ملخص تنفيذي:
تشهد سورية منذ أواخر عام 2024 حركة عودة غير مسبوقة للنازحين واللاجئين، تصدرتها محافظات دمشق وحلب وإدلب.
وفي آذار/مارس 2026، سُجلت عودة نحو 400 عائلة إلى منطقة عفرين بريف حلب الشمالي، بعد ثماني سنوات من النزوح في محافظة الحسكة.
هذه الورقة البحثية الصادرة عن قسم البحوث والدراسات في تيار المستقبل السوري تهدف إلى تحليل هذه العودة في سياقاتها السياسية والأمنية والإنسانية، استناداً إلى أحدث البيانات والتقارير الميدانية، مع تقديم رؤية نقدية قابلة للتنفيذ تسهم في تحويل العودة من حدث إعلامي إلى عملية مستدامة تضمن الكرامة والعدالة للعائدين.
تعتمد الورقة على منهجية تحليلية تركيبية تجمع بين مراجعة الوثائق والتقارير الرسمية (الأمم المتحدة، المنظمات الدولية، منظمات المجتمع المدني المحلية)، وتحليل الخطاب الإعلامي ومواقف الفاعلين، وتوظيف شهادات ميدانية من العائدين.
تخلص الورقة إلى أن عودة عفرين تمثل مؤشراً إيجابياً على بدء ترجمة الاتفاقات السياسية إلى واقع، لكنها تواجه ثلاثة تحديات رئيسية:
- خطر الألغام والذخائر غير المنفجرة.
- نزاعات الملكية والاستيلاء على الممتلكات.
- الفجوة الكبيرة بين العودة وتوافر الخدمات الأساسية.
وتقدم الورقة خمس توصيات استراتيجية لتجاوز هذه التحديات، مركزة على الانتقال من الإغاثة إلى الإنماء المبكر، وبناء آليات عدالة انتقالية تمهد لمصالحة وطنية حقيقية.
أولاً،المقدمة:
يبرز ملف عودة النازحين واللاجئين كأحد أبرز المؤشرات على إمكانية الاستقرار، وفي الوقت نفسه كأحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.
فالعودة هي استعادة للحياة والهوية والحقوق، وإعادة بناء للعلاقة بين المواطن والدولة بعد سنوات من القطيعة والتهجير القسري.
تأتي هذه الورقة في لحظة تاريخية مفصلية، حيث سجلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في تحديثها الأخير ليوم 10 آذار/مارس 2026 عودة أكثر من مليون ونصف المليون سوري من الخارج، وعودة مليون وسبعمائة وأربعة وثلاثين ألفاً من النازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية.
وفي هذا السياق، شكلت عودة 400 عائلة إلى عفرين حدثاً بارزاً، ليس فقط لكونها تعكس بداية تفكيك واحدة من أكثر أزمات النزوح تعقيداً (نازحو عفرين الذين هجروا عام 2018 إثر عملية "غصن الزيتون")، بل لأنها أيضاً ثمرة مباشرة لاتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة معمقة لهذه العودة، متجاوزة التغطية الإخبارية السطحية، إلى تحليل التحديات الكامنة، واستشراف السيناريوهات الممكنة، وصوغ توصيات عملية تستند إلى رؤية التيار الثابتة في دعم العودة الآمنة والكريمة كحق أساسي وكمقدمة ضرورية للمصالحة الوطنية.
ثانياً، الإطار النظري والتاريخي – عفرين بين التهجير والعودة:
2.1 عفرين – خلفية تاريخية وجيوسياسية:
تقع منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي الغربي، وتشكل إحدى المناطق ذات الغالبية الكردية في سورية، إلى جانب التركيبة السكانية المتنوعة (عرب، تركمان).
قبل عام 2011، كانت عفرين تشهد استقراراً نسبياً، لكنها تحولت مع تصاعد النزاع إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.
في 20 كانون الثاني/يناير 2018، أطلقت تركيا عملية "غصن الزيتون" العسكرية بالتحرك مع فصائل الجيش السوري الحر، بهدف طرد وحدات حماية الشعب الكردية من المنطقة.
استمرت العملية حتى 24 آذار/مارس 2018، وأسفرت عن سيطرة القوات التركية والفصائل المتحالفة على مركز مدينة عفرين والعديد من القرى المجاورة.
تبع ذلك نزوح جماعي لأكثر من 150 ألف مدني، غالبيتهم من الأكراد، باتجاه مناطق سيطرة قسد في كل من ناحية تل رفعت ومدينة منبج، ومن ثم إلى مخيمات النزوح في محافظة الحسكة (مخيمات الهول، روج، واشوكاني).
هذا السياق ضروري لفهم أن عودة اليوم ليست مجرد عودة "بعد سنوات من النزوح"، بل هي عودة إلى منازل تركت تحت وطأة عملية عسكرية، وفي ظل تغيير ديموغرافي واسع شهدته المنطقة خلال سنوات السيطرة التركية والفصائلية، ضد عناصر قنديل، حيث استقدمت مجموعات مسلحة عائلات عربية من ريف حلب وحمص وحماة وأسكنتها في بيوت المهجرين.
2.2 اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026:
بعد أسابيع من الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في 6 كانون الثاني/يناير 2026 بين القوات الحكومية وقسد في أحياء حلب الشرقية (الشيخ مقصود، الأشرفية، بني زيد)، وتسببت بنزوح نحو 148 ألف شخص، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 11 كانون الثاني/يناير، تلاه اتفاق سياسي شامل في 29 كانون الثاني/يناير 2026. ونص الاتفاق، بحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، على:
- انسحاب قسد من مدينة حلب وريفها الغربي.
- انتشار الجيش السوري على طول الحدود السورية التركية.
- دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة السورية.
- فتح الطرق الرئيسية وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم.
كان هذا الاتفاق هو الإطار الذي أتاح لعائلات عفرين العودة، حيث تم تأمين ممرات آمنة من الحسكة إلى عفرين عبر ريف حلب الشمالي الذي بات تحت سيطرة الحكومة، بالتنسيق مع قسد التي تسهل حركة العائدين من مناطق سيطرتها.
ثالثاً، تحليل الوضع الراهن – عودة عفرين بين الإنجاز والتحدي:
3.1 حجم العودة وخصائصها:
وفقاً للمعرّفات الرسمية لمحافظة حلب، وصلت صباح الثلاثاء 10 آذار/مارس 2026 قافلة تضم 400 عائلة من أهالي عفرين قادمة من مخيمات النزوح في الحسكة، واستقبلها مسؤول منطقة عفرين خيرو العلي الداوود بحضور ممثلين عن الحكومة المحلية.
وتشير مصادر متطابقة إلى أن هذه الدفعة هي الأكبر منذ اتفاق كانون الثاني، وسبقها في مطلع العام الجاري عودة نحو 100 عائلة.
تتنوع خصائص هذه العائلات، لكن الغالبية تنتمي إلى المكون الكردي، مع وجود بعض العائلات العربية والتركمانية التي نزحت أصلاً من عفرين عام 2018.
ومعظم العائدين هم من فئة النساء والأطفال وكبار السن، حيث لا يزال العديد من الرجال ضمن صفوف قسد أو في عداد المفقودين.
3.2 التحديات الرئيسية:
3.2.1 خطر الألغام والذخائر غير المنفجرة:
تشكل الألغام والذخائر غير المنفجرة أخطر عقبة ميدانية أمام العودة الآمنة. فمنذ انتهاء الاشتباكات في كانون الثاني/يناير 2026، وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، وثقت شبكات محلية ومنظمات دولية عدة حوادث مأساوية.
ويستند قسم البحوث والدراسات إلى تقرير مشروع "رصد الألغام" الصادر في 5 آذار/مارس 2026 والموثق لدى الأمم المتحدة برقم LM/2026/021، والذي يفيد بأن سورية سجلت خلال عام 2025 وحده 872 حادثة متعلقة بالذخائر غير المنفجرة، أسفرت عن 639 وفاة و1124 إصابة، وكان 43% من الضحايا من الأطفال دون سن الخامسة عشرة. وفي عفرين وحدها، سجل المشروع 47 حادثة منذ بداية شباط/فبراير 2026، نتج عنها 32 إصابة و9 وفيات، غالبيتهم من الأطفال الذين كانوا يلعبون في أراض زراعية أو منازل مدمرة.
هذا، وتعمل في المنطقة منظمات متخصصة مثل HALO Trust و Humanity and Inclusion، بالتعاون مع منظمة مكافحة الألغام السورية، إلا أن وتيرة العمل بطيئة مقارنة بحجم التلوث.
فحسب تقرير لهذه المنظمات صدر في 1 آذار/مارس 2026، لم تتمكن الفرق من مسح سوى 35% من المساحة المقدرة الملوثة في ريف حلب الشمالي وعفرين، ويعزى ذلك إلى نقص التمويل (بلغت الفجوة التمويلية 22 مليون دولار) وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق بسبب الوضع الأمني الهش.
3.2.2 الاستيلاء على الممتلكات ونزاعات الملكية:
يكشف التقصي الميداني عن أن واحدة من أكثر المشكلات إيلاماً للعائدين هي وجود عائلات أخرى تقيم في منازلهم، وقد استوطنتها خلال سنوات غيابهم. وقد تحدث تقرير "مرصد العودة السوري" (وهي منظمة مجتمع مدني محلية متخصصة في توثيق عودة النازحين) الصادر في 8 آذار/مارس 2026، والذي أجرى مسحاً شمل 200 عائلة عائدة إلى عفرين. أظهر المسح أن 137 عائلة (68.5%) عادت إلى منازلها ووجدتها إما مدمرة بالكامل أو متضررة بشدة، بينما واجهت 63 عائلة (31.5%) مشكلة استيلاء عائلات أخرى على منازلها.
ومن بين هذه العائلات الـ63، تمكنت 22 عائلة فقط من استعادة منزلها بالتفاهم مع العائلة المقيمة (غالباً مقابل تعويض مالي بسيط أو وعد بتوفير سكن بديل)، بينما ما تزال 41 عائلة تعيش في مراكز إيواء مؤقتة أو لدى أقارب بانتظار حل.
وتعود أصول العائلات المقيمة حالياً في بيوت العائدين إلى موجات نزوح سابقة من ريف حمص وحماة وإدلب، استقدمتها الفصائل المسلحة بسبب تهجير نظام الأسد لهم من مناطقهم، وذلك خلال سنوات سيطرة الجيش الوطني السابق على المنطقة ضمن سياسات التغيير الديموغرافي التي كانت تعيشها سورية آنذاك.
وكثير من هذه العائلات تعتبر نفسها "نازحة أيضاً" وليس لديها مكان آخر تذهب إليه، مما يخلق وضعاً معقداً يتطلب تدخلاً قانونياً وإنسانياً متوازناً.
3.2.3 الفجوة بين العودة والخدمات الأساسية:
لا تعني العودة إلى المنازل العودة إلى الحياة الطبيعية، إذ تعاني مناطق عفرين وريف حلب الشمالي من انهيار شبه كامل في البنى التحتية والخدمات الأساسية. ونعتمد في هذا التحليل على تقرير ميداني أعدته منظمة "فريق الاستجابة السورية" (منظمة إغاثية محلية) بتاريخ 9 آذار/مارس 2026، غطى 15 قرية في ريف عفرين.
أظهر التقرير:
- في قطاع الكهرباء: يصل التيار الكهربائي بمعدل 4 إلى 6 ساعات يومياً فقط، وتعتمد معظم الأسر على المولدات الخاصة التي تفتقر للصيانة والوقود الكافي.
- في قطاع المياه: 60% من آبار المياه البالغ عددها 87 بئراً في المنطقة لا تعمل بسبب أعطال أو نقص الوقود، مما يضطر السكان لشراء المياه من صهاريج خاصة بأسعار مرتفعة (تصل إلى 10 آلاف ليرة للبرميل الواحد).
- في قطاع التعليم: من بين 42 مدرسة في المنطقة، هناك 18 مدرسة فقط تعمل بشكل جزئي، وتعاني من اكتظاظ كبير (تصل الكثافة الصفية إلى 50 طالباً)، ونقص في الكتب والقرطاسية، وغياب التدفئة.
- في قطاع الصحة: لا يوجد سوى مركزين صحيين يعملان بشكل محدود، أحدهما في مدينة عفرين والآخر في بلدة راجو، يفتقران للأدوية الأساسية والأطباء الاختصاصيين.
ترسم هذه الأرقام صورة قاتمة، وتؤكد أن العودة دون تدخل سريع وشامل لتأهيل الخدمات ستحول حياة العائدين إلى كابوس جديد، وقد تدفع بعضهم إلى النزوح مجدداً.
رابعاً، مواقف تيار المستقبل السوري:
لا تنطلق هذه الورقة من فراغ، بل تستند إلى رصيد معرفي واستراتيجي راكمه تيار المستقبل السوري عبر سنوات من العمل البحثي والسياسي، خصوصاً وقد كان المكتب العلمي لـ تيار المستقبل السوري نشاطاً سابقا في عفرين عبر تأسيسه لمدارس"تواجد التعليمية" التي استقطبت الطلاب المتسببين عن مقاعد الدراسة. وتهدف هنا إلى توثيق هذا التراث الفكري وربطه بالتحليل الراهن.
4.1 دراسة "اللاجئون السوريون وسؤال ما بعد التحرير" (20 أيار/مايو 2025)
أصدر المكتب العلمي للتيار في 24 أيار/مايو 2025 دراسة موسعة بعنوان "اللاجئون السوريون وسؤال ما بعد التحرير" ، متاحة على الموقع الرسمي (https://sfuturem.org/2025/05/syrian-refugees-and-the-post-liberation-question/). وقد حددت الدراسة خمسة تحديات رئيسية لعودة أكثر من 1.5 مليون لاجئ ونازح،
وهي:
- تحديات قانونية (توثيق الملكيات، استخراج الوثائق المدنية).
- تحديات أمنية (الألغام، وجود فلول المسلحين).
- تحديات خدمية (بنى تحتية مدمرة، خدمات أساسية منهارة).
- تحديات اقتصادية (بطالة، انهيار العملة، غياب فرص العمل).
- تحديات اجتماعية (التغيير الديموغرافي، الاحتقان الطائفي).
دعت الدراسة إلى إنشاء هيئة وطنية عليا لإعادة الإعمار تضم خبراء مستقلين وممثلين عن المجتمع المدني، وإلى وضع برنامج زمني محدد لتأهيل البنى التحتية في مناطق العودة المتوقعة، مع تحذير صريح من أن العودة دون تهيئة ستتحول إلى "تهجير مضاعف".
4.2 التقرير الإقليمي 66 للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بشأن الوضع في سورية" (2 آذار/مارس 2026)
في 2 آذار/مارس 2026، أي قبل أيام قليلة من عودة قافلة عفرين، أصدر التيار موقفاً رسمياً بعنوان "قراءة في التقرير الإقليمي 66 للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين"
(https://sfuturem.org/2026/03/unhcr-regional-report-66-on-the-situation-in-syria/)، رحب فيه بأعداد العائدين التي تجاوزت المليون ونصف المليون، وطالب بـ:
- تشكيل لجان محلية-دولية مشتركة لمراقبة العودة الطوعية وضمان حقوق العائدين.
- إصدار وثائق مدنية للعائدين خلال مدة أقصاها 90 يوماً.
- البدء الفوري بإزالة الألغام في المناطق المحررة، مع تخصيص موارد دولية كافية.
- ربط المساعدات الإنسانية ببرامج التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
ويؤكد هذا الموقف أن تيار المستقبل السوري كان يدرك مبكراً تعقيدات ملف العودة، وقدم توصيات عملية تستبق الأحداث، مما يضفي مصداقية على تحليلاته الحالية.
خامساً، رؤية مستقبلية وتوصيات:
بناءً على التحليل السابق، يقدم قسم البحوث والدراسات في المكتب السياسي لـ تيار المستقبل السوري الرؤية التالية لتحويل عودة عفرين إلى نموذج مستدام للعودة الكريمة، قابلة للتعميم على مناطق أخرى.
5.1 المبدأ العام – العودة الآمنة والكريمة حق:
تنطلق هذه الرؤية من مبدأ أساسي وهي أن عودة النازحين واللاجئين إلى منازلهم هي حق طبيعي وإنساني وقانوني، لا يمكن ربطه بأي شروط سياسية أو أمنية، ولا يمكن التعامل معه كـ"هدية" من الحكومة أو "منة" من أي جهة عسكرية أو حزبية. يجب لهذا المبدأ أن يترجم إلى سياسات عملية تضمن عدم استخدام العائدين كورقة ضغط أو ورقة انتخابية.
5.2 التوصيات:
التوصية الأولى، إطلاق حملة وطنية عاجلة لإزالة الألغام:
يدعو تيار المستقبل السوري الحكومة السورية والمنظمات الدولية (HALO Trust، Humanity and Inclusion، منظمة مكافحة الألغام السورية) إلى إطلاق حملة وطنية عاجلة لإزالة الألغام، مع التركيز على:
- تخصيص موازنة طارئة بقيمة 50 مليون دولار، تساهم فيها الحكومة بنسبة 20% والباقي من المانحين الدوليين.
- توسيع نطاق عمليات المسح لتشمل 100% من المناطق المأهولة والسكنية والزراعية في ريف حلب الشمالي وعفرين وباقي المناطق السورية التي تخضع لسيطرة الحكومة قبل نهاية عام 2026.
- إعطاء أولوية مطلقة للمناطق التي تشهد عودة كثيفة.
- إشراك فرق محلية مدربة من أبناء المنطقة في عمليات المسح والتوعية، مما يوفر فرص عمل ويعزز الثقة.
التوصية الثانية، إنشاء آلية مركزية عادلة لحل نزاعات الملكية:
يطالب تيار المستقبل السوري بتشكيل هيئة قضائية متخصصة لحل نزاعات الملكية، على النحو التالي:
- إنشاء محاكم خاصة للملكيات في كل محافظة تشهد عودة، برئاسة قاض متخصص وعضوية خبيرين من المجتمع المحلي (يتم اختيارهما من قبل المحافظة والمجتمع المدني).
- تعمل هذه المحاكم وفق إجراءات مبسطة وسريعة، على أن لا تتجاوز مدة الفصل في الدعوى 60 يوماً.
- تعتمد المحاكم على كافة وسائل الإثبات المتاحة (سندات ملكية قديمة، فواتير كهرباء ومياه، شهادات شهود، صور جوية)، وتصدر أحكاماً قابلة للاستئناف أمام محكمة الاستئناف.
في الحالات التي تثبت فيها الملكية الأصلية لطرف، يتم إخلاء الطرف الآخر خلال مدة معقولة (لا تتجاوز 30 يوماً)، مع تقديم مساعدة حكومية للطرف المخلَى (سكن بديل مؤقت، تعويض مالي) إذا كان نازحاً أيضاً وليس لديه مكان يذهب إليه.
حيث نرى أن هذه الآلية تحقق توازناً دقيقاً بين حق المالك الأصلي والوضع الإنساني للطرف المقيم، وتمنع تحول النزاع إلى صراع مجتمعي.
التوصية الثالثة، الانتقال من الإغاثة إلى التعافي المبكر (Early Recovery):
يدعو تيار المستقبل السوري المنظمات الإنسانية (UNHCR، OCHA، UNDP) والحكومة السورية إلى تحويل 40% من الموارد المخصصة لسورية من المساعدات الإنسانية البحتة إلى برامج التعافي المبكر، والتي تركز على:
- إصلاح المساكن المتضررة جزئياً، عبر تقديم قروض ميسرة (بدون فوائد، مع فترة سماح) أو منح نقدية مشروطة، وتوفير مواد البناء بأسعار مدعومة، وتدريب فرق محلية على أعمال الإصلاح.
- إعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية، من خلال إصلاح شبكات المياه والكهرباء بشكل عاجل في القرى والبلدات التي تشهد عودة، مع إعطاء أولوية للمدارس والمراكز الصحية.
- تشغيل المدارس بشكل كامل، عبر توفير الكتب والقرطاسية، وتأمين التدفئة، إضافة لتعيين كوادر تعليمية إضافية، وإعادة تأهيل المباني المدرسية.
- دعم المراكز الصحية وتزويدها بالأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية، وتأمين رواتب منتظمة للكوادر الطبية، وتوفير سيارات إسعاف.
التوصية الرابعة، ضمان العودة الطوعية غير المشروطة من خلال ميثاق وطني:
يؤكد تيار المستقبل السوري على أن العودة يجب أن تبقى "طوعية" و"غير مشروطة".
ولضمان ذلك، نقترح:
- وضع ميثاق شرف وطني توقعه جميع القوى السياسية والمجتمعية (أحزاب، منظمات مجتمع مدني، نقابات، وجهاء)، يتضمن:
- الاعتراف بحق كل سوري في العودة إلى منزله ومدينته، أينما كان وأياً كان انتماؤه.
- حظر أي شكل من أشكال التهجير القسري أو الإخلاء غير القانوني.
- حماية حقوق جميع المكونات السورية (عرب، أكراد، تركمان، شركس، أرمن) في مناطق عودتهم، وضمان تمثيلهم في الإدارة المحلية.
- إنشاء صندوق وطني للتعويضات لكل من فقد منزله أو ممتلكاته بسبب الحرب، بغض النظر عن الجهة المسؤولة عن الضرر.
- تشكيل لجان متابعة محلية – دولية لمراقبة تنفيذ هذا الميثاق، ورفع تقارير دورية إلى الرأي العام.
التوصية الخامسة، العدالة الانتقالية كأساس للمصالحة الوطنية:
يذهب تيار المستقبل السوري إلى أبعد من المعالجات الإغاثية والإدارية، ليؤكد أن العودة الجسدية دون عدالة تبقى ناقصة، بل قد تكون قنبلة موقوتة.
لذلك ندعو إلى:
- تشكيل لجنة تقصي حقائق وطنية مستقلة، برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة منظمات المجتمع المدني السورية، مهمتها التحقيق في انتهاكات التهجير القسري وتدمير الممتلكات التي ارتكبتها جميع الأطراف خلال النزاع، وتحديد المسؤولين عنها.
- محاكمة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أمام محاكم وطنية أو دولية مختصة، مع ضمان المحاكمات العادلة وعدم الإفلات من العقاب.
- إطلاق برنامج وطني للمصالحة المجتمعية على المستوى المحلي، يشمل جبر الضرر (المادي والمعنوي)، والاعتذار الرمزي، وإحياء ذكرى الضحايا، وإنشاء متاحف للذاكرة، وإشراك العائدين والمقيمين في مشاريع مشتركة تعيد بناء الثقة.
حيث نرى أن العدالة الانتقالية ضرورة عملية لمنع الانتقام وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الممزق.
سادساً، خاتمة:
تمثل عودة 400 عائلة إلى عفرين لحظة مفصلية في مسار سورية ما بعد عام 2024. حيث تختبر قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الوعود السياسية إلى واقع ملموس، وعلى إدارة واحدة من أكثر العمليات الاجتماعية تعقيداً في التاريخ الحديث. كما تختبر هذه العودة مدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة التعافي والبناء.
وتيار المستقبل السوري، من خلال قسم البحوث والدراسات، يضع هذه الورقة بين يدي الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية، أملاً في أن تسهم في تحويل عودة عفرين إلى نموذج ناجح يُحتذى به في كل المناطق السورية.
فالعودة الآمنة والكريمة حجر الأساس لبناء سورية جديدة، تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية والكرامة للجميع.
قائمة المراجع والمصادر:
- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). (10 آذار/مارس 2026). التحديث الإحصائي الأسبوعي لعودة اللاجئين السوريين. [متاح على موقع UNHCR]
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (14 كانون الثاني/يناير 2026). تقرير حول النزوح في حلب. [متاح على موقع OCHA]
- مشروع "رصد الألغام". (5 آذار/مارس 2026). التقرير السنوي 2025: حوادث الألغام والذخائر غير المنفجرة في سورية. (وثيقة LM/2026/021).
- مرصد العودة السوري. (8 آذار/مارس 2026). مسح العائدين إلى عفرين: التحديات والاحتياجات.
- فريق الاستجابة السورية. (9 آذار/مارس 2026). تقرير ميداني حول الخدمات الأساسية في ريف عفرين.
- تيار المستقبل السوري. (24 أيار/مايو 2025). اللاجئون السوريون وسؤال ما بعد التحرير المكتب العلمي. [https://sfuturem.org/2025/05/syrian-refugees-and-the-post-liberation-question/]
- تيار المستقبل السوري. (2 آذار/مارس 2026). موقف من التقرير الإقليمي 66 للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. [https://sfuturem.org/2026/03/unhcr-regional-report-66-on-the-situation-in-syria/]
- رئاسة الجمهورية العربية السورية. (29 كانون الثاني/يناير 2026). نص الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.