاض البنيوي" التي تمر بها البلاد.
تتجاوز الدراسة النظرة التقليدية للنخبة كفئة نخبوية مغلقة، إلى اعتبارها "كتلة تاريخية" (بتعبير غرامشي) ملزمة بردم الهوة بين التخطيط الاستراتيجي والواقع الشعبي، وتحويل دور المثقف من متلقٍ ومراقب إلى منتجٍ مشاركٍ في هندسة السياسات وصناعة أدوات الحكم الرشيد.
وتُسلّط الدراسة الضوء على التحديات البنيوية التي تعترض هذا الانتقال، بدءا من فجوة البحث العلمي، مروراً بهجرة العقول، وصولا إلى أزمة الإنتاج المعرفي، وتختتم برؤية استراتيجية (خارطة طريق) تقوم على مأسسة المشورة، واستقطاب الكفاءات المهاجرة رقميا، والاستثمار في نخبة الظل الشبابية، وصياغة ميثاق ثقافي جديد لمفاهيم المواطنة والاستحقاق.

المقدمة:

تمر الدولة السورية المعاصرة بمرحلة "مخاض بنيوي" تتطلب أكثر من مجرد ترميم مادي، إنها تستوجب إعادة صياغة العقد الاجتماعي والفكري.
هنا، تظهر "النخبة" كضرورة وجودية لإدارة الانتقال من حالة الأزمة إلى استدامة الدولة الحديثة.
في هذا السياق، تبحث هذه الدراسة في الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به النخب الفكرية في إعادة بناء سورية، ليس كمراقبين سلبيين، بل كفاعلين أساسيين في تشكيل ملامح المستقبل.

أولاً، سوسيولوجيا النخبة في السياق السوري – من النخبة الحاكمة إلى الكتلة التاريخية:

لم تعد النخبة الفكرية وفق منظور (فيلفريدو باريطو) مجرد فئة مهيمنة، بل يمكن اعتبارها في السياق السوري "كتلة تاريخية" (بتعبير أنطونيو غرامشي) مُطالبة بردم الفجوة بين التخطيط الاستراتيجي والواقع الشعبي.
ففي عمله الضخم "العقل والمجتمع" (1916)، طرح باريطو مفهوم تداول النخب، مؤكداً أن التاريخ هو سلسلة متعاقبة من صعود نخب جديدة وانهيار قديمة.
هذه المقاربة، وإن كانت مثيرة للجدل، تقدم إطاراً لفهم تحولات القيادة في فترات الأزمات.

يرى هنا تيار المستقبل السوري أن الحالة السورية تُظهر حاجة ملحة لظهور نخب فكرية جديدة تمتلك رؤية استشرافية وخبرات قيادية تستجيب لمتطلبات الدولة الحديثة، مع التأكيد على أن هذا الطرح يندرج ضمن التحليل السياسي وليس حكما مسبقا على واقع معين.
على أنه يتجاوز دور النخبة في بناء الدولة الحديثة "الوعظ" إلى "الهندسة الاجتماعية"، حيث يتحول المثقف من مراقب للمشهد إلى شريك في إنتاج أدوات الحكم الرشيد وتطوير المؤسسات.
وقد كان هذا التحول محوريا في تجارب دول خاضت حروبا أهلية وتمكنت من النهوض، مثل رواندا بعد عام 1994، حيث اعتمدت الحكومة الانتقالية على كوادر وطنية شابة ومؤهلة بالتعاون مع الكفاءات المهاجرة في الشتات، وفقاً لتقارير البنك الدولي ومنظمات التنمية الدولية.
كما استفادت كل من ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وسنغافورة بعد الاستقلال من نخبها المدربة، محوّلة المثقفين إلى مهندسي سياسات تنموية.
تشير هذه التجارب إلى أن النخب الأكثر تأثيرا في بناء الدولة هي تلك التي تمتلك مشروعاً وطنيا قابلاً للتنفيذ، وتتفاعل بمرونة مع التحولات الرقمية والمعرفية.

ثانياً، التحول الثقافي وتحدي تحديث المفاهيم:

تكمن المهمة الأشق للنخب الفكرية اليوم في "تحديث المفاهيم" دون الاغتراب عن الهوية الوطنية.
حيث إن الانتقال من مجتمع استهلاكي إلى منتج للمعرفة يتطلب قراءة موضوعية في رأس المال الفكري.
في هذا السياق، يُجمع العديد من الباحثين، مثل عبد الإله بلقزيز ومحمد عابد الجابري، على أن إشكالية النخب العربية تكمن أحياناً في كونها نخبا ناقلة للفكر أكثر منها منتجة له، مع غياب "المثقف العضوي" (بتعبير غرامشي) الذي يمثل بطرحه هموم بيئته.
تعكس هذه المعضلة واقعاً جزئياً للنخبة الفكرية في سورية، حيث انحصر دورها غالباً في التعليق على الأحداث بدل صياغة بدائل استباقية.
هذا، وتشير بيانات مؤشر المعرفة العالمي (GKI) 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، إلى أن سورية حصلت على 21.4 نقطة من أصل 100، وهو ما يضعها في مراتب متأخرة ضمن الدول العربية، مما يعكس فجوة معرفية حادة في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والبنية التحتية الرقمية.
وقد واجه قطاع البحث العلمي في سورية تحديات بنيوية نتيجة الأزمة، تمثلت في تراجع الإنفاق على البحث والتطوير ليتراوح بين 0.2% و 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي (وفقاً لتقديرات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – الألكسو)، وهو ما يضع النخبة أمام مسؤولية ابتكار حلول "منخفضة التكلفة وعالية الأثر" تزاوج بين الأصالة والحداثة.

ومن جهة أخرى، تعيد الثورة الرقمية تعريف مفهوم السلطة الثقافية، فلم تعد السلطة الثقافية حكراً على من يمتلك المعرفة فقط، بل أيضا على من يتحكم في آلية نشرها.
وهذا يفرض على النخب السورية تحديات جديدة في كيفية إنتاج المحتوى ونماذج القيادة المؤثرة في الفضاء الرقمي، بما يضمن عدم استمرار الفجوة الرقمية التي قد تعمق العزلة المعرفية بين النخب والجمهور.

ثالثاً، تحديات الانتقال من متلقي معرفة إلى منتج معرفة:

تُشير تقديرات المنظمات الدولية، مثل المنظمة الدولية للهجرة (IOM) و لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، إلى أن سورية فقدت جزءا هاما من نخبتها العلمية والأكاديمية خلال سنوات الأزمة، (مصطلح الأزمة هنا موضوعي غير منحاز).
ففي تقرير "حالة الهجرة الدولية في المنطقة العربية" الصادر عن الإسكوا عام 2025، ورد أن النزاع السوري تسبب في نزوح أعداد كبيرة من حملة الشهادات العليا والمتخصصين، مما أثر على قدرة المؤسسات الوطنية على التخطيط والتنفيذ بكفاءة.
ليصبح دور النخبة "المقيمة" اليوم هو اجتراح آليات لربط هذه الكفاءات المهاجرة بمؤسسات الدولة عبر "الشبكات المعرفية الرقمية".
كما وتشير بعض دراسات الحالة (Case Studies) التي أجرتها منظمات مثل البنك الدولي واليونسكو إلى أن الدول التي استعادت توازنها بعد النزاعات (مثل رواندا والبوسنة والهرسك) استفادت بشكل كبير من مساهمات نخبها المغتربة في مجالات نقل التكنولوجيا وتحديث الإدارة العامة، وإن كانت النسب المئوية تختلف بشكل كبير حسب السياق ولا يمكن تعميمها.
من هنا، يرى تيار المستقبل السوري أن الانتقال من "متلقي معرفة" إلى "منتج لها" يمثل ضرورة سيادية، ويتطلب وضع آليات وطنية منظمة لاستقطاب الكفاءات المهاجرة.

وهنا كما نرى فإنه تبرز التحديات الرئيسية التي تواجه النخب الفكرية السورية:

  1. هجرة العقول ونزيف الكفاءات، حيث أثرت بشكل مباشر على جودة التعليم العالي والبحث العلمي، وخلقت فجوة في نقل الخبرات بين الأجيال.
  2. أزمة الإنتاج المعرفي، والتي تتمثل في غياب بيئة بحثية محفزة، وندرة التمويل، وضعف الربط بين مخرجات البحث واحتياجات التنمية.
  3. فجوة الأدوات الرقمية والتكنولوجية، حيث تعيق وصول النخب إلى أحدث المصادر والمنهجيات، وتحد من قدرتها على التواصل مع النخب العالمية.
  4. الانتقال من مرحلة النقد إلى مرحلة البناء، والذي يتطلب تغييرا في ثقافة العمل النخبوي، من التركيز على رصد الانتهاكات وتوصيف الأزمات، إلى صياغة السياسات والمشاريع التنموية القابلة للتنفيذ.

رابعاً، توصيات (خارطة طريق):

مأسسة "المشورة النخبوية":

إنشاء مجالس استشارية تخصصية (اقتصادية، تربوية، صحية، بيئية، قانونية) تابعة لمؤسسات الدولة (مجلس الوزراء، رئاسة الجمهورية، البرلمان القادم، كافة المؤسسات الحكومية)، تقدم "دراسات أثر" علمية محايدة قبل إقرار السياسات العامة الكبرى، على غرار "المجلس الوطني للبحوث" في سنغافورة و"مجلس المستشارين الاقتصاديين" في ألمانيا.
وتُعتمد عضوية هذه المجالس بناءً على الكفاءة والخبرة، وتُجدد دوريا لضخ دماء جديدة.

إطلاق "منصة الكفاءات السورية":

إنشاء قاعدة بيانات رقمية وطنية تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وبالتعاون مع وزارة الخارجية والمغتربين، تعمل كجسر رقمي يربط النخب المهاجرة (باحثين، أكاديميين، مهنيين) بمشاريع التنمية الداخلية عبر:

  • الاستشارات عن بُعد (في مجالات التخطيط، الإدارة، الهندسة، الطب، الزراعة، الطاقة).
  • الإشراك في الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه.
  • تنفيذ برامج تدريبية وتأهيلية عبر الفيديوكونفرانس.
  • استقطابهم للمشاركة في مؤتمرات وورش عمل دورية داخل سورية.
  • يهدف هذا الإجراء إلى تحويل "نزيف العقول" إلى "تداول معرفي" مستدام.

الاستثمار في "نخبة الظل" (الشباب):

تفعيل دور الجامعات السورية كحواضن للأعمال والابتكار ومراكز بحثية تطبيقية، مع التركيز على "توطين التكنولوجيا" لسد الفجوة الرقمية، من خلال:

  • إنشاء صناديق تمويل مصغرة (قروض ميسرة، ومنح تنافسية) للأفكار الابتكارية والمشاريع الريادية للشباب.
  • تطوير برامج الدراسات العليا (ماجستير، دكتوراه) لتكون قائمة على المشاريع التطبيقية التي تخدم احتياجات سوق العمل والمجتمع.
  • ربط الجامعات بالقطاع الخاص والصناعي لتمويل الأبحاث التطبيقية وتوفير فرص تدريب للطلاب.

تطوير "الميثاق الثقافي الجديد":

قيام النخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية بصياغة خطاب وطني مشترك (يمكن تسميته "ميثاق ثقافي" أو "وثيقة وطنية للخطاب العام")، يعمل على تفكيك مفاهيم الأزمة (الكراهية، العنف، الانقسام، المحاصصة) واستبدالها بمفاهيم "المواطنة الرقمية" (بما يتضمن حقوق وواجبات المواطن في العصر الرقمي)، و"الاستحقاق المعرفي" (جعل المعرفة معيارا للتقدم الوظيفي والاجتماعي)، و"المواطنة الاقتصادية" (ربط الحقوق والواجبات بالمساهمة في التنمية).
وبذلك تكون النخب الفكرية راعية لترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية ونبذ العنف والانقسام، مستفيدة من تجارب دول مثل رواندا (لجان المصالحة والميثاق الوطني) وألمانيا (ثقافة الاعتراف بالمسؤولية التاريخية).

خاتمة:

إن بناء الدولة الحديثة في سورية "فعل إرادي معرفي".
وإن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بمدى قدرة النخبة على التحول من "توصيف الواقع" إلى "صناعة البدائل"، لتكون البوصلة التي تقود السفينة نحو شاطئ الحداثة الوطنية الشاملة.
فالدولة الحديثة كما تُبنى بالقرارات الإدارية، فإنها تُبنى أيضا بإنتاج المعرفة وتطويعها لخدمة التنمية والسلام.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تقرير "رايتس ووتش" حول معاناة عائلات المفقودين في سورية

تقرير 'رايتس ووتش' حول معاناة عائلات المفقودين في سورية والعوامل القانونية المؤثرة.

8 أبريل 2026

إدارة الموقع

قرار وزير الطاقة إيقاف الموظف "طلال الحلاق"

قرار وزير الطاقة إيقاف الموظف طلال الحلاق وأثره على محاسبة الفساد.

8 أبريل 2026

إدارة الموقع