حملة مراجعة أملاك الدولة

يُتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ إعلان هيئة أملاك الدولة عن استعدادها لتدقيق نحو 60 ألف عقار ضمن حملة وطنية شاملة لمراجعة أملاك الدولة، مع إمكانية ارتفاع العدد إلى 100 ألف عقار بعد استكمال عمليات الحصر والتدقيق.

كما تابعتا توضيح المدير العام للهيئة، عدنان القاسم، في تصريحات للإخبارية السورية أمس الأحد 03-08-2026م، أن الحملة تهدف إلى تعزيز إيرادات الخزانة العامة وتنشيط الاستثمار، من خلال إعادة تخمين العقارات وفق معايير علمية حديثة، بما يضمن تحديد القيمة الحقيقية للإيجارات وتحقيق إدارة أكثر كفاءة للأصول العقارية المملوكة للدولة.

هذا، ونرى أن هذا الإعلان يأتي في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى أن أزمة الوثائق العقارية والملكية في سورية قد بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث يفتقر 61٪ من الأسر إلى وثائق ملكية رسمية، وترتفع هذه النسبة إلى 80٪ بين العائدين منذ ديسمبر 2024 وفقاً للتقييم الميداني الذي أجراه المجلس النرويجي للاجئين (NRC).

يُسجل تيار المستقبل السوري أن إطلاق هذه الحملة الوطنية يحمل ثلاث دلالات رئيسية:

أولاً: يُجسّد اعترافاً رسمياً بحجم الفوضى التي عصفت بملف أملاك الدولة خلال العقود الماضية، والتي نتج عنها تضارب في الملكيات، وهدر للمال العام، وتراجع في إيرادات الخزانة، وفقدان ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

فغياب قاعدة بيانات موحدة للأملاك العقارية، وتراكم النزاعات القانونية، وتداخل الولاءات السياسية مع الإدارة العقارية، كلها عوامل أدت إلى تآكل المال العام وإحباط المستثمرين.

ثانياً: يُشير إلى تحول في منهجية إدارة المال العام، من النهج الارتجالي إلى النهج المؤسسي القائم على المعايير العلمية والشفافية.
حيث نرى بإعادة تخمين العقارات وفق معايير علمية حديثة، والكشف عن نتائج الحملة لوسائل الإعلام، يمثلان نقلة نوعية في ثقافة إدارة الأصول، ويعكسان إدراكاً بأن المال العام هو أمانة في أعناق الدولة، لا مورداً للإنفاق العشوائي أو منافع المحسوبية.

ثالثاً: يُشكّل شرطاً أساسياً لتهيئة مناخ استثماري جاذب، إذ لا يمكن جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ولا تشجيع اللاجئين على العودة، في ظل غياب نظام قانوني واضح يضمن حقوق الملكية ويُحسم النزاعات العقارية.

وتأتي هذه الحملة كخطوة تكميلية لجهود سابقة، من أبرزها قانون الاستثمار الجديد الصادر في تموز 2025 الذي أنشأ المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وهيئة مستقلة للاستثمار، وتشكيل مجلس الأعمال السوري – السعودي في شباط 2026 الذي يُعد خطوة استراتيجية في مسار التعافي الاقتصادي.

يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بمواقفه الثابتة المنشورة على موقعه الرسمي، والتي تؤكد على أولوية إصلاح منظومة الملكية واستعادة ثقة المواطن بالدولة:

  • مقال "خمس ملاحظات رئيسية حول قرار تشكيل لجنة قضائية لإعادة النظر في ملفات الاستيلاء على الأملاك" (بتاريخ 2 يوليو 2025)، حيث رحبنا فيه بالقرار الصادر عن وزير العدل بتشكيل لجنة قضائية للنظر في الاعتراضات على قرارات الاستيلاء على الأملاك الخاصة، واعتبرناه بداية ضرورية لمراجعة قانونية طال انتظارها، مع التأكيد على أن هذا القرار لا يجب أن يُعتبر نتيجة نهائية، بل مقدمة لمسار إصلاحي شامل في ملف حقوق الملكية.
  • مقال "أزمة استملاكات التل إلى العدالة العقارية في سورية" (بتاريخ 27 تشرين الأول/أكتوبر 2025)، حيث ناقش الإشكاليات القانونية والإدارية التي رافقت عمليات الاستملاك في سورية، ودعا إلى مراجعة شاملة لقانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983م، وضمان تعويضات عادلة للمتضررين.

غير أن تيار المستقبل السوري يرى أن إطلاق الحملة، رغم أهميته، يواجه تحديات كبرى تستوجب المعالجة الجذرية:

  • حجم الأزمة وسرعة الإنجاز: فمراجعة نحو 100 ألف عقار هي مهمة ضخمة تتطلب إمكانات بشرية وتقنية هائلة، وتوقعات واضحة للانجاز، خشية تحولها إلى مهمة مستحيلة أو معلقة.
  • الفجوة بين التوثيق والتنفيذ: فهذه الحملة ليست الأولى من نوعها، فسبق أن صدرت قرارات وتشكيلات لم تنجح في تحقيق أهدافها لعدم توفر الإرادة السياسية أو المؤسسية الكافية للتنفيذ، أو لعدم وجود آليات رقابية ومتابعة.
  • التحديات التقنية والرقمية: فإنجاز حصر وتدقيق بهذا الحجم يتطلب بنية تحتية رقمية متطورة وقواعد بيانات مؤمنة، وقدرات بشرية مؤهلة، وهي تحديات تواجه مؤسسات الدولة في المرحلة الحالية.
  • التشابك مع ملفات أخرى: فلا يمكن فصل مراجعة أملاك الدولة عن ملفات الاستيلاء على الأملاك الخاصة، والنزاعات العقارية، وقضايا الميراث، ووثائق الملكية المفقودة، مما يستوجب رؤية متكاملة لا معالجة منعزلة.
  • غياب آليات المساءلة: فمعرفة حجم الأملاك وإعادة تخمينها هو خطوة أولى، لكن الأهم هو وضع آليات لمحاسبة المتسببين في هدر المال العام أو التلاعب بالأملاك، وضمان عدم تكرار الممارسات السابقة.

وانطلاقاً من مسؤوليته الوطنية في مراقبة مسار بناء الدولة ومؤسساتها، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

  1. اعتماد الشفافية الكاملة في جميع مراحل الحملة، من خلال نشر تقارير دورية عن سير العمل ونتائج التدقيق، وإتاحة المعلومات للرأي العام ووسائل الإعلام، أسوة بالتزام الهيئة بالكشف عن النتائج لوسائل الإعلام.
  2. ربط الحملة بخطط التحول الرقمي، عبر إنشاء قاعدة بيانات مركزية موحدة لأملاك الدولة، قابلة للتحديث والتدقيق، ومؤمنة ضد التلاعب، مع تسهيل وصول المواطنين والمستثمرين إلى المعلومات التي تخصهم.
  3. معالجة النزاعات العقارية بالتوازي مع الحصر، من خلال تفعيل دور اللجان القضائية والمصالحة المجتمعية، وتسريع إجراءات البت في قضايا الملكية، وضمان حقوق المتضررين من الاستيلاءات غير القانونية.
  4. إطلاق حملة توعية وطنية، لتعريف المواطنين والمستثمرين بأهمية هذه الخطوة، وآليات الاستفادة منها، وسبل الإبلاغ عن أي تجاوزات أو مخالفات.
  5. ضمان استدامة الإصلاح، بأن لا تبقى الحملة نشاطاً مؤقتاً، بل تُتحول إلى آلية دائمة لإدارة أملاك الدولة، مع تحديث البيانات بشكل دوري، ومراجعة العقود والإيجارات وفق معايير علمية، ومحاسبة أي تقصير.

يُثمن تيار المستقبل السوري هذه الخطوة التي تُعزز كفاءة إدارة المال العام، وتُسهم في تنشيط الاستثمار وزيادة إيرادات الخزانة، وتُمهد الطريق لاستعادة ثقة المواطن والمستثمر بمؤسسات الدولة.

كما يُذكّر بأن مراجعة أملاك الدولة هي جزء من عملية إصلاح أوسع تشمل ملفات الملكية الخاصة، والاستيلاءات غير القانونية، والنزاعات العقارية، وأن نجاح هذه الحملة يتوقف على الجدية في التنفيذ، والشفافية في المتابعة، والإرادة السياسية لإحداث تغيير حقيقي.

ويؤكد تيار المستقبل السوري أن المال العام هو ملك للشعب، وإدارته بحكمة وشفافية هي مسؤولية الدولة، وأمانة في أعناق القائمين عليها.

فسورية الجديدة التي ننشدها هي سورية المؤسسات، حيث يُدار المال العام وفق معايير الكفاءة والعدالة، وتُصان فيها حقوق المواطنين والمستثمرين على حد سواء.

وسيبقى تيار المستقبل السوري داعماً لكل ما يُعزز كفاءة إدارة المال العام والشفافية، ناقداً لكل ما يعيق تحقيق العدالة والمساءلة، مراقباً لكل ما يُنجز على الأرض، سعياً إلى سورية جديدة يسودها القانون، وتُدار فيها أملاك الدولة بما يحقق الخير العام.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الأسرة وسلامة الطفل من سوء المعاملة والإهمال

تسليط الضوء على الأسرة وسلامة الطفل من سوء المعاملة والإهمال في السياق السوري وضرورة حماية حقوق الأطفال.

3 أغسطس 2026

فاتنة الطويل

أحداث عين منين

آثار الاحتجاجات الشعبية والتوترات الأخيرة في بلدة عين منين بريف دمشق

3 أغسطس 2026

إدارة الموقع