قراءة في زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق

قام رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في الثالث من آب/أغسطس 2026، بزيارة رسمية إلى دمشق بدعوة من الرئيس أحمد الشرع.

تزامنت الزيارة مع وصول وفد اقتصادي من مجموعة استثمارية كردستانية، وجاءت في سياق جهود وساطة مستمرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

أكدت البيانات الرسمية الصادرة عن الطرفين على وحدة سورية، وصون حقوق المكونات، وتطوير التعاون الاقتصادي.
غير أن الأهمية الحقيقية للزيارة لا تكمن في التصريحات بقدر ما تكمن في توقيتها وموقعها ضمن شبكة المصالح المتداخلة في شمال شرق سوريا والمنطقة المحيطة.

الإطار الاستراتيجي للزيارة:

تشكل الزيارة أول تواصل رسمي معلن بهذا المستوى بين قيادة إقليم كردستان والسلطة الانتقالية في دمشق بعد تغير النظام.
سبقها دور وساطة قام به بارزاني لتقريب وجهات النظر بشأن مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرة قسد.

هذا الدور ليس جديداً بالكامل؛ فقد حافظ الإقليم على قنوات اتصال متباينة مع أطراف سورية متعددة خلال السنوات السابقة، مستفيداً من موقعه الجغرافي وعلاقاته المتوازنة نسبياً مع تركيا والولايات المتحدة وإيران.

من منظور استراتيجي، تعكس الزيارة محاولة لإدارة ملف معقد يجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة: السيادة المركزية للدولة السورية، المطالب الكردية بالاعتراف والحقوق، والمصالح الأمنية التركية.

وأي تقدم أو تعثر في هذا الملف يؤثر مباشرة على استقرار الحدود المشتركة، وعلى قدرة دمشق على بسط سيطرتها الإدارية والاقتصادية على مناطق غنية بالموارد، وعلى حسابات أنقرة الأمنية.

البعد السياسي-الأمني:

تركز الجزء الأكبر من النقاشات المحيطة بالزيارة على مستقبل قسد واتفاقات الدمج المحتملة مع مؤسسات الدولة.
تشير المصادر المتاحة إلى وجود تفاهمات سابقة غير مكتملة التطبيق، وإلى تمسك دمشق بمبدأ إنهاء الوجود العسكري المستقل للإدارة الذاتية.

في المقابل، تواجه قسد انقسامات داخلية معروفة بين تيارات أكثر استعداداً للتفاوض وتيارات تتمسك بهامش أوسع من الاستقلالية، فضلاً عن تعقيدات مرتبطة بعلاقتها التاريخية بحزب العمال الكردستاني.

الوساطة التي يقوم بها بارزاني تستند إلى رصيد الإقليم في إدارة علاقات معقدة، لكنها تواجه حدوداً بنيوية.
فـ أربيل ليست طرفاً مقرراً في القرار الداخلي لقسد، كما أن قدرتها على تقديم ضمانات ملزمة لدمشق أو لأنقرة تبقى محدودة.
و أي اتفاق دمج ناجح يتطلب أكثر من إرادة سياسية عليا؛ يحتاج إلى آليات تنفيذ مفصلة تشمل الجداول الزمنية، ترتيبات الأمن المحلي، مصير المقاتلين، وإدارة الموارد. غياب هذه التفاصيل حتى الآن يبقي المسار عرضة للتعثر.

من جانب آخر، يثير التعامل مع الملف الكردي السوري تحديات داخلية لدمشق تتعلق بالتوازن بين خطاب الوحدة الوطنية ومطالب مكونات أخرى، وبكيفية تجنب إعادة إنتاج أنماط الإقصاء السابقة تحت عناوين جديدة.

البعد الاقتصادي:

الوفد الاقتصادي المرافق للزيارة يشير إلى رغبة في تحويل التقارب السياسي إلى مسارات استثمارية.
فشمال شرق سورية يحتفظ بأهمية اقتصادية نسبية بفضل الموارد الهيدروكربونية والأراضي الزراعية، رغم التدهور الكبير الذي لحق بالبنية التحتية والإنتاج خلال سنوات الصراع.

وأي تعاون مع إقليم كردستان يمكن أن يشمل مجالات محدودة مثل التجارة الحدودية، إعادة تأهيل بعض المرافق، أو خبرات إدارية في قطاع الطاقة.
غير أن الإمكانات الاقتصادية تصطدم بقيود واضحة: غياب إطار قانوني استثماري مستقر في سورية الانتقالية، واستمرار حالة عدم اليقين الأمنية في مناطق متعددة، وصعوبة جذب رؤوس أموال كبيرة دون ضمانات سيادية وتأمين مخاطر.

كما أن إعادة دمج الموارد النفطية في الاقتصاد الوطني تثير أسئلة معقدة حول آليات التوزيع والشفافية والحصص المحلية، وهي أسئلة لم تُحسم بعد في النقاش العام.

المصالح الإقليمية المتداخلة:

تركيا تمثل الفاعل الأكثر تأثيراً في معادلة الشمال السوري.
وأي تفاهم بين دمشق وأربيل يُقرأ في أنقرة من زاوية انعكاسه على وجود قسد وقدرتها العسكرية.

كما أن التقدم نحو دمج فعلي يقلل من التهديد المتصور، بينما الجمود أو الاتفاقات الشكلية قد يدفع أنقرة إلى خيارات أخرى.
وأما إيران، من جهتها، تراقب التقارب بحذر خشية تراجع نفوذ شبكاتها في المنطقة.
أما القوى الدولية، وخاصة الولايات المتحدة، فتظل معنية بالحفاظ على ترتيبات أمنية محدودة ضد بقايا تنظيم الدولة، وهو ما يمنح قسد هامش مناورة إضافياً في المفاوضات.

تجعل هذه التداخلات من الصعب فصل الملف السوري-الكردستاني عن التوازنات الإقليمية الأوسع.
كما أن النجاح أو الفشل لن يكون نتيجة إرادة الطرفين السوري والكردستاني فحسب، بل محصلة لتوافق أو تضارب مصالح أطراف متعددة.

سيناريوهات محتملة ومؤشراتها:

السيناريو الأول، تقدم تدريجي محسوب*:

يتوصل الطرفان إلى اتفاق إطار يحدد مراحل دمج المؤسسات العسكرية والإدارية، مع ضمانات محدودة للحقوق الثقافية والإدارية.
تبدأ خطوات تنفيذية ملموسة خلال أشهر (إعادة انتشار وحدات، آليات مشتركة لإدارة بعض الموارد).
المؤشرات المبكرة: إعلانات رسمية متزامنة، زيارات متبادلة على مستوى فني، وبدء مشاريع اقتصادية صغيرة عابرة للحدود.
هذا المسار يتطلب تنازلات متبادلة وضبطاً للتوترات مع أنقرة.

السيناريو الثاني، جمود تفاوضي مطول:

تستمر اللقاءات والتصريحات الإيجابية دون اختراقات تنفيذية.
وتحتفظ قسد بهامش سيطرة ميدانية فعلي، بينما تؤكد دمشق على السيادة دون القدرة على فرضها بالكامل.
المؤشرات: غياب الجداول الزمنية الملزمة، استمرار التوترات المحلية المتقطعة، ومحدودية الاستثمارات.
وربما يبدو هذا السيناريو هو الأقرب إلى استمرار الوضع الراهن بتعديلات طفيفة.

السيناريو الثالث، تعثر وتوتر متجدد:

تنهار جهود الوساطة بسبب رفض أطراف داخلية أو ضغوط خارجية.
تعود المواجهات المحدودة أو الإجراءات الأحادية.
المؤشرات: تصعيد إعلامي متبادل، تحركات عسكرية ميدانية، وتراجع في قنوات الاتصال.
هذا المسار يرفع كلفة الاستقرار على جميع الأطراف ويؤخر أي تعافٍ اقتصادي في المنطقة.
احتمالات تحقق هذه السيناريوهات تبقى مفتوحة، وتعتمد على قدرة الأطراف على إدارة التناقضات الداخلية والضغوط الإقليمية أكثر مما تعتمد على حسن النوايا المعلنة.

خلاصة:

تمثل زيارة بارزاني لحظة تموضع جديدة في علاقات دمشق مع الفاعلين الكردستانيين، وليست بالضرورة نقطة تحول حاسمة.
أهميتها تكمن في اختبار إمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح المشتركة في شمال شرق سورية.

غير أن هذا الانتقال مشروط بعوامل متعددة تتجاوز إرادة الطرفين المباشرين: تماسك القرار داخل قسد، حسابات أنقرة الأمنية، قدرة دمشق على تقديم ترتيبات مؤسسية مقنعة، وتوافر حد أدنى من التوافق الدولي.

والتحليل الموضوعي يفرض تجنب المبالغة في وصف الزيارة بـ«الفرصة التاريخية» أو التقليل من أهميتها كقناة اتصال ضرورية.
ويبدو أن الواقع يشير إلى مسار تفاوضي معقد، مفتوح على احتمالات التقدم المحدود كما هو مفتوح على الجمود.

والمتابعة الدقيقة للمؤشرات الميدانية والتنفيذية خلال الأشهر المقبلة ستكون أكثر دلالة من التصريحات الرسمية في تحديد الاتجاه الفعلي لهذا المسار.

شاركها على:

اقرأ أيضا

مشروع قانون الأحوال المدنية

مشروع قانون الأحوال المدنية ودوره في معالجة أزمة الوثائق المدنية في سورية.

4 أغسطس 2026

إدارة الموقع

حملة مراجعة أملاك الدولة

حملة مراجعة أملاك الدولة تهدف لتحديث بيانات 60 ألف عقار لزيادة الشفافية وكفاءة إدارة الأصول العقارية.

4 أغسطس 2026

إدارة الموقع