أنهت سورية الأمس الأحد 24-05-2026م، استحقاقاً انتخابياً تكميلياً مهماً في محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب (كوباني)، شمل 9 مقاعد في الحسكة (3 في دائرة الحسكة، 4 في القامشلي، و2 في المالكية/ديريك) بالإضافة إلى مقعدين في كوباني.
يأتي هذا الاستحقاق ضمن استكمال تشكيل مجلس الشعب البالغ 210 مقاعد (140 منتخب + 70 معين من الرئيس أحمد الشرع)، بعد تأجيله سابقاً بسبب الوضع الأمني والإداري في المناطق الشمالية الشرقية.
النتائج والإحصائيات الأولية:
أعلنت اللجنة العليا للانتخابات نسبة مشاركة بلغت حوالي 95-97٪ من أعضاء الهيئات الناخبة، مع إغلاق الصناديق عند الساعة 12 ظهراً (مع إمكانية تمديد ساعة واحدة).
وقد فاز 4 نواب أكراد من أصل 9-11 في الدوائر المعنية، معظمهم من المجلس الوطني الكردي (ENKS) أو مستقلين، بينما لم يحصل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) – الذراع السياسي لقسد – على تمثيل مباشر بارز.
ومن أبرز الفائزين:
- دائرة الحسكة (3 مقاعد): إبراهيم مصطفى العلي، عمر عيسى الهايس، فصلة خضر يوسف.
- دائرة القامشلي (4 مقاعد): رضوان عثمان سيدو (كردي)، وعبد الحليم خضر العلي، وآخرون.
- كوباني: فرهاد أنور شاهين وشواخ إبراهيم العساف.
السياق والقراءة الاستراتيجية:
جاءت هذه الانتخابات بعد اتفاق شامل (30 يناير 2026) بين الحكومة السورية وقسد، برعاية أمريكية، تضمن:
- دمج تدريجي للقوات (تشكيل فرقة من 3 ألوية + لواء في كوباني).
- دخول قوات الأمن الداخلي إلى مراكز الحسكة والقامشلي.
- تسليم بعض المؤسسات المدنية ومعالجة ملف المعابر والموارد.
ورغم هذا الاتفاق، أصدر 24 حزباً وتجمعاً كردياً (بما فيها PYD) بياناً في 19 مايو رفضوا فيه تخصيص 4-5 مقاعد فقط للمكون الكردي، مطالبين بما لا يقل عن 40 مقعداً بناءً على تقديراتهم السكانية (15-20% من سكان سورية). اعتبروا العدد الحالي "إقصاء سياسياً".
من الناحية الاستراتيجية، نجحت الدولة في فرض واقع انتخابي مركزي بعد استعادة سيطرتها الأمنية النسبية على المدن الرئيسية، ولكن هذا يعني انتقالاً من مرحلة "الإدارة الذاتية" إلى مرحلة الصراع السياسي داخل إطار الدولة الواحدة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة لن يُقاس فقط بنسب المشاركة أو عدد المقاعد، بل بقدرة المجلس الجديد على معالجة قضايا المنطقة الحيوية: الخدمات، إدارة الموارد (النفط والزراعة)، اللغة الكردية، والأمن المحلي.
وعليه فإن المستقبل لن يخرج بالغالب عن ثلاث سيناريوهات متوقعة:
- السيناريو الأكثر احتمالاً (65%): اندماج بطيء وتدريجي، تحتفظ قسد بنفوذ محلي محدود في الريف، بينما تسيطر الدولة على المدن والموارد الاستراتيجية، مع توترات سياسية دورية، لكن بدون مواجهة عسكرية شاملة، مع التركيز على مشاريع تنموية مشتركة.
- سيناريو التوتر المحدود (25%): إذا شعر المكون الكردي بالتهميش المستمر، قد ترتفع حدة الاحتجاجات أو التعطيل الإداري، مما يؤخر الاستقرار ويؤثر على التنمية الاقتصادية.
- سيناريو الشراكة الناجحة (10-15%): حوار وطني جاد يؤدي إلى تعديلات دستورية تمنح لامركزية إدارية حقيقية مع الحفاظ على السيادة المركزية، مدعومة بإحصاء سكاني شفاف.
الخاتمة:
نؤمن في تيار المستقبل السوري أن بناء الدولة السورية القوية يتطلب توازناً دقيقاً بين استعادة السيادة وضمان مشاركة حقيقية لكل المكونات، فالوحدة الوطنية لا تبنى على الإقصاء، ولا على مشاريع انفصالية.
ولهذا فإننا ندعو إلى:
- إجراء إحصاء سكاني وطني شفاف يعتمد عليه توزيع التمثيل في المراحل القادمة.
- فتح حوار وطني شامل يشمل الأطراف التي قاطعت، لتعزيز الثقة.
- منح صلاحيات إدارية وخدمية واسعة للمجالس المحلية ضمن الإطار الدستوري.
- تحويل إدارة الموارد إلى نموذج تنموي مشترك يعود بالفائدة على أهالي المنطقة.
إن الانتخابات التي جرت الأمس ليست نهاية المسار، بل بداية اختبار حقيقي لنجاح الانتقال السوري، وإذا استطاعت دمشق تحويل هذه الخطوة إلى مدخل لبناء ثقة متبادلة ومشاركة فعلية، فسنكون أمام تقدم نوعي نحو دولة موحدة ومستقرة.
أما إذا بقي التمثيل شكلياً، فقد يتحول إلى مصدر توتر جديد يعيق مسيرة بناء المؤسسات.
ويقف تيار المستقبل السوري إلى جانب كل جهد يخدم توحيد سورية ونجاح مسار بناء مؤسساتها الوطنية، بعيداً عن الاستقطاب، وبقرب من مبدأ المواطنة المتساوية الذي يجب أن يكون أساس الجمهورية السورية الجديدة.