يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ ما ورد بتاريخ الاثنين 03-08-2026 م، عن توجه الحكومة السورية لإعداد مشروع قانون جديد للأحوال المدنية، يهدف إلى معالجة الإشكاليات العالقة في قضايا الجنسية، وإعادة الهوية القانونية لملايين السوريين الذين فقدوا وثائقهم أو عجزوا عن إثبات نسبهم بسبب عقود من الإهمال والتهميش الممنهج.
ويأتي هذا التوجه في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى أن أزمة الوثائق المدنية في سورية قد بلغت مستويات غير مسبوقة.
فوفقاً للتقييم الميداني الذي أجراه المجلس النرويجي للاجئين (NRC) واكتمل في ديسمبر/كانون الأول 2025، وشمل 1200 أسرة في تسع محافظات سورية، فإن 62% من الأسر تعاني نقصاً في وثائق الهوية المدنية، بينما تفتقر 61% منها إلى وثائق ملكية رسمية، وترتفع هذه النسبة إلى 80% بين العائدين منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
يُسجل تيار المستقبل السوري أن التوجه نحو إصدار قانون جديد للأحوال المدنية يحمل ثلاث دلالات رئيسية:
أولاً: يُجسّد اعترافاً رسمياً بحجم أزمة الهوية التي يعاني منها ملايين السوريين، والتي لا تقتصر على الجانب الإداري، بل تمتد لتشكل عقبة أمام تمتع المواطنين بحقوقهم الأساسية في التعليم والرعاية الصحية والعمل والسكن والتنقل والتقاضي.
فالهوية المدنية ليست مجرد وثيقة، بل هي الأساس الذي تقوم عليه المواطنة وسيادة القانون والثقة بين الفرد والدولة.
ثانياً: يُشير إلى إدراك متزايد بأن معالجة ملف الجنسية والهوية هي شرط أساسي لنجاح أي عملية انتقال سياسي أو تعافٍ اقتصادي، فلا يمكن جذب الاستثمارات، ولا إعادة الإعمار، ولا تشجيع اللاجئين على العودة، في ظل غياب نظام قانوني يضمن الاعتراف بالشخص وحقوقه وممتلكاته.
ثالثاً: يعكس التزاماً بتجاوز إرث عقود من التمييز والإقصاء، حيث أدارت الدولة السورية السابقة شؤونها وفق نموذج سلطوي يقوم على التمييز والإقصاء، وأنتج واقعاً من "مواطنين من درجات متفاوتة".
ونرى في مشروع القانون الجديد فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحق والكرامة، وليس على أسس الولاء السياسي أو الانتماء الطائفي.
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أولوية استعادة الهوية القانونية للسوريين وإرساء مبادئ المواطنة المتساوية:
- مقال "أزمة الهوية والملكية في سورية" (بتاريخ 1 تموز/يوليو 2026): ناقشنا فيه الجذور السياسية والقانونية لأزمة الوثائق المدنية، وقدم رؤية متكاملة تشمل استقلال القضاء، وتسوية النزاعات العقارية، والتحول الرقمي، والعدالة بين الجنسين.
- مقال "بناء الهوية الوطنية على أسس الحق والمواطنة" (بتاريخ 19 آذار/مارس 2026): حيث أكدنا فيه على أن بناء الهوية الوطنية الجامعة يمر عبر إصلاح جذري للمنظومة القانونية، وإلغاء جميع القوانين الاستثنائية والتمييزية التي شرّعت للانتهاك والإقصاء.
- بيان "إطلاق تطبيق ‘الشؤون المدنية'" (بتاريخ 21 حزيران/يونيو 2026): ثمنا فيه جهود وزارة الداخلية في تحويل خدمات السجل المدني إلى رقمية، وأكدنا على أن أتمتة الخدمات الإدارية تُسهم في الحد من الفساد والمحسوبية واستعادة الثقة بين المواطن والدولة.
يرى تيار المستقبل السوري أن إقرار قانون جديد للأحوال المدنية، رغم أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة أزمة الهوية، بل يستوجب معالجة جذرية لعدد من التحديات:
- حجم الأزمة: فمعاناة 62% من الأسر من نقص في وثائق الهوية المدنية تعكس حجم المأساة، وتتطلب استراتيجية وطنية شاملة تتجاوز الإطار القانوني إلى آليات تنفيذية ميدانية.
- الفجوة بين النص والواقع: فالتجربة السورية تزخر بقوانين تضمن حقوق المواطن نظرياً، لكنها تظل حبراً على ورق في غياب الإرادة السياسية والمؤسسية للتنفيذ.
- تعقيدات الحرب والنزوح: فملايين السوريين فقدوا وثائقهم أثناء النزوح، أو وُلدوا في مناطق لا تتوفر فيها خدمات السجل المدني، مما يستوجب آليات استثنائية لاستعادة هويتهم.
- التحديات التقنية والرقمية: فرغم إطلاق تطبيق "الشؤون المدنية" كخطوة إيجابية، فإن التحول الرقمي الكامل يحتاج إلى بنية تحتية متطورة، وتدريب كوادر، وضمانات للأمن السيبراني.
وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في مراقبة مسار بناء الدولة ومؤسساتها، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- ضمان أن يكون القانون الجديد شاملاً وعصرياً، بحيث لا يقتصر على معالجة الإشكاليات الحالية، بل يرسي أسساً مستقبلية لمنظومة مدنية رقمية متكاملة، تضمن سهولة الوصول إلى الخدمات لجميع السوريين دون تمييز.
- ربط مشروع القانون بخطط التحول الرقمي، أسوة بالتزام وزارة الداخلية السابق بتحويل جميع خدمات السجل المدني إلى رقمية، مع تحديد جدول زمني واضح لإنجاز هذه الخطة.
- إطلاق حملة وطنية لتوثيق الهوية، تستهدف الفئات الأكثر تضرراً، خاصة النازحين والعائدين واللاجئين، لتيسير حصولهم على وثائقهم المدنية، مع تبسيط الإجراءات وتقليص البيروقراطية.
- تعزيز آليات الرقابة والشفافية، لضمان عدم تحول القانون الجديد إلى أداة للتمييز أو الاستبعاد، وضمان حقوق جميع السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم.
- الاستفادة من التجارب الدولية والخبرات المحلية: في مجال تسوية أوضاع الوثائق المدنية، مع مراعاة الخصوصية السورية والتحديات التي فرضتها سنوات الحرب والنزوح.
يُثمن تيار المستقبل السوري هذا التوجه الحكومي نحو إصلاح منظومة الأحوال المدنية، ويرى فيه خطوة في الاتجاه الصحيح لاستعادة الهوية القانونية لملايين السوريين، وإرساء أسس المواطنة المتساوية.
كما نُؤكد بأن الهوية المدنية حق أساسي تكفله المواثيق الدولية والدساتير الوطنية، وأن استعادة هذا الحق هي شرط لا غنى عنه لنجاح المرحلة الانتقالية وبناء سورية الجديدة.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن ملف الهوية والجنسية هو ملف وطني بامتياز، يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية، لضمان عدم ترك أي سوري خلف الركب.
فسورية الجديدة التي ننشدها هي سورية المواطنة المتساوية، حيث يكون لكل فرد هويته القانونية التي تمنحه حقوقه وتحدد واجباته، وتُعيد إليه كرامته التي انتزعت منه لعقود.
وسيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز حقوق المواطنة والهوية القانونية، ناقداً لكل ما يعيق تحقيق العدالة والمساواة، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية جديدة يسودها القانون، وتُصان فيها كرامة الإنسان.