تابع تيار المستقبل السوري باهتمام المبادرة التي أطلقها السيد فراس الأتاسي (Feras A. Atassi) لتقييم أداء الوزراء في الحكومة السورية، والتي تقوم على نشر تقييمات تفصيلية وفق مجموعة من المعايير والأوزان ونسب التغطية ودرجات الثقة بالأدلة، مع تأكيد صاحب المبادرة أن التقييم يتعلق بأداء الوزير وليس بالوزارة، وأن النتائج أولية وقابلة للتحديث عند ظهور معلومات وأدلة جديدة. وقد أمكن التحقق من استمرار نشر سلسلة التقييمات ومن بعض تفاصيل منهجيتها عبر الصفحة العامة لصاحب المبادرة.
وإننا في تيار المستقبل السوري، إذ نعلن دعمنا لهذه الفكرة الرائدة وصاحبها، فإننا لا ننطلق في ذلك من الاتفاق بالضرورة مع كل علامة أو ترتيب أو نتيجة خلص إليها المشروع، وإنما من إيماننا بأهمية الفكرة ذاتها: أن يصبح أداء المسؤول العام موضوعاً مشروعاً للقياس والنقد والتقييم، وأن تنتقل العلاقة بين المواطن والسلطة من ثقافة التصفيق أو الخصومة إلى ثقافة السؤال والمعلومة والنتيجة والمساءلة.
إن سورية الخارجة من عقود طويلة جرى فيها تحصين المسؤول من النقد، تحتاج اليوم إلى تكريس مبدأ معاكس تماماً: المنصب العام ليس امتيازاً شخصياً، والمسؤولية ليست حصانة، ومن يتولى إدارة شأن من شؤون السوريين يصبح أداؤه حقاً عاماً قابلاً للنقد والتقييم والمراجعة.
ويرى تيار المستقبل السوري أن أهمية مبادرة الصديق فراس الأتاسي تكمن كذلك في كونها محاولة أهلية مستقلة لتطوير أدوات قياس الأداء الحكومي، وفي تقديم نموذج يمكن البناء عليه وتطويره مؤسسياً ومنهجياً، بعيداً عن الشخصنة والتشهير والانطباعات السياسية المسبقة.
وفي هذا السياق، يؤكد تيار المستقبل السوري على جملة من المبادئ والتوصيات:
- ندعو إلى دعم هذه المبادرة وتشجيع استمرارها وتطويرها، ونرى أن المجتمع السوري بحاجة إلى مشاريع مستقلة مشابهة تراقب أداء المؤسسات والمسؤولين وتقيس النتائج على أساس معلومات قابلة للتحقق.
- ندعو مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الدراسات والجامعات والباحثين والخبراء السوريين إلى التفاعل العلمي مع المشروع، ومناقشة منهجيته وتطوير مؤشراته ومعاييره، بما يساعد مستقبلاً على بناء منظومة سورية محترفة لقياس الأداء الحكومي.
- نؤكد ضرورة المحافظة على الاستقلالية الكاملة للمشروع وصاحبه، وألا يتحول دعم القوى السياسية أو المدنية له إلى وصاية عليه أو محاولة لتوجيه نتائجه أو استثماره في الخصومات السياسية. فالقيمة الأساسية لأي مشروع رقابي تكمن في استقلاله.
- ندعو الحكومة والوزراء المعنيين إلى التعامل الإيجابي مع المبادرة، ليس باعتبارها حكماً نهائياً عليهم، وإنما فرصة لمراجعة الأداء وكشف مواطن النجاح والخلل، ونرى أن حق الرد والتوضيح وتقديم البيانات يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من أي عملية تقييم ناضجة.
- نقترح تطوير المشروع تدريجياً نحو مؤشر وطني مستقل للأداء الحكومي، تكون له منهجية معلنة، ومعايير قابلة للقياس، ومصادر موثقة، وآليات دورية للتحديث والتصحيح والاعتراض.
- نوصي بالفصل الدقيق بين تقييم الشخص وتقييم المؤسسة، وبين الرأي السياسي وقياس الأداء التنفيذي، وبين المسؤولية الفردية والظروف الموضوعية التي تعمل ضمنها كل وزارة، بما يزيد من عدالة النتائج ومصداقيتها.
- نشجع على توسيع التجربة مستقبلاً لتشمل، وفق منهجيات مختلفة تتناسب مع طبيعة كل مؤسسة، أداء المحافظين والمؤسسات العامة والهيئات والمديريات والخدمات المحلية، بحيث تتشكل تدريجياً ثقافة وطنية تعتبر التقييم والمساءلة جزءاً طبيعياً من الإدارة العامة.
وفي الوقت ذاته، يشدد تيار المستقبل السوري على نقطة نعتبرها جوهرية: دعمنا للمشروع لا يعني تبني نتائجه تفصيلياً، كما أن اختلافنا مستقبلاً مع نتيجة أو معيار لا ينتقص من دعمنا لحق صاحبه في الاستقلال والتقييم والنشر.
فالمشاريع المستقلة لا تُدعَم لأنها تقول ما نحب سماعه، وإنما لأنها تفتح المجال أمام السوريين ليعرفوا ويسألوا ويناقشوا ويحاسبوا.
إننا نريد لسورية الجديدة أن تنتقل من سؤال: «من مع المسؤول ومن ضده؟» إلى سؤال أكثر نضجاً ودولتية: «ماذا أنجز المسؤول؟ وبأي كلفة؟ وبأي كفاءة؟ وما أثر عمله في حياة السوريين؟»
ومن هنا، فإن تيار المستقبل السوري يعلن استعداده لدعم هذه المبادرة معنوياً وعلمياً وإعلامياً، بما يطلبه صاحبها وبما لا يمس استقلاليتها بأي شكل من الأشكال، ويدعو إلى حمايتها من محاولات التخوين أو الشخصنة أو الاستقطاب، وفي المقابل إلى إخضاع منهجيتها نفسها للنقد العلمي والتطوير المستمر.
ونرى أن أفضل ما يمكن أن تقدمه الدولة لهذا النوع من المبادرات ليس احتواءها، بل إتاحة البيانات والمعلومات العامة التي تجعل التقييم أكثر دقة وعدالة وشفافية.
فسورية التي نريدها ليست دولةً يخشى فيها الوزير من التقييم، ولا مواطناً يخشى تقييم الوزير؛ بل دولة تكون فيها الشفافية حقاً، والمساءلة قاعدة، والمعلومة ملكاً للمجتمع، والنقد المسؤول شريكاً في بناء المؤسسات.
وإن تجربة السيد فراس الأتاسي، مهما اتفق السوريون أو اختلفوا مع تفاصيل نتائجها، تستحق أن تُقرأ بوصفها بذرةً لثقافة سياسية ومدنية جديدة؛ ثقافة تراقب السلطة دون أن تهدم الدولة، وتدعم النجاح دون أن تصنع الأصنام، وتنتقد التقصير دون أن تتحول إلى خصومة شخصية.

