صدر عن دار Basic Books في نيويورك في فبراير/شباط 2026، كتاب Syria: A Modern History للباحث دانيال نيب، ليكون واحداً من أوائل الأعمال التاريخية الشاملة التي تُنشر بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
يقع الكتاب في 560 صفحة، ويتألف من 12 فصلاً، مع مقدمة وافية، وببليوغرافيا وفهرس، وخرائط توضيحية.
المؤلف، دانيال نيب، هو باحث أول ومدير المنشورات في مركز "Arab Center Washington DC"، وزمالة غير مقيمة في "Crown Center for Middle East Studies" في جامعة برانديز.
سبق له تدريس سياسات الشرق الأوسط في جامعات مرموقة (جورج واشنطن، جورج تاون، إكستر)، وعاش في دمشق وعمّان وبيروت لخمس سنوات، مما أكسبه معرفة مباشرة بالمشهد السوري.
يُعد هذا الكتاب ثاني مؤلفاته عن سورية بعد كتابه الأول Occupying Syria under the French Mandate، الذي أسس لسمعته كباحث متخصص في التاريخ السياسي السوري.
يتصدّر الكتاب سؤالاً محورياً، كما تصوغه مراجعة فاينانشال تايمز: "كيف تحولت سورية، الغنية بتنوعها الثقافي، إلى موقع لواحدة من أكثر صراعات القرن الحادي والعشرين دموية وتعقيداً؟".
لكن الجواب، كما يقدّمه نيب، لا يقع في سردية المآسي فقط، بل في قصة شعب "انخرط في نضال شغوف من أجل العدالة والمساواة ومستقبل أفضل"، رغم العقود الطويلة من الديكتاتورية والقمع.
يقدّم الكتاب "سردية بارعة" تصحح النظرة التقليدية إلى سوريا كضحية سلبية، واضعاً شعبها في قلب التاريخ.
معلومات الكتاب الأساسية:
- العنوان: Syria: A Modern History
- العنوان العربي المقترح: سورية: تاريخ حديث
- المؤلف: دانيال نيب (Daniel Neep) – باحث أول في Arab Center Washington DC، زميل في Crown Center for Middle East Studies
- الناشر: Basic Books (الولايات المتحدة)
- تاريخ النشر: 24 فبراير 2026
- عدد الصفحات: 560 صفحة
- اللغة: الإنجليزية
- الرقم الدولي الموحد للكتاب (ردمك): 9781541608122
- الصيغ المتوفرة: غلاف مقوّى، كتاب إلكتروني
المسار السردي والتحليلي للكتاب:
الجنس الأدبي، تاريخ سياسي اجتماعي:
يجمع الكتاب بين السرد التاريخي الكلاسيكي والتحليل الاجتماعي، مقدماً "حساباً شاملاً لتاريخ سورية الحديث من أواخر العصر العثماني حتى نهاية الحرب الأهلية"، مع تركيز خاص على "النضال السياسي، وتشكيل الدولة، والتغيير الاجتماعي-الاقتصادي، والحركات الشعبية، والضغوط الجيوسياسية".
و يغطي الكتاب 450 صفحة موزّعة على 12 فصلاً، وتغطي فقراته الأخيرة سقوط نظام الأسد.
يمتاز نيب باستخدام واسع للمصادر العربية، وهو أمر لا يزال غير شائع بين الكتّاب الغربيين عن سورية، هذا الاستخدام للمصادر المحلية يحمي كتابه من النزعة إلى "تغريب" المجتمع السوري أو اختزاله إلى "اختلاف جوهري غير قابل للردم".
بنية الكتاب ومحتوى الفصول:
الفصل الأول: ما هي سورية؟ (What is Syria؟)
يتناول هذا الفصل التأسيسي الطبيعة الجغرافية والتاريخية لسورية، مقدماً خلفية عن "الفسيفساء السورية" التاريخية (مزيج الأقليات الدينية، والمناطق المتنوعة، والروابط العائلية والقبلية التي تجاوزت الحدود الحديثة).
يناقش نيب هنا إشكالية الهوية السورية التي لعبت دوراً حاسماً في مسار البلاد على مدى القرن الماضي.
الفصلان الثاني والثالث، الحرب العالمية الأولى والانتداب الفرنسي:
يروي الفصل الثاني نهاية الحرب العالمية الأولى، متتبعاً المفاوضات البريطانية-الفرنسية والثورة العربية (ثورة الشريف حسين)، وانتهاء الحرب وما تلاها من مفاوضات حول تقسيم المنطقة.
في الفصل الثالث، يتناول نيب عهد الانتداب الفرنسي بمنظور نقدي حاد.
يُظهر كيف فشل الفرنسيون في بناء مؤسسات دولة فعالة رغم ادعاءات عصبة الأمم بتطويرها.
كانت سياسة "فرّق تسد" الفرنسية تعني أن المؤسسات الوحيدة التي امتلكت أي قوة أو موارد خلال الانتداب كانت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الفرنسية نفسها.
هذا الفشل في بناء الدولة، بحسب نيب، لم يكن سوى البداية لسلسلة إخفاقات عبر القرن العشرين.
الفصل الرابع، سورية في خضم الحرب الباردة:
يتتبع هذا الفصل السياسات السورية في سياق الحرب الباردة، بما فيها انتخابات 1954 البرلمانية، وتصاعد الصراعات الباردة في الشرق الأوسط، وتداعياتها على سورية.
يتناول هنا صعود الجيش كفاعل سياسي رئيسي، وظهور القوى الأيديولوجية المختلفة (القوميين، البعثيين، الناصريين) التي شكّلت السياسة السورية في تلك الحقبة.
الفصل الخامس، حرب 1967
يركز على حرب حزيران/يونيو 1967 (النكسة)، متتبعاً مقدماتها، وتورط سورية فيها، وعواقبها الكارثية على البلاد والعالم العربي. تُعد هذه الحرب نقطة تحول محورية في مسار سورية الحديث.
الفصل السادس، سورية في عهد حافظ الأسد:
يغطي هذا الفصل الفترة الطويلة من حكم حافظ الأسد (1970–2000)، متناولاً:
- أحداث أيلول الأسود في الأردن (1970) وانعكاساتها على سورية.
- حرب تشرين (1973) وما تلاها من تطورات
- آثار معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية (1979) على الموقف السوري.
- "تحوّلة" حافظ الأسد الاستراتيجي وطبيعة الدولة التي بناها.
يتناول الكتاب أيضاً قمع حافظ الأسد للمعارضة في مجزرة حماة (1982)، لكن المراجعات النقدية تشير إلى وجود بعض المغالطات الواقعية في هذا الفصل، مثل خلط نيب بين الشخصيات المعتقلين (جمال الأتاسي، رياض الترك، ميشيل كيلو) في تلك الحقبة.
الفصل السابع، بشار الأسد في السلطة:
يركز هذا الفصل على عقد بشار الأسد الأول (2000–2011)، متناولاً:
- العلاقات السورية-اللبنانية بعد انسحاب القوات السورية من لبنان (2005)
- تثبيت بشار لسلطته داخل النظام السوري
- تنقل سورية في الساحة الدولية، بما في ذلك العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا وإيران وتركيا
الفصل الثامن، الانتفاضة السورية والحرب الأهلية:
يغطي هذا الفصل الثورة السورية منذ 2011، بما في ذلك:
- كيفية تعامل بشار الأسد مع الاحتجاجات، ورد النظام الوحشي عليها
- تصاعد العنف وتحول الانتفاضة السلمية إلى حرب أهلية
- صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سورية
- انهيار نظام الأسد في نهاية المطاف ديسمبر 2024
هذا،وإن الفقرات الأخيرة من هذا الفصل تغطي سقوط الحكم الأسدي، مما يجعل الكتاب وثيقة حية لفهم اللحظة التاريخية التي نعيشها.
أبرز المعلومات والاستنتاجات:
السردية تصحح ثنائية "الضحية/الديكتاتور":
يتحدّى نيب السردية التقليدية لسورية كضحية سلبية، واضعاً شعبها في قلب قصتهم.
هذا النهج، الذي يركز على الصراع الشعبي من أجل العدالة والكرامة، يتوافق مع نهجنا الذي نراه بتيار المستقبل السوري، في اعتبار السوريين فاعلين أساسيين في تاريخهم.
إصلاحات التنظيمات العثمانية:
في نهج مبتكر، يردّ نيب التفسير التقليدي لإصلاحات التنظيمات العثمانية (التنظيمات) كمجرد "تغريب" للمؤسسات العثمانية.
بدلاً من ذلك، يعتبرها "جزءاً من إعادة تشكيل معممة للعلاقات بين الدولة والمجتمع والاقتصاد اجتاحت العالم في القرن التاسع عشر".
هذا التحليل يسمح له باستكشاف كيف طبّق قانون الأراضي العثماني لعام 1858 بنتائج متباينة في مناطق سورية المختلفة، بما فيها المناطق المهملة في وادي الفرات والجزيرة والبادية.
فشل بناء الدولة في عهد الانتداب:
يقدّم نيب تحليلاً قاسياً للانتداب الفرنسي، رغم ادعاء عصبة الأمم، فشل الفرنسيون تماماً في بناء مؤسسات دولة فعالة في سورية.
جعلت سياساتهم التشرذمية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الفرنسية هي المؤسسات الوحيدة التي امتلكت أي سلطة، مما زرع بذور هشاشة الدولة التي استمرت لعقود.
الفعل الشعبي من الأسفل:
خلافاً للتاريخ التقليدي الذي يركز على النخب، يولي نيب اهتماماً استثنائياً للضغوط من الأسفل: تطور الوعي السياسي للفلاحين، ظهور "رواد صناعيين" جدد، وحركات شبابية وطنية في ثلاثينيات القرن الماضي. هذا النهج يُظهر صورة أكثر ديناميكية وتعددية للسياسة السورية في تلك الحقبة.
"مملكة الصمت" ومجتمع القمع:
على الرغم من تركيز الكتاب على التاريخ السياسي الكلي، فإنه يلمح إلى واقع السوريين تحت حكم الأسد – بما فيه "مملكة الصمت" حيث كانت قاعدة البقاء هي الأكثر هدوءاً.
كما يناقش الفجوة الصارخة بين ثراء النخبة المحسوبية وإفقار غالبية السوريين.
نقد الموقف الغربي:
يلاحظ نيب، في موقف لافت، أن الكتابات الغربية عن سورية كثيراً ما كانت "سطحية … محملة بالكليشيهات"، متجاهلةً المجتمع السوري خلف "الافتراضات الاستشراقية والعناوين الجيوسياسية". هذا الموقف يمنح الكتاب بعداً نقدياً للغرب نادراً في الأدبيات الأكاديمية الغربية.
قراءة نقدية:
نقاط القوة:
التوقيت: صدور الكتاب بعد سقوط نظام الأسد مباشرة، مع تغطية فقراته الأخيرة سقوط النظام، يجعله وثيقة تأسيسية لفهم التحول التاريخي الذي تمر به سورية اليوم.
الشمولية والعمق: يقدم الكتاب "حساباً شاملاً ومفصلاً لتعقيدات التاريخ السياسي السوري الحديث"، مع تغطية مناطق نادراً ما تُذكر (وادي الفرات، الجزيرة، البادية).
النهج الاجتماعي: يضع نيب الشعب السوري في مركز التاريخ، مع تركيز خاص على النضالات الشعبية من أجل العدالة والمساواة، مما يُصوّر السوريين كفاعلين لا كضحايا سلبيين.
استخدام المصادر العربية: يُعدّ كتابه استثنائياً بين الكتّاب الغربيين لاعتماده الواسع على مصادر عربية، مما يحميه من "تغريب" المجتمع السوري أو اختزاله.
الإشادات النقدية: حظي الكتاب بإشادة واسعة من نقاد مرموقين مثل تشارلز غلاس (فاينانشال تايمز) الذي وصفه بـ"السردية البارعة"، وويندي، ومارك لينش الذي وصفه بأنه "قراءة إلزامية لكل مهتم بسورية".
نقاط النقد والتساؤلات:
هفوات وقائعية: كشفت مراجعة نقدية مفصلة في موقع الجمهورية.نت عن وجود بعض الأخطاء الواقعية في الكتاب، منها:
أخطاء في الاعتقالات: خلط نيب في الفصل الخاص بحافظ الأسد بين الشخصيات المعتقلين، حيث قال إن جمال الأتاسي كان من بين المعتقلين عام 1980 (وهو غير صحيح) مع رياض الترك وميشيل كيلو (وهو صحيح).
خطأ في تاريخ مقتل: قال نيب إن عبد الرزاق طلاس قُتل مع الصحفية الأميركية ماري كولفن في حمص عام 2012، وهو خطأ آخر.
هذه الأخطاء، رغم قلّتها، تشير إلى أن الكتاب لم يمرّ بمراجعة تدقيق كافية من قبل ناشر أكاديمي محترف.
افتقار إلى التحليل الاقتصادي الكلي: بالرغم من التركيز على التغيير الاجتماعي-الاقتصادي، يشير بعض النقاد إلى أن الكتاب يولي اهتماماً أكبر للسردية السياسية منه لتحليل الاقتصاد السياسي الكلي لديناميات النظام، مثل دور رأس المال والفساد كآلية حكم.
غياب متابعة الحياة اليومية: يلاحظ أحد المراجعين أن الكتاب "لا يتحدث كثيراً عن حياة الناس العاديين" أو الأقليات المسيحية، رغم تأكيد آخرين على عكس ذلك.
ربما يقع هذا في المساحة بين التركيز على السردية الكلية واهتمام التاريخ الاجتماعي بالتفاصيل الدقيقة.
الجمهور المستهدف: بالرغم من الإشادة بوضوحه، يُعتبر الكتاب مرجعاً أكاديمياً متخصصاً، وقد لا يكون في متناول القارئ العام غير المتخصص في التاريخ السوري.
كما يركز على الجانب السياسي والتاريخي بشكل أكبر من الجانب الاجتماعي واليومي.
غياب إجابة محددة عن سؤال المستقبل: يقدم الكتاب تحليلاً تاريخياً ممتازاً، لكنه، بحكم توقيته، لا يستطيع تقديم إجابة حاسمة عن مسار سورية بعد سقوط النظام. يبقى هذا السؤال مفتوحاً للقراء.
الخاتمة:
سورية: تاريخ حديث، هو مرجع أكاديمي شامل ومهم لفهم جذور المشهد السوري المعاصر.
بإصداره في فبراير 2026، بعد أسابيع من سقوط نظام الأسد، يقدّم إسهاماً تأسيسياً في إعادة قراءة التاريخ السوري من منظور يركز على دور الشعب في مواجهة الديكتاتورية منذ بدايات القرن الماضي.
يجمع نيب بين الوضوح السردي، والعمق التحليلي، والاستخدام الواسع للمصادر العربية، مما يجعله أداة لا غنى عنها للباحثين والصحافيين والناشطين السوريين.
لكن يبقى عائق أساسي أمام الاستفادة الجماهيرية من هذا الجهد القيم: اللغة.
فورود الكتاب بالإنجليزية فقط يحرم الغالبية العظمى من السوريين – ومنهم صنّاع القرار، والباحثون المحليون، والطلاب، والناشطون – من الوصول المباشر إلى تحليلاته العميقة.
لذلك، نخلص إلى التوصية بضرورة ترجمة هذا الكتاب إلى العربية في أقرب وقت، سواء من قبل الناشر نفسه، أو بمبادرة من مراكز دراسات عربية أو جهات مانحة تهتم بنقل المعرفة حول التاريخ السوري إلى أبنائه مباشرة.
وهذا الكتاب، كما يقول تشارلز غلاس، يقدّم "سردية بارعة تصحح النظرة التقليدية لسورية كضحية سلبية، واضعةً شعبها في قلب قصتهم" – وهذا الصوت بحاجة إلى أن يسمعه السوريون بلغتهم.