الملخص التنفيذي:
لا يمكن لأي دولة أن تبني مؤسسات مستقرة أو تحقق تعافياً اقتصادياً واجتماعياً مستداماً، بينما يعجز ملايين من مواطنيها عن إثبات هويتهم القانونية أو ملكيتهم لمنازلهم وأراضيهم. فالهوية المدنية وسندات الملكية ليست مجرد وثائق إدارية، وإنما تمثل الأساس الذي تقوم عليه المواطنة، وسيادة القانون، والثقة بين الفرد والدولة.
وفي الحالة السورية، تُعد أزمة الوثائق المدنية وحقوق السكن والأراضي والملكية (Housing, Land and Property – HLP) واحدة من أعقد التحديات التي تواجه مرحلة الانتقال وإعادة الإعمار، لما لها من تأثير مباشر على عودة اللاجئين والنازحين، والاستقرار المجتمعي، والاستثمار، والتنمية الاقتصادية.
ويستند هذا المقال إلى التقييم الميداني الذي أجراه المجلس النرويجي للاجئين (NRC)، واكتمل في ديسمبر/كانون الأول 2025، وشمل (1200) أسرة في تسع محافظات سورية، إضافة إلى (28) جلسة نقاش مركزة و(36) مقابلة مع خبراء ومتخصصين. وتُظهر نتائجه أن (62%) من الأسر تعاني نقصاً في وثائق الهوية المدنية، بينما تفتقر (61%) منها إلى وثائق ملكية رسمية، وترتفع هذه النسبة إلى (80%) بين العائدين منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
ويناقش هذا المقال الجذور السياسية والقانونية للأزمة، ويستعرض أبرز التجارب الدولية المقارنة، ويحلل الواقع السوري الراهن، ثم يطرح ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل هذا الملف، ويختتم بمجموعة من التوصيات العملية المستندة إلى أفضل الممارسات الدولية، مع التركيز على استقلال القضاء، وتسوية النزاعات العقارية، والتحول الرقمي، والعدالة بين الجنسين، والتمويل المستدام.
الإطار النظري:
تجمع أدبيات بناء السلام واقتصاديات ما بعد النزاعات على أن الأمن القانوني يمثل أحد الشروط الأساسية لنجاح أي عملية انتقال سياسي أو تعافٍ اقتصادي. فلا يمكن جذب الاستثمارات، ولا إعادة الإعمار، ولا تشجيع اللاجئين على العودة، في ظل غياب نظام قانوني يضمن الاعتراف بالشخص وحقوقه وممتلكاته.
ولا يقتصر غياب الوثائق المدنية أو سندات الملكية على كونه مشكلة إدارية أو بيروقراطية، بل يؤدي إلى تجريد الإنسان من شخصيته القانونية، وحرمانه من جملة واسعة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك التعليم، والرعاية الصحية، والعمل، والسكن، والتنقل، والتقاضي، والتمثيل القانوني.
وفي هذا السياق، قال فيديريكو جاكيتي، المدير القطري للمجلس النرويجي للاجئين في سورية:
"خلال زيارة إلى شمال حلب، قابلت عدداً لا يحصى من الأسر التي لا يوجد أي سجل لوجودها، لأن آباءها ولا أجدادها امتلكوا أي وثائق رسمية."
وتنسجم هذه المعطيات مع نظرية المواطنة التعاقدية، التي ترى أن شرعية الدولة الحديثة لا تقوم على خضوع الأفراد لسلطة الحاكم، وإنما على عقد اجتماعي يكفل المساواة بين المواطنين، ويضمن حماية حقوقهم القانونية دون تمييز.
ومن هذا المنطلق، لا تُعد أزمة الوثائق المدنية والملكية في سورية مجرد تراكم لإخفاقات إدارية، بل تعكس عمق الأزمة السياسية التي رافقت عقوداً من الحكم الاستبدادي، حيث تحولت الوثيقة الرسمية من وسيلة لإثبات الحقوق إلى أداة للضبط والسيطرة والإقصاء.
كما يرتبط هذا الملف ارتباطاً وثيقاً بعدد من المبادئ الدستورية الراسخة، وفي مقدمتها:
- سيادة القانون.
- الأمن القانوني.
- المساواة أمام القانون.
- الحق في الشخصية القانونية.
- الحق في الملكية الخاصة.
وقد أكد الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس/آذار 2025 أن "الملكية الخاصة مصونة، ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل"، وهو مبدأ يشكل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، إلا أن فعاليته العملية تبقى رهينة بوضع آليات قانونية مستقلة وعادلة لمعالجة مئات آلاف النزاعات العقارية المتراكمة خلال سنوات الصراع.
الدروس المستفادة من التجارب الدولية:
أولاً: البوسنة والهرسك (1995-2005)
نموذج اللجنة شبه القضائية المستقلة
بعد انتهاء الحرب، أنشأت اتفاقية دايتون للسلام لجنة مطالبات الملكية العقارية (CRPC)، وهي هيئة مستقلة ذات طبيعة شبه قضائية، أوكلت إليها مهمة الفصل في مطالبات اللاجئين والنازحين المتعلقة بالعقارات.
وخلال نحو عشر سنوات، تمكنت اللجنة من معالجة مئات آلاف المطالبات، وأسهمت بصورة مباشرة في تهيئة الظروف القانونية لعودة ما يقارب مليون نازح ولاجئ.
وتبرز التجربة البوسنية أهمية إنشاء هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية، تمتلك صلاحيات قانونية واضحة، وتصدر قرارات ملزمة، مع ضمان حق الطعن أمام القضاء، بما يعزز الثقة العامة ويحد من التدخلات السياسية.
ثانياً: رواندا (1994-2009)
الرقمنة والإصلاح التشريعي المتكامل
بعد الإبادة الجماعية، أطلقت رواندا برنامجاً وطنياً لتسوية حيازة الأراضي (LTR)، نجح في مسح وترقيم وأرشفة أكثر من عشرة ملايين قطعة أرض خلال أقل من عقد.
ولم يقتصر المشروع على تحديث السجلات، بل رافقه إصلاح تشريعي شامل، خاصة في قوانين الميراث وحقوق المرأة، الأمر الذي أدى إلى زيادة نسبة تملك النساء للأراضي، وخفض النزاعات العقارية بصورة ملحوظة، وتعزيز الأمن القانوني.
وتوضح هذه التجربة أن التحول الرقمي، مهما بلغ من التطور، لا يحقق أهدافه ما لم يقترن بإصلاحات تشريعية تزيل أسباب التمييز وتضمن تكافؤ الحقوق.
ثالثاً: العراق وأفغانستان
عندما تفشل المؤسسات
في المقابل، تكشف تجربتا العراق وأفغانستان أن وجود قوانين متقدمة لا يكفي وحده لضمان العدالة أو حماية الملكية.
فعلى الرغم من صدور تشريعات حديثة في كلا البلدين، فإن ضعف استقلال القضاء، واستمرار الفساد، وغياب الإرادة السياسية، أدى إلى تحويل قوانين الملكية والاستثمار في كثير من الحالات إلى أدوات للمحسوبية وتقاسم النفوذ، بدلاً من أن تكون وسائل لتحقيق العدالة والاستقرار.
وتؤكد هذه التجارب أن الإصلاح القانوني لا ينجح دون مؤسسات مستقلة وقضاء نزيه وإدارة عامة كفؤة.
واقع الأزمة في سورية:
أولاً: حجم الأزمة
استند تقييم المجلس النرويجي للاجئين إلى دراسة ميدانية شملت (1200) أسرة في محافظات حلب، وإدلب، والحسكة، والرقة، ودرعا، ودمشق، وريف دمشق، وحماة، وحمص، واكتمل في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وأظهرت النتائج مؤشرات مقلقة، أبرزها:
62% من الأسر لديها فرد واحد على الأقل يفتقر إلى وثائق الهوية المدنية، مقابل 38% فقط تمتلك وثائق مكتملة.
80% من العائدين منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 يعانون من نقص في الوثائق الرسمية.
61% من الأسر لا تمتلك وثائق ملكية رسمية، رغم أن 70% منها أفادت بأنها تملك أو تستأجر مسكناً.
21% من الأسر تواجه خطر الإخلاء، فيما أكد 69% من هذه الأسر أنها لم تتلق أي إشعار قانوني مسبق بالإخلاء.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة قانونية واسعة تهدد الأمن الاجتماعي، وتعرقل العودة الطوعية، وتزيد احتمالات النزاعات العقارية مستقبلاً.
ثانياً: البعد المتعلق بالمرأة
تتعرض النساء السوريات لتحديات قانونية مضاعفة في الوصول إلى الحقوق العقارية والمدنية.
فبحسب نتائج التقييم:
87% من النساء اللواتي فقدن أزواجهن لا يستطعن التصرف بممتلكات الزوج الغائب بسبب غياب شهادة الوفاة أو الحكم القضائي.
24% فقط من النساء اللواتي تقدمن بطلبات إعلان الوفاة أو الغياب نجحن في الحصول على قرار قضائي، بينما بقيت 66% من الطلبات معلقة.
70% من النساء يفتقرن إلى وثائق ملكية رسمية، مقارنة بنسبة تقل عن ذلك بين الرجال.
وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 2025، أصدرت وزارة العدل التعميم رقم (17)، الذي نظم أحكام الولاية على القُصّر، وقصرها على الأب ثم أقاربه من جهة الأب.
وقد أثار هذا التعميم نقاشاً قانونياً وحقوقياً واسعاً، وعدّته جهات حقوقية تكريساً لتمييز قائم ضد النساء، لما قد يترتب عليه من آثار عملية تتعلق بإدارة أموال القُصّر والوصول إلى الحقوق المدنية.
الجهود الحكومية الراهنة:
منذ سقوط النظام البائد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت الحكومة الانتقالية اتخاذ عدد من الخطوات لإعادة تفعيل مؤسسات التوثيق العقاري والمدني، في محاولة لاستعادة الحد الأدنى من الأمن القانوني اللازم لمرحلة التعافي.
ففي 21 يناير/كانون الثاني 2025 استأنفت المديرية العامة للمصالح العقارية عملها، معلنة إعادة تقديم خدمات بيان القيد العقاري، والبيانات المساحية، وسندات التمليك. كما أصدرت في 18 فبراير/شباط 2025 تعميماً يسمح بتوثيق العقود ووضع الإشارات وترقينها، قبل أن تعيد في 11 أغسطس/آب 2025 فتح باب نقل الملكية مباشرة في السجل العقاري.
وأعلنت المديرية خلال عام 2025 إنجاز أتمتة نحو (12) ألف عقار، وإنجاز أكثر من (27) ألف عقد، وإصدار (7021) بياناً مساحياً، وأكثر من (185) ألف بيان قيد عقاري، بالتوازي مع إطلاق الحكومة مشروعاً للتحول الرقمي في خدمات الأحوال المدنية.
وتُعد هذه الإجراءات خطوات إيجابية نحو استعادة عمل المؤسسات، إلا أنها لا تزال دون مستوى التحديات القائمة، إذ ما تزال البلاد تواجه عقبات كبيرة تتمثل في تدمير أجزاء واسعة من السجلات العقارية والمدنية، وتعدد المرجعيات الإدارية التي نشأت خلال سنوات الانقسام، وضعف البنية التقنية، والحاجة إلى تعزيز استقلال القضاء، إضافة إلى استمرار بعض النصوص والإجراءات التي تثير إشكالات قانونية وحقوقية، ولا سيما فيما يتعلق بوصول النساء إلى حقوقهن المدنية والعقارية.
كما لا تزال بعض الإجراءات الإدارية السابقة، ومنها اشتراط إثبات تسديد الرسوم المصرفية لتسجيل العقود، تمثل عبئاً إضافياً على المواطنين، إلى جانب استمرار عمل عدد من دوائر السجل المدني بصورة جزئية في بعض المناطق، مما يحد من سهولة الحصول على الوثائق الرسمية.
حركة العودة وتداعياتها:
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عودة نحو (1.6) مليون لاجئ سوري من الخارج بين ديسمبر/كانون الأول 2024 وأبريل/نيسان 2026، إضافة إلى عودة قرابة (1.9) مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية.
وتصدرت تركيا الدول التي عاد منها اللاجئون، تلتها لبنان، في حين ما يزال نحو (79%) من اللاجئين خارج سورية، رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن نسبة كبيرة منهم ترغب في العودة عندما تتوافر الضمانات القانونية والأمنية والاقتصادية.
وتبين المعطيات أن غياب الوثائق المدنية وسندات الملكية يمثل أحد أبرز العوائق أمام العودة المستدامة، إذ يفتقر نحو ربع اللاجئين العائدين إلى الوثائق الأساسية التي تمكنهم من تسجيل أبنائهم، أو استعادة ممتلكاتهم، أو الحصول على الخدمات العامة، أو اللجوء إلى القضاء لحماية حقوقهم.
ومن ثم، فإن معالجة أزمة الهوية والملكية لم تعد قضية قانونية فحسب، بل أصبحت شرطاً أساسياً لإنجاح برامج العودة الطوعية، وتحقيق الاستقرار المجتمعي، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
السيناريوهات المستقبلية:
أولاً: سيناريو التعافي المنظم (السيناريو الأفضل)
يقوم هذا السيناريو على افتراض وجود إرادة سياسية واضحة للإصلاح، تترافق مع دعم وطني ودولي كافٍ لإنجاز التحول المؤسسي والقانوني.
ويفترض هذا السيناريو:
- إنشاء هيئة وطنية مستقلة لتسوية نزاعات الملكية، على غرار لجنة (CRPC) في البوسنة والهرسك.
- استكمال إصلاح قوانين الأحوال الشخصية والميراث بما يضمن المساواة وعدم التمييز.
- إنجاز التحول الرقمي الكامل للسجلات المدنية والعقارية وربطها بمنصة وطنية موحدة.
- توفير تمويل مستدام لبرامج التوثيق والمساعدة القانونية.
ومن المتوقع، في حال تحقق هذه الشروط، تسوية ما بين (70-80%) من النزاعات العقارية خلال خمس إلى سبع سنوات، وتهيئة الظروف لعودة ملايين اللاجئين، وتحسين مؤشرات الأمن القانوني والاستقرار الاجتماعي.
ثانياً: سيناريو التعافي المتعثر (الأكثر ترجيحاً)
يفترض هذا السيناريو استمرار الإصلاحات الحالية بصورة جزئية، دون معالجة الجذور المؤسسية والتشريعية للأزمة.
وفي هذه الحالة ستبقى النزاعات العقارية تتراكم، وستظل العودة الطوعية محدودة، مع استمرار ضعف الثقة بالمؤسسات، وتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن هشاشة النظام القانوني.
ثالثاً: سيناريو الجمود والانهيار (السيناريو الأسوأ)
يقوم هذا السيناريو على تعثر الإصلاحات، وتجدد التوترات الأمنية، وتراجع الدعم الدولي، واستمرار غياب الحلول القانونية.
وفي هذه الحالة، قد تتوسع النزاعات حول الملكيات، وتتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، ويتحول النزوح المؤقت إلى حالة دائمة، بما يهدد فرص الاستقرار والتنمية لعقود قادمة.
التوصيات:
استناداً إلى التجارب الدولية والواقع السوري، يقترح المكتب الحقوقي في تيار المستقبل السوري ما يلي:
أولاً: على المستوى المؤسسي
- إنشاء هيئة وطنية مستقلة لتسوية نزاعات الملكية تتمتع بصلاحيات قانونية ملزمة، مع ضمان حق الطعن أمام القضاء.
- إنشاء دوائر ومحاكم متخصصة في المنازعات العقارية والأحوال الشخصية، بما يعزز سرعة الفصل وجودة الأحكام.
- اعتماد الوساطة المجتمعية كوسيلة مساندة لحل النزاعات، دون أن تكون بديلاً عن القضاء.
ثانياً: على المستوى التشريعي
- مراجعة قوانين الأحوال الشخصية والميراث بما ينسجم مع مبادئ العدالة والمساواة والضمانات الدستورية.
- . إصدار قانون خاص بالمفقودين والمغيبين يوازن بين حماية الأسرة وضمان الحقوق المالية والمدنية.
- تبسيط إجراءات استخراج الوثائق المدنية والعقارية، وتخفيض الرسوم، وتوحيد الإجراءات في جميع المحافظات.
ثالثاً: على المستوى التقني والإداري
- استكمال الأرشفة الرقمية للسجلات العقارية والمدنية، وربطها بمنصة وطنية موحدة.
2 . توحيد قواعد البيانات بين مختلف المناطق والمؤسسات، وإنهاء الازدواجية التي أفرزتها سنوات الصراع.
رابعاً: على مستوى العدالة الاجتماعية
- إطلاق برامج وطنية للتوعية القانونية، مع التركيز على النساء والفئات الأكثر هشاشة.
2 . إنشاء فرق قانونية متنقلة لتقديم المساعدة المجانية في المناطق الريفية والنائية.
خامساً: على مستوى التمويل والشراكات
- إنشاء صندوق وطني لدعم استخراج الوثائق وتسوية النزاعات القانونية للفئات الأكثر احتياجاً.
2 . إشراك الكفاءات السورية في الخارج في برامج التوثيق والرقمنة وبناء القدرات. - تعزيز الشراكة مع المنظمات الدولية، بما يضمن استمرار الدعم الفني والمالي ونقل الخبرات الدولية إلى المؤسسات الوطنية.
الخاتمة:
تكشف أزمة الهوية والملكية في سورية أن بناء الدولة لا يبدأ بإعادة تشييد المباني، بل بإعادة بناء العلاقة القانونية بين المواطن والدولة. فالوثيقة المدنية ليست مجرد ورقة رسمية، وسند الملكية ليس مجرد إجراء إداري؛ بل إن كليهما يمثلان اعتراف الدولة بوجود الإنسان، وحقوقه، وكرامته، ومكانته القانونية داخل المجتمع.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تجاوز آثار الحروب لم تنجح لأنها امتلكت موارد مالية أكبر، وإنما لأنها استطاعت بناء مؤسسات مستقلة، وقضاءً نزيهاً، وتشريعات عادلة، وإدارة عامة تحظى بثقة المواطنين.
وفي المقابل، تؤكد تجارب أخرى أن غياب العدالة القانونية يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات، وإضعاف الاستثمار، وتعثر عودة اللاجئين، وتآكل الثقة بمؤسسات الدولة، مهما بلغت جهود إعادة الإعمار.
واليوم، تقف سورية أمام فرصة تاريخية لإعادة تأسيس منظومة قانونية حديثة، تجعل الهوية حقاً لكل مواطن، وتحمي الملكية الخاصة باعتبارها ركناً من أركان الاستقرار والتنمية وسيادة القانون.
إن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد الوثائق التي تُصدرها الدولة، ولا بعدد المعاملات التي تُنجزها مؤسساتها، بل بقدرتها على ترسيخ الثقة بأن القانون يحمي جميع المواطنين على قدم المساواة، ويصون حقوقهم دون تمييز أو إقصاء.
فإذا نجحت سورية في ذلك، فإن أزمة الهوية والملكية يمكن أن تتحول من أحد أخطر تركات الماضي إلى إحدى أهم ركائز بناء دولة القانون والمؤسسات؛ أما إذا أُهملت، فإنها ستبقى من أخطر التحديات التي تهدد مسار التعافي والاستقرار الوطني لسنوات طويلة قادمة.