مشروع تحرير العقل السوري من "اللافعالية"

تمهيد:

نحاول في هذا المقال تفكيك أزمة ثقافية عميقة، يظن كثيرون أنها أزمة نقص موارد أو ضخامة دمار.

لكننا في المكتب الديني لتيار المستقبل السوري نؤمن بأن تحدِّي سورية الحقيقي في المرحلة الانتقالية يتمثل بانهيار الإرادة الفاعلة.

وقد حان الوقت لنتجاوز الأسئلة التقليدية: "من يفعل؟"، إلى السؤال الأعمق: "لماذا لم نعد قادرين على الفعل؟".

ونجد الجواب عند مفكر الإسلام المعاصر مالك بن نبي (1905-1973) في مفهومه العميق عن "اللافعالية"، ذلك المرض الحضاري الذي يفقد الأمة قدرتها على الإنتاج والإبداع، ويجعلها أسيرة الأفكار الميتة، قابلة للاستعمار الثقافي قبل العسكري.

وهذا هو بالضبط ما نعاني منه في سورية اليوم، فمجرد الخروج من الدمار المادي بعد سقوط الأسد لا يكفي، ما لم نخرج من استعمار العقول أولا.

"اللافعالية" إفلاس الرؤية:

يرى مالك بن نبي أن "اللافعالية" هي: تلك الحالة التي تفقد فيها الأمة قدرتها على التفاعل الإيجابي مع الوقائع، فلا تنتج فكراً، ولا تبني ذاتاً، ولا تستجيب للمتغيرات إلا بردود فعل متأخرة أو هزيلة[1].
وهو لا يقصد بها الكسل الفردي، بل مرضاً بنيوياً في ثقافة الأمة بأسرها.

وإننا نرى أن المرحلة الانتقالية في سورية أظهرت مظاهر هذا المرض بوضوح من خلال:

  • انتظار المنقذ الخارجي (دولة، منظمة، هبة) بدل الاعتماد على الذات.
  • التحسر على الماضي والانشغال بالآلام بدل استثمار إمكانات الحاضر.
  • تضخم ثقافة "لا فائدة" وغلبة روح الإحباط على أوساط واسعة من النازحين والعائدين.
  • غياب المشاريع الفكرية والسياسية الكبرى واستبدالها بالسجال اليومي والانشغال بالتفاهات.


هذا هو استعمار الإرادة قبل الأرض، وهو أخطر من الاستعمار العسكري بمراحل، وهو ما عبّر عنه المولى عز وجل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فالتغيير الخارجي (بناء الدولة، إعمار المدن، عودة اللاجئين) لا يمكن أن يثبت ولا أن ينجح، ما لم يسبقه تغيير داخلي في العقل والإرادة.

دوائر اللافعالية الثلاث في الواقع السوري الحالي:

لنكن دقيقين؛ الأمر لا يتعلق بنظريات جامدة بل بواقع مؤلم.


فوفق آخر تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) حتى نهاية 2024:

  • عدد النازحين داخلياً داخل سورية: 7.2 مليون.
  • عدد اللاجئين السوريين خارج البلاد: 5.1 مليون [2].
  • المجموع: 12.3 مليون إنسان سوري لا يزالون في حالة نزوح أو لجوء، والكثير منهم يعيشون تحت خط الفقر المدقع.


ووفق تقديرات البنك الدولي (2023)، فإن تكلفة إعادة الإعمار في سورية تتراوح بين 250 و400 مليار دولار[3]، وهو رقم يعادل نحو 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الحالي لسورية.

ومع هذه الأرقام، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لشعب أعزل من موارده، مشتت في مخيمات، مثقل بالصدمات، أن يتحول فجأة إلى مجتمع بناء وفاعل؟
الجواب عند مالك بن نبي: بالتحرر من "قابلية الاستعمار" أولاً، فهو يرى أن الاستعمار ليس ظاهرة عبقرية لدى المستعمر، بل هو نتيجة قابلية المستعْمَر نفسه للاستعمار[4].

فالضعف الحقيقي هو تفكك البنية الداخلية للأمة، ثقافياً واجتماعياً وأخلاقياً، وإذا لم نعالج هذا التفكك فوراً، فسيبقى أي إعمار مجرد ترميم لسقف ينهار فوق رؤوسنا.

الإنسان السوري من "الكلسنة" إلى "العمارة":

استخدم مالك بن نبي تعبيراً صادماً لكنه دقيق، وهو مصطلح "الإنسان الكلسي" الذي تصلبت مفاصله الفكرية والوجدانية، فلم يعد قادراً على التكيف مع متطلبات العصر، ولا على الإبداع والابتكار[5].

وهذا الخطر حقيقي في مجتمعات ما بعد الحروب؛ فالصدمات المتكررة تولد "تحجراً نفسياً" يجعل الإنسان ييأس من أي تغيير.
وهنا يأتي دور الإيمان الحي، يقول تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

فكلمة "استعمركم" تحمل دلالة تكليفية، وهي طلب عمارة الأرض وبنائها وتطويرها.
من هنا، فإن أي "تدين" منفصل عن مسؤولية الإعمار هو تدين ناقص، بل قد يكون جزءاً من اللافعالية.

يقول النبي ﷺ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" (رواه البخاري ومسلم).
يُخرج هذا الحديث الصحيح العملَ من كونه مُجرد "وظيفة" أو "مورد رزق" إلى كونه عبادة متصلة بالله.
وحين ننظر إلى سورية اليوم، أليست في حاجة ماسة إلى "غرس" جديد على كل المستويات: غرس المدارس، وغرس المصانع، وغرس الطرق، وغرس الكرامة الإنسانية؟

مقاصد الشريعة في المرحلة الانتقالية:

إن من أعظم ما يمكن أن يُقدمه المكتب الديني لتيار المستقبل السوري في هذه المرحلة هو تقديم رؤية فقهية مقاصدية تقول: إن إعمار سورية وبناء مؤسساتها وتوحيد نسيجها الاجتماعي هو أولى أولويات الدين في هذه المرحلة، بل هو عين الدين".
يرى الإمام الشاطبي في "الموافقات" أن الشريعة وُضعت لحفظ المقاصد الخمسة: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل".
وأي حفظ لهذه المقاصد اليوم دون دولة قوية، واقتصاد منتج، وتعليم حر، وعقل سوري متحرر من التبعية؟
ومن هنا، فإن أي خلاف فقهي أو مذهبي أو سياسي يُعطل الإعمار أو يُضعف الجبهة الداخلية هو خلاف مرفوض شرعاً، لما فيه من تعطيل لمقصد أعظم: حفظ الكرامة الإنسانية وإقامة العدل.

نحو مشروع وطني لتحرير العقل السوري:
بناءً على ما سبق، نقترح – من موقعنا كمكتب ديني – المبادئ الآتية للقائمين على المرحلة الانتقالية وللمجتمع السوري عموماً:

  1. إطلاق حملة وطنية لمكافحة "اللافعالية" الثقافية، عبر مناهج التعليم، والإعلام، وخصوصا ً عبر الخطاب الديني، لتكون كلمات مثل: "الإرادة"، و"الإنتاج"، و"الاعتماد على الذات"، و"الابتكار" هي مفردات المرحلة.
  2. تأسيس "أكاديمية مالك بن نبي للفكر النهضوي" في سورية، تكون مركزاً لتدريب الكوادر الوطنية على التفكير الاستراتيجي والتخطيط الحضاري، بعيداً عن العفوية والارتجال.
  3. تحويل المساجد والكنائس ودور العبادة إلى منابر لتعزيز ثقافة العمل والإعمار، مع احترام خصوصية كل طائفة، والتركيز على القيم المشتركة (العدل، الأمانة، الإتقان، التكافل).
  4. ربط أي دعم أو مساعدة خارجية بـ"مشاريع إنتاجية" لا استهلاكية، بحيث لا تتحول سورية إلى مستهلك دائم للمساعدات، بل إلى شريك فاعل في تنفيذها.

الخلاصة:

نحن على يقين بأن المرحلة الانتقالية في سورية هي الفرصة التاريخية الأخيرة لقتل "اللافعالية" في نفوسنا.
فالدمار الذي نراه ليس نهاية العالم، بل هو أرض خصبة لبناء جديد، شرط أن ننتقل من "الانكسار النفسي" إلى "العزم الإعماري".

وهذا هو جوهر رسالة الإسلام: إخراج الإنسان من ظلمات التواكل والجمود إلى نور العمل والخلق، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55].

إن الاستخلاف وعد إلهي، لكنه مشروط بالإيمان والعمل الصالح.
والعمل الصالح في زماننا هذا هو أن تبني وطناً، وأن تصنع مستقبلاً، وأن تنتقل من متفرج في مدرج التاريخ إلى لاعب أساسي في صنعه.

يا سورية: آن أوانكِ.. أزيحي عنكِ رداء الضعف والانتظار، والبسي ثوب العزم والإرادة.
فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وتغييراتك تبدأ اليوم.. من عقل حر، وإرادة فاعلة، وإيمان يبني ولا يهدم، ويعمر ولا يخرب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش والمصادر:

[1] مالك بن نبي، "شروط النهضة" (ترجمة: عبد الصبور شاهين)، دار الفكر، دمشق، ص 117-119.
[2] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، "تقرير الوضع في سورية"، الربع الرابع 2024.
[3] البنك الدولي، "تقرير إعادة الإعمار المبكر في سورية"، واشنطن، 2023، ص 34.
[4] مالك بن نبي، "ميلاد مجتمع"، ترجمة: محمد ماضي، دار الفكر، ص 88.
[5] مالك بن نبي، "مشكلة الثقافة"، دار الفكر، ص 205-210.

شاركها على:

اقرأ أيضا

اعتقال المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة حي التضامن

إلقاء القبض على أمجد يوسف يؤكد عزم الدولة الجديدة على ملاحقة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا.

24 أبريل 2026

إدارة الموقع

وفاة المواطن أحمد العيادة الدايح أثناء احتجازه في دير الزور

نداء حقوقي بعد وفاة أحمد العيادة الدايح، مع دعوات إلى التحقيق في ملابسات الحادثة المريبة.

24 أبريل 2026

إدارة الموقع