الأحكام القضائية بحق بشار وماهر الأسد

يتابع تيار المستقبل السوري الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب وعدد من رموز النظام البائد، وما رافقها من نقاش قانوني وحقوقي، ولا سيما بعد المواقف الدولية المنتقدة للمحاكمات الغيابية وعقوبة الإعدام.

وإننا في تيار المستقبل السوري، إذ نؤكد أن جرائم النظام البائد بحق الشعب السوري موثقة بكمّ هائل من الشهادات والوثائق والصور والأدلة، وأن محاسبة المسؤولين عنها ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل حق للضحايا وواجب على الدولة السورية الجديدة؛ فإننا نرى في الوقت نفسه أن ضخامة الجريمة لا تسمح بالتساهل في أصول المحاكمة، بل تجعل الالتزام بها أكثر ضرورة.

فالغاية ليست أن نصدر حكماً على بشار الأسد نعرف مسبقاً موقف السوريين الأخلاقي والتاريخي منه؛ وإنما أن نبني قضية قضائية سورية محكمة لا يستطيع محامٍ في المستقبل إسقاطها بثغرة إجرائية، ولا تستطيع دولة أجنبية استخدامها ذريعة لرفض تسليم مطلوب، ولا تستطيع منظمة حقوقية التشكيك في سلامة إجراءاتها.

وقد جاء موقف منظمة العفو الدولية المنتقد للمحاكمات الغيابية وعقوبة الإعدام ليكشف مبكراً عن هذه الإشكالية، بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع موقف المنظمة من عقوبة الإعدام من حيث المبدأ.

إننا نميز هنا بوضوح بين أمرين:

عدالة القضية السورية، وسلامة الإجراءات القضائية.
فعدالة قضية السوريين وما تعرضوا له من قتل وتعذيب وتهجير وإخفاء قسري لا تحتاج إلى إثبات سياسي جديد، أما الأحكام القضائية فتحتاج إلى أعلى درجات المهنية والدقة والشفافية، لأنها ستُختبر مستقبلاً أمام أنظمة قضائية ودولية مختلفة.

ويرى تيار المستقبل السوري أن المحاكمة التاريخية لرأس النظام البائد يجب ألا تتحول إلى مجرد حكم غيابي سريع، بل ينبغي أن تصبح المحاكمة الأم لجرائم النظام السابق؛ تُكشف من خلالها منظومة اتخاذ القرار، وسلاسل القيادة والمسؤولية، والأوامر الأمنية والعسكرية، ووثائق الأجهزة والمؤسسات، وشهادات الضحايا والناجين والمسؤولين السابقين، بما يؤسس لسجل قضائي وطني لا يمكن محوه أو إنكاره.

وبناءً عليه، فإن تيار المستقبل السوري يوصي بما يلي:

إجراء مراجعة قانونية شاملة ومستقلة لجميع الإجراءات التي سبقت الأحكام، والتأكد من استيفائها الكامل لأحكام القانون السوري وضمانات المحاكمة العادلة والمعايير القانونية الدولية ذات الصلة.

توضيح إجراءات تبليغ المتهمين الفارين للرأي العام، وبيان ما إذا جرى استنفاد وسائل التبليغ القانونية والدبلوماسية الممكنة، بما في ذلك مخاطبة الجهات المختصة في الدول التي يُعتقد بوجودهم فيها، ثم اللجوء إلى وسائل التبليغ البديلة التي يجيزها القانون عند تعذر ذلك.

ضمان حق الدفاع بصورة لا تقبل الالتباس، وبيان كيفية تمثيل المتهمين الغائبين قانونياً، لأن ضمان حق الدفاع ليس منحة للمتهم ولا تبرئة له، وإنما أحد أهم وسائل تحصين الحكم الصادر بحقه.

نشر الحيثيات القانونية الكاملة للأحكام متى سمحت الإجراءات القضائية بذلك، وعدم الاكتفاء بإعلان منطوق الحكم؛ فالرأي العام السوري يحتاج إلى معرفة الأدلة والتكييف القانوني والأساس الذي بُني عليه كل حكم.

فتح الأرشيفات الأمنية والعسكرية والقضائية للنظام البائد أمام الجهات القضائية المختصة، والعمل على تصنيفها وحفظها ورقمنتها وفق قواعد صارمة تمنع العبث بها أو إتلافها.

تشكيل فرق تحقيق وادعاء متخصصة بجرائم النظام السابق تضم قضاة ومحامين وخبراء في القانون الجنائي الدولي والعدالة الانتقالية والأدلة الجنائية والتوثيق، بدلاً من التعامل مع هذه الملفات باعتبارها دعاوى جنائية تقليدية.

توسيع ملفات الاتهام من المسؤولية الفردية المباشرة إلى المسؤولية القيادية وسلاسل إصدار الأوامر، بما يسمح بكشف البنية التي أنتجت القتل والتعذيب والإخفاء القسري، لا الاكتفاء بملاحقة المنفذين المباشرين.

الاستفادة من ملايين الوثائق والأدلة والشهادات التي أصبحت متاحة بعد سقوط النظام، إضافة إلى الأدلة التي جمعتها على مدى سنوات الجهات الحقوقية السورية والدولية، وبناء قاعدة أدلة وطنية موحدة تحفظ حقوق الضحايا وتخدم المحاكمات المقبلة.

دراسة الآثار الدولية المترتبة على عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية، ولا سيما انعكاسها المحتمل على طلبات تسليم المتهمين الموجودين خارج سورية، أو استخدامها أمام القضاء الأجنبي في دعاوى اللجوء وعدم التسليم والخشية على الحياة.

إعداد استراتيجية وطنية موحدة لملاحقة المطلوبين خارج سورية بالتنسيق بين وزارة العدل ووزارة الخارجية والجهات القضائية المختصة، بحيث تصاغ ملفات التسليم وفق المعايير المطلوبة في الدول التي يقيم فيها المطلوبون.

ربط هذه المحاكمات بمشروع العدالة الانتقالية السوري الشامل، بحيث يكون الضحايا وذوو المفقودين والمعتقلين والناجين جزءاً أساسياً من عملية كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر.

الاستعانة بخبرات قانونية سورية ودولية مستقلة لمراجعة الملفات الكبرى قبل الوصول إلى أحكام نهائية، ليس انتقاصاً من القضاء السوري، بل حمايةً له ولأحكامه من الطعون والإشكالات التي قد تظهر مستقبلاً.

الفصل الكامل بين المسار القضائي والموقف السياسي، ومنع تحويل محاكمات رموز النظام السابق إلى مادة دعائية أو انتقامية؛ لأن استقلال القضاء أحد أهم الفوارق التي ينبغي أن تميز سورية الجديدة عن منظومة الأسد.

إعطاء هذه المحاكمات ما تستحقه من الوقت والمهنية والعلنية المنضبطة؛ فبعد خمسة عشر عاماً من التضحيات لا يحتاج السوريون إلى حكم سريع، بل إلى حكم تاريخي راسخ يستطيع البقاء لعقود أمام القانون والتاريخ.

ويؤكد تيار المستقبل السوري أن المطالبة بضمان حقوق بشار الأسد أو ماهر الأسد أو غيرهما أثناء المحاكمة لا تعني الدفاع عنهم، ولا إنكار جرائمهم، ولا التساهل في محاسبتهم؛ بل هي دفاع عن الدولة السورية نفسها، وعن حقوق الضحايا قبل حقوق المتهمين.

فنحن لا نريد أن يأتي يوم تطلب فيه سورية تسليم أحد كبار مسؤولي النظام السابق، فيقف محاميه أمام محكمة أجنبية مستنداً إلى خلل في التبليغ، أو غياب الدفاع، أو قصور الإجراءات، أو عقوبة لا تسمح قوانين تلك الدولة بالتسليم عند احتمال تنفيذها، ليمنع إعادته إلى القضاء السوري.

شاركها على:

اقرأ أيضا

وقفة معلمي حلب ومطالبة النظر بشروط التثبيت

وقفة معلمي حلب ومطالبتهم بمراجعة شروط التثبيت المعقدة التي تؤثر على مستقبلهم المهني.

12 أغسطس 2026

إدارة الموقع

اليوم الدولي للشباب

اليوم الدولي للشباب يركز على تحديات الشباب السوري وآمالهم المشتركة في مواجهة الواقع الصعب.

12 أغسطس 2026

إدارة الموقع