جريمة الاتجار بالأشخاص في سورية

أولاً، الملخص التنفيذي:

تتناول هذه الدراسة جريمة الاتجار بالأشخاص في سورية، مستندة إلى واقعة "أبو باسم" التي أثارت جدلاً واسعاً في الرأي العام السوري، حيث وُجهت إليه تهمة الاتجار بالبشر بعد أن قام بتصوير فيديو يظهر فيه وهو يضرب عمالته أمام الكاميرا بدعوى أنها "دعاية" وأنهم "راضون".
وتُظهر الدراسة أن هذه الواقعة ليست حالة معزولة، بل تعكس ظاهرة أوسع في المجتمع السوري، حيث أشارت تقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى أن 86% من المشاركين في استبيان لها يرون أن الاتجار يمثل مشكلة في مجتمعاتهم، وأن 52% منهم تعرضوا لوضعيات مرتبطة بالاتجار.
وتستند الدراسة إلى المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 الذي يُجرّم الاتجار بالأشخاص في سورية، وإلى تقارير دولية حديثة مثل تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2025 الذي صنّف سورية ضمن المستوى الثالث (Tier 3)، وتقرير منظمة العمل الدولية حول العمل القسري، بالإضافة إلى تقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) والشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ثانياً، الإطار القانوني لجريمة الاتجار بالأشخاص:

تعريف الجريمة في القانون السوري:

عرّف المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 جريمة الاتجار بالأشخاص بأنها: "استدراج أشخاص أو نقلهم أو اختطافهم أو ترحيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم، لاستخدامهم في أعمال أو لغايات غير مشروعة، مقابل كسب مادي أو معنوي، أو وعد به، أو سعياً لتحقيق ذلك".
وتتحقق الجريمة بتوافر ثلاثة عناصر مترابطة: الإيواء، والاستغلال، والمنفعة المادية.

أركان الجريمة ونطاقها:

  • الركن المادي: يشمل الأفعال التحضيرية (الاستدراج، النقل، الخطف، الترحيل، الإيواء، الاستقبال).
  • الركن المعنوي: القصد الجنائي المتمثل بالرغبة في تحقيق كسب مادي أو معنوي.
  • وسائل الإكراه: أوجبت المادة الرابعة – الفقرة الثانية من المرسوم، أن الجريمة تقع سواء باستعمال القوة، أو التهديد، أو العنف، أو الإقناع، أو استغلال الجهل أو الضعف، أو الاحتيال، أو الخداع، أو استغلال المركز الوظيفي، أو التواطؤ، أو تقديم المساعدة ممن له سلطة على الضحية.
  • وتؤكد المادة الرابعة – الفقرة الثالثة أن "في جميع الحالات لا يُعتدّ بموافقة الضحية"، وهو ما يُسقط دفاع الإكراه التي قد يثيرها المتهم.

العقوبات في القانون السوري:

  • العقوبة الأساسية: الحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مئة ألف إلى مئتي ألف ليرة سورية، في حالات الاتجار البسيطة.
  • العقوبة المشددة: تصل إلى السجن المؤبد في حالات الاختطاف أو الاتجار بالأطفال أو القاصرين.
  • أحكام إضافية: ينص المرسوم على إنشاء دور لرعاية ضحايا الاتجار بالأشخاص تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وإنشاء إدارة متخصصة بمكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص في وزارة الداخلية.

ثالثاً، واقع الجريمة وتحليلها الإحصائي:

التصنيف الدولي لسورية:

صنفت وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها لعام 2025 سورية ضمن المستوى الثالث (Tier 3)، وهو الأسوأ في التصنيف، وأشار التقرير إلى أن نظام الأسد البائد لم يستوفِ الحد الأدنى من معايير القضاء على الاتجار بالأشخاص، ولم يبذل جهوداً كبيرة في هذا المجال.
وأكد التقرير أن النظام البائد استغل مواطنيه في العمل القسري ضمن خدمة العلم الإلزامية من خلال إبقائهم لفترات غير محددة تحت تهديد الاحتجاز والتعذيب.

الإحصاءات والبيانات الميدانية:

كشف تقييم سريع أجرته المنظمة الدولية للهجرة (IOM) في كانون الأول/ديسمبر 2024 بالتعاون مع مجموعة الحماية في شمال غرب سورية النتائج التالية:

  • 86% من المشاركين يرون أن الاتجار يمثل مشكلة في مجتمعاتهم.
  • 52% تعرضوا لوضعيات مرتبطة بالاتجار.
  • 14% أُجبروا على العمل أو وُضعوا في ظروف استغلالية.
  • 46% يعرفون شخصاً من سورية تعرض للاتجار.
  • 24% من الرجال تعرضوا للخداع للسفر أو العمل بوعود كاذبة.

أشكال الاتجار السائدة في سورية:

وفقاً لتقرير المنظمة الدولية للهجرة، تتركز أشكال الاتجار في سورية في العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والتجنيد القسري، بالإضافة إلى ممارسات مرتبطة بالاتجار مثل زواج الأطفال والتشرد والنزوح والعنف الأسري.

رابعاً، تحليل واقعة "أبو باسم" في ضوء القانون:


تقدم واقعة "أبو باسم" نموذجاً حياً لتطبيق قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص في سورية.
فالمتهم كان يعمل في مجال التسويق التجاري، وقام بتصوير فيديو يظهر فيه وهو يضرب عمالته أمام الكاميرا بحجة أنها "دعاية"، مدعياً أنهم "راضون" عن ذلك.
وقد أُحيل إلى فرع المباحث الجنائية – قسم مكافحة الاتجار بالبشر، ووُجّهت إليه تهمة الاتجار بالأشخاص استناداً إلى المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010.

يكشف التحليل القانوني للواقعة أن أركان الجريمة متحققة بالكامل:

  • عنصر الإيواء: كان المتهم يوفر مسكناً للعمال.
  • عنصر الاستغلال: كان يستغل العمال في أعماله التجارية ويضربهم.
  • عنصر المنفعة المادية: كان يحقق أرباحاً من عملهم.


وتؤكد المادة الرابعة – الفقرة الثالثة من المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 أن موافقة الضحايا (حتى لو صرّحوا بأنهم "راضون") لا يُعتد بها في جميع الأحوال، مما يُسقط أي دفاع قد يثيره المتهم بهذا الشأن. كما تثبت الواقعة المبدأ القانوني الراسخ: "الجهل بالقانون لا يُسقط المسؤولية الجنائية" ، حيث ادعى المتهم أنه كان يصوّر مجرد "دعاية" دون أن يدرك أن أفعاله تشكل جريمة يعاقب عليها القانون.

خامساً، آليات المكافحة والاستجابة:

الجهود الدولية:

  • نظّمت المنظمة الدولية للهجرة برنامجاً تدريبياً في نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025 استهدف 80 مشاركاً (45 رجلاً و35 امرأة) في محافظتي حلب وإدلب وفي غازي عنتاب بتركيا، بهدف تعزيز قدرات العاملين الإنسانيين على تحديد مخاطر الاتجار والتصدي لها.
  • أظهرت لوحة متابعة الحماية التابعة لمجموعة الحماية ارتفاع نسبة المخبرين الرئيسيين الذين أبلغوا عن حالات اتجار من 3% إلى 13%، نتيجة تحسين قدرة العاملين على التعرف على مؤشرات الاتجار.
  • أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في أيلول/سبتمبر 2025 عن نشر التقرير السنوي الخامس والعشرين لمكافحة الاتجار بالبشر، الذي شدد على ضرورة اتخاذ الدول إجراءات جادة لمكافحة استغلال العمالة وتجارة الجنس.

الفجوات والتحديات:

  • أشار تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2025 إلى أن النظام البائد لم يحقق أي مساءلة جنائية للمتاجرين، ولم يحدد أو يحمِ أي ضحية من ضحايا الاتجار.
  • اعترفت المنظمة الدولية للهجرة بغياب قوانين وسياسات وإجراءات وبرامج متخصصة وشاملة لمكافحة الاتجار بالبشر في سورية، مما يستدعي تكثيف الجهود لحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
  • رصد تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان السنوي لعام 2025 انتهاكات واسعة، بما في ذلك مقتل 4 إعلاميين و10 من الكوادر الطبية، وارتكاب 11 مذبحة، ووفاة شخصين تحت التعذيب.

جهود السلطة الانتقالية:

  • في أيار/مايو 2025، اعترفت الولايات المتحدة بالسلطات السورية المؤقتة كحكومة سورية، وتعهدت الأخيرة بمكافحة الاتجار بالبشر والمخدرات، وإنشاء مؤسسة أمنية مدنية شفافة.
  • أعلنت السلطات الانتقالية في أيلول/سبتمبر 2025 عن إصلاحات في وزارة الداخلية شملت تعزيز مكافحة الاتجار بالبشر.

سادساً، الرؤية المستقبلية والتوصيات:

على المستوى التشريعي:

  • إصدار قانون جديد لمكافحة الاتجار بالأشخاص يتوافق مع المعايير الدولية (بروتوكول باليرمو) ويجرم جميع أشكال الاتجار بما فيها العمل القسري واستغلال الأطفال.
  • تحديد عقوبات رادعة تتناسب مع جسامة الجريمة، وتشديد العقوبات في حالات الاتجار بالأطفال أو الأشخاص ذوي الإعاقة.
  • إلغاء أي نصوص قانونية تجيز معاقبة الضحايا على أفعال ارتكبوها نتيجة لتعرضهم للاتجار.

على المستوى المؤسسي:

  • تفعيل دور إدارة مكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص في وزارة الداخلية وتزويدها بالكوادر والموارد اللازمة.
  • إنشاء آلية وطنية لتحديد هوية الضحايا (NRM) وإحالتهم إلى الخدمات المناسبة، بما في ذلك المأوى والرعاية الصحية والنفسية والقانونية.
  • تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وضباط الشرطة على قضايا الاتجار بالأشخاص، وضمان عدم تجريم الضحايا.

على المستوى الوقائي والتوعوي:

  • إطلاق حملات توعية مجتمعية حول مخاطر الاتجار بالأشخاص، وحقوق العمال، وسبل الإبلاغ عن الحالات المشتبه بها.
  • إدراج مفاهيم حقوق الإنسان ومكافحة الاتجار في المناهج التعليمية.
  • التعاون مع وسائل الإعلام لتغطية قضايا الاتجار بمسؤولية، وحماية خصوصية الضحايا.


على المستوى الإقليمي والدولي:

  • توقيع سورية على بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال (بروتوكول باليرمو) الملحق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.
  • تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية (UNODC، IOM، ILO) في مجالات بناء القدرات وجمع البيانات وتقديم المساعدة للضحايا.
  • إدراج قضايا الاتجار بالأشخاص في أجندة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

خاتمة:

تمثل جريمة الاتجار بالأشخاص انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية، وهي جريمة لا تسقط بالتقادم ولا يُعتد فيها بموافقة الضحية.
وتظهر واقعة "أبو باسم" أن المجتمع السوري لا يزال بحاجة إلى وعي أوسع بهذه الجريمة وأشكالها المتعددة، كما تُظهر الحاجة الملحة إلى نظام قانوني ومؤسسي قادر على حماية الضعفاء ومحاسبة الجناة.
وفي ختام هذه الدراسة، يؤكد تيار المستقبل السوري – من خلال قسم البحوث والدراسات – على ضرورة اعتماد منهجية تكاملية تجمع بين التشريع الرادع، والملاحقة القضائية الفاعلة، والحماية الشاملة للضحايا، والوقاية المجتمعية، والتعاون الإقليمي والدولي، لضمان سورية خالية من جريمة الاتجار بالأشخاص، تعزز كرامة الإنسان وتصون حقوقه.

قائمة المراجع:

  1. المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 المتعلق بجرائم الاتجار بالأشخاص – الجمهورية العربية السورية.
  2. وزارة الخارجية الأمريكية – تقرير الاتجار بالبشر لعام 2025 – أيلول/سبتمبر 2025.
  3. المنظمة الدولية للهجرة (IOM) – تعزيز جهود مكافحة الاتجار بالبشر وتقديم المساعدة للضحايا في سوريا – آب/أغسطس 2025.
  4. المنظمة الدولية للهجرة (IOM) – تقييم سريع لمكافحة الاتجار بالبشر في شمال غرب سوريا – كانون الأول/ديسمبر 2024.
  5. هيومن رايتس ووتش (HRW) – تقرير مصير 8500 شخص من عائلات "داعش" في شمال شرق سوريا – شباط/فبراير 2026.
  6. الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) – التقرير السنوي الخامس عشر عن حالة حقوق الإنسان في سورية لعام 2025 – آذار/مارس 2026.

شاركها على:

اقرأ أيضا

إضراب سائقي سيارات الأجرة في دمشق

إضراب سائقي سيارات الأجرة في دمشق يعكس أزمة كبيرة في الناقلات ومعاناة المواطنين اليومية.

7 أبريل 2026

إدارة الموقع

اليوم العالمي للصحة 2026

تسليط الضوء على التأثير السلبي للحرب على الصحة في سورية في اليوم العالمي للصحة 2026 مع التأكيد على الأمل والطموح.

7 أبريل 2026

إدارة الموقع