تابع تيار المستقبل السوري ما تم الإعلان عنه يوم الثلاثاء 24-03-2026م من قبل وزارة الإدارة المحلية والبيئة والمديرية العامة للمصالح العقارية، حول إطلاق خدمة القيد العقاري الإلكتروني عبر تطبيق “معاملاتي” ومنصة “أنجز”، في محافظات دمشق ودرعا والقنيطرة واللاذقية، مع خطط للتوسع لاحقاً لتشمل باقي المحافظات.
إن تيار المستقبل السوري، الذي انبثق من الثورة السورية عام 2012 ليؤسس لرؤية وطنية تقوم على الحرية والعدالة وكرامة الإنسان، يرى في هذه الخطوة فرصة لإصلاح قطاع حيوي، لكنه يحذر في الوقت نفسه من مغبة اختزال التحول الرقمي في الجانب التقني دون معالجة الجذور القانونية والسياسية التي عطلت قطاع العقارات لعقود، وأدت إلى انتهاكات جسيمة بحق ملايين السوريين.
يؤمن تيار المستقبل السوري بأن الرقمنة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون:
- شفافية تامة في البيانات.
- حماية لحقوق الملكية لجميع السوريين بغض النظر عن مكان وجودهم أو تاريخ نزوحهم.
- آليات واضحة للمساءلة والتعويض عن الانتهاكات السابقة.
كما نؤكد أن معالجة قضايا الملكيات العقارية والممتلكات المنهوبة تشكل ركناً أساسياً من أركان العدالة الانتقالية، ولا يمكن الفصل بين استعادة الحقوق الفردية والبناء المؤسسي الجديد.
ونعيد التذكير بما جاء في دراسة "الإحصاء التطبيقي كأداة للتخطيط في مرحلة ما بعد النزاع" التي أصدرها المكتب الاقتصادي لتيار المستقبل السوري في 25 شباط 2026، أن أي نظام لإدارة البيانات عموما وضمنا منها العقارية يجب أن يقوم على أسس وطنية موحدة، مع ضمان إتاحتها للجهات الرقابية المستقلة وأصحاب العلاقة، وإلا فإنه سيعيد إنتاج التمييز والإقصاء بأدوات حديثة.
إن تيار المستقبل السوري، إذ يثمن أي جهد يهدف إلى تسهيل معاملات المواطنين وتخفيف البيروقراطية، فإنه يرى أن الإعلان الحالي يثير إشكاليات جوهرية لا يمكن تجاوزها، يأتي في مقدمتها:
أولاً: غياب أي إشارة إلى آلية واضحة تضمن حقوق ملايين السوريين النازحين داخلياً وخارجياً، الذين أجبرتهم الحرب على ترك منازلهم وممتلكاتهم. فمن دون توفير قنوات آمنة لهم لتوكيل من يدافع عن حقوقهم أو تسجيل ممتلكاتهم عن بُعد، تتحول الخدمة الإلكترونية إلى أداة لتثبيت أوضاع قائمة على حساب حقوق المهجرين.
ثانياً: عدم معالجة مصير الملكيات التي جرى الاستيلاء عليها أو المصادرة بموجب مراسيم صدرت خلال سنوات الحرب (كالقانون 10 والمرسوم 66 والمرسوم 42)، أو تلك التي نهبت في ظل غياب سيادة القانون. فالرقمنة دون إطار وطني شامل لتسوية النزاعات العقارية وإعادة الحقوق إلى أصحابها ستكرس الظلم بدلاً من أن تعالجه.
ثالثاً: غياب ذكر أي آلية للتعامل مع ملكيات المفقودين والمغيبين قسراً، الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف. فكيف ستتم تسوية ملكياتهم؟ وهل سيتم إدراج أسمائهم في السجلات العقارية الإلكترونية بصفتهم “غائبين” أم “متوفين” دون سند قانوني؟.
رابعاً: اقتصار الخدمة في مرحلتها الأولى على أربع محافظات فقط، مع غياب خطة واضحة للمناطق التي كانت خارج سيطرة الحكومة المركزية خلال سنوات النزاع، مثل أجزاء من حلب وإدلب والحسكة والرقة، يثير مخاوف من تعميق الانقسام في السجلات العقارية الوطنية، ويخلق طبقتين من المواطنين: من يستطيع توثيق ملكيته إلكترونياً ومن لا يستطيع.
يدعو تيار المستقبل السوري إنطلاقاً من هذه الإشكاليات، السلطات الانتقالية والجهات المعنية إلى تبني المعايير التالية قبل التعميم الكامل للخدمة:
أولاً: إصدار إطار قانوني واضح وشامل ينظم القيد العقاري الإلكتروني، ويراعي حقوق جميع السوريين بغض النظر عن مكان إقامتهم، ويُحظر بموجبه أي استخدام للبيانات العقارية لأغراض سياسية أو أمنية أو تمييزية.
ثانياً: إنشاء آلية مستقلة لتسوية النزاعات العقارية الناجمة عن النزوح والتهجير والاستيلاء القسري، على أن تضم هذه الآلية قضاة وخبراء مستقلين وممثلين عن المجتمع المدني، وتعمل بشفافية تامة.
ثالثاً: ضمان حق النازحين السوريين في الخارج في الوصول إلى الخدمة عبر منصات إلكترونية آمنة، أو من خلال تمثيل قانوني موثوق، على أن تُعتمد التوثيقات القنصلية والوكالات المعتمدة كوثائق معترف بها.
رابعاً: إلزام الجهات القائمة على المنصة بإصدار تقارير دورية شفافة عن أعداد المعاملات المنجزة، والطلبات المرفوضة وأسباب الرفض، وأي شكاوى تتعلق بالتمييز أو سوء الاستخدام، مع إتاحة هذه التقارير للمجتمع المدني ووسائل الإعلام.
خامساً: العمل فوراً على توسيع الخدمة لتشمل جميع المحافظات السورية، مع وضع آليات تقنية وقانونية خاصة للمناطق التي كانت خارج السيطرة المركزية، تضمن توحيد السجل العقاري الوطني دون إقصاء أو إجحاف.
سادساً: تخصيص قنوات دعم وتظلم فعالة، تستقبل شكاوى المواطنين حول الأخطاء في القيد أو صعوبات الوصول، مع ضمان حق الطعن أمام جهة قضائية مستقلة.
يؤكد تيار المستقبل السوري على أن بناء دولة القانون والمؤسسات لا يمكن أن يتحقق عبر حزم من الخدمات الإلكترونية فقط، بل عبر رقمنة شفافة تضع حقوق الإنسان في صميم تصميمها، وتعمل على رد المظالم، وتوفر فرصاً متساوية للجميع.
وإن تيار المستقبل السوري، إذ يتابع عن كثب تنفيذ هذه الخدمة، سيعمل على:
- رصد أي تجاوزات أو ممارسات تمييزية في تطبيقها.
- تقديم رؤى فنية وقانونية مدعمة بالخبرة لضمان تحول رقمي عادل.
- رفع صوت السوريين المهجرين والمفقودين وأسرهم الذين لا تزال قضاياهم العقارية جزءاً من جرحهم الوطني.
ختاماً، فإن تيار المستقبل السوري يدعو جميع السوريين إلى المشاركة الفاعلة في مراقبة هذه الخدمات الجديدة، والتقدم بملاحظاتهم وخبراتهم، لأن بناء الدولة الجديدة مسؤولية الجميع، ولن تكتمل دون شفافية حقيقية وعدالة ناجزة.