التقارب السوري المغربي لحظة تحول استراتيجي في نظام عربي جديد

يمثل التقارب السوري المغربي الذي نلمس ملامحه اليوم أكثر من مجرد تطبيع ثنائي بين بلدين عربيين، إنه لحظة تحول استراتيجي تعكس عمق المتغيرات التي يعيشها الإقليم، وتؤشر إلى ملامح نظام عربي مختلف يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيداً عن لغة المقاطعة والاستقطاب الثنائي الذي هيمن على العقد الماضي.
ونحن في تيار المستقبل السوري نتابع هذا المسار باهتمام بالغ، لأننا نرى فيه فرصة حقيقية لسورية الجديدة لكسر عزلة مفروضة، ولبناء تحالفات عربية من طراز جديد لا تستند إلى الأيديولوجيا بقدر ما تستند إلى الجغرافيا والمصالح المحسوبة.
لم تكن العودة السورية إلى المشهد العربي وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تراكمات داخلية وإقليمية جعلت من دمشق اليوم عاصمة مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات.
فالنظام البائد سقط، وترك إرثاً ثقيلاً من زعزعة الاستقرار والتوظيف الطائفي للعلاقات الخارجية، لكن سورية الجديدة التي نعمل على بنائها تدرك أن المفتاح الحقيقي للانفتاح العربي يبدأ من الداخل: توحيد الخريطة السورية، وبناء دولة مؤسسات، وتقديم نموذج سيادي قادر على حماية نفسه دون أن يشكل تهديداً لجيرانه.
والمغرب، من جانبه، يقرأ هذا التحول بدقة، ويرى في دمشق الجديدة شريكاً محتملاً في مواجهة تحديات إقليمية مشتركة.

منذ البداية، كانت دوافع هذا التقارب واضحة ومتعددة الأوجه، لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة: الحاجة إلى نظام عربي أكثر مرونة وتنوعاً.

من الناحية السورية، يأتي هذا الانفتاح على الرباط كبوابة استراتيجية لكسر عزلة امتدت لأكثر من عقد.
فالمغرب يتمتع بثقل جيوسياسي فريد، فهو دولة عربية وإفريقية ومتوسطية في آن، وتربطه علاقات متوازنة مع كل من الغرب ودول الخليج، مما يجعله جسراً مثالياً لسورية نحو فضاءات أوسع.
كما أن النموذج المغربي في التعامل مع أزماته الداخلية، وخصوصاً مقاربته لملف الصحراء عبر ما يمكن تسميته "الاستثناء السيادي"، يُشكل مصدر إلهام لسورية في معالجة ملفات معقدة مثل السويداء ومناطق أخرى تحتاج إلى حلول تحفظ الكرامة والسيادة في آن.

إضافة إلى ذلك، تبحث دمشق الجديدة عن فتح خط تواصل مع محور الرباط – القاهرة – الرياض، وهو محور يختلف جوهرياً عن المحور التركي – القطري.

من الجانب المغربي، تبدو الصورة مختلفة لكنها تلتقي في النتيجة ذاتها، فالمغرب يسعى إلى تعزيز ما يمكن تسميته "الدولة العميقة"، أي المؤسسة الملكية ومؤسساتها الدائمة التي تشكل عمود الاستقرار في البلاد، وذلك في وجه مشاريع التقسيم الإقليمي التي تستهدف وحدة الدول العربية.

والعودة السورية إلى الحضن العربي تشكل ورقة مهمة بيد الرباط في مواجهة الخصمين الإقليميين الرئيسيين: الجزائر وتركيا.
فالتنسيق مع دمشق يمنح المغرب ثقلاً إضافياً في لعبة التوازنات المغاربية والشرق أوسطية، كما أن المغرب يسعى لبناء محور عربي بديل لا يقوم على المقاطعة والتصادم، بل على "التعاون المشروط" القائم على الاحترام المتبادل والمصالح الملموسة، وهو محور يمكن لسورية الجديدة أن تكون ركناً أساسياً فيه.

أما فيما يتعلق بمسار العلاقات المستقبلية، فلا ينبغي أن نستعجل الأحكام، فما نشهده اليوم هو مرحلة أولى من إعادة التأهيل الدبلوماسي التدريجي، بدءاً من تبادل السفراء وصولاً إلى فتح الخطوط الجوية المباشرة، مروراً بتنسيق أمني واستخباري غير معلن في ملفات حساسة للغاية مثل مكافحة الإرهاب بمختلف أشكاله وتهريب المخدرات، وعلى رأسها آفة الكبتاغون التي أصبحت تشكل تحدياً أمنياً واقتصادياً مشتركاً للبلدين وللمنطقة بأسرها.

بالتوازي مع ذلك، هناك تفاهمات اقتصادية أولية، وإن كانت محدودة حتى الآن، تركز بالأساس على إعادة الإعمار والزراعة، وهما قطاعان يمكن أن يشكلا نواة لشراكة اقتصادية أوسع في المستقبل.

وفي صميم هذا المسار تقف الدبلوماسية السورية الجديدة، التي تثبت أنها تعلمت دروس الماضي وقررت أن تخترع ذاتها من جديد.
حيث لم تعد السياسة الخارجية السورية رهينة المحاور الجامدة، بل أصبحت تستخدم ثلاث استراتيجيات ذكية ومتكاملة.
أولاً، تعتمد سورية الجديدة استراتيجية "التنويع البطيء"، وهذا يعني أنها لم تعد تضع كل بيضها في سلة واحدة، سواء كانت تركية أو أمريكية او روسية أو حتى خليجية.

بدلاً من ذلك، تفتح دمشق نوافذ متوازنة مع عواصم عربية متعددة، من الرباط إلى الرياض إلى مسقط إلى بغداد، مما يمنحها حركة دبلوماسية ومرونة في المفاوضات لم تكن تمتلكها من قبل.

ثانياً، تستخدم الدبلوماسية السورية ما يمكن تسميته بـ"نظرية الانفصال عن الأزمة"، وهي مقاربة ترتكز على فصل الحوار السياسي والعلاقات الثنائية عن الملفات العالقة مثل حقوق الإنسان واللاجئين والعقوبات التي لها سياق آخر منفصل.
والهدف من ذلك هو منع هذه الملفات من أن تكون رهائن تعطل أي تقدم في العلاقات، مع إبقائها مفتوحة للحوار على مسارات موازية.

ثالثاً، توظف سورية الجديدة بمهارة ورقة "العدو المشترك"، وتحديداً في ثلاثة ملفات تهدد الجميع: التطرف بكل صوره، ومشاريع التقسيم التي تستهدف وحدة الدول العربية، والنفوذ الخارجي الذي لا يحترم سيادة الدول.
على هذه القواسم المشتركة يمكن بناء تحالفات عربية واسعة تتجاوز الخلافات الثنائية الضيقة.

لكن يبقى التحدي الحقيقي الذي أمامنا كبيراً ومصيرياً.
فقدرة دمشق على إقناع العواصم العربية بأنها تخلت بشكل نهائي عن حالة "اللادولة واللااستقرار" التي ميزت مرحلة ما قبل سقوط الأسد، هي الشرط الأساسي لأي عودة حقيقية إلى الحضن العربي، كما لن يكون كافياً أن تعلن سورية نواياها الحسنة، بل يجب أن تثبت عملياً أنها قادرة على توحيد خريطتها الوطنية، وبناء دولة القانون والمؤسسات، وتقديم نموذج سيادي مستقر لا يهدد جيرانه ولا يستورد الأزمات.
عندها فقط ستتحول العودة العربية من مجرد خطوات دبلوماسية شكلية إلى شراكة حقيقية ومستدامة.

في الخلاصة، وبعيداً عن أي مبالغات، لا يمكننا أن نصف التقارب السوري المغربي اليوم بأنه "زواج استراتيجي" ناضج ومكتمل الأركان.

ما بين الرباط ودمشق اليوم هو أقرب إلى تحالف مصالح مرحلي، لكنه يحمل في طياته بذور تحول أعمق، وذلك ضمن سباق إعادة رسم الخريطة العربية الذي تخوضه اليوم قوى إقليمية ودولية متعددة.
فالمغرب يبحث عن شريك موثوق في المشرق العربي يساعده على موازنة النفوذين الإيراني والتركي، اللذين باتا يشكلان تحدياً مباشراً لمصالحه في المنطقة.

وسورية الجديدة، من جهتها، تبحث عن منفذ إلى المحيط الأطلسي، وعن دعم خليجي غير مباشر يعزز استقرارها الاقتصادي، وعن شرعية عربية تعيد تأهيلها كدولة طبيعية بعد سنوات من العزلة والمعاناة.
ويتوقف نجاح هذا المسار بالكامل على قدرة البلدين على تجاوز إرث "زعزعة الاستقرار" الذي طبع المرحلة السابقة بكاملها.
فالمغرب بحاجة إلى أن يثق بأن سورية الجديدة ليست نسخة من النظام السابق، وسورية بحاجة إلى أن تثبت ذلك ليس بالكلمات بل بالأفعال على الأرض.
وإذا نجح الطرفان في هذه المعادلة الصعبة، فقد نكون أمام نموذج جديد للعلاقات العربية تقوده المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيداً عن لغة الوصاية والإقصاء.
وإذا فشلا، فسيظل ما يجمع بينهما مجرد تفاهمات عابرة تذروها أول عاصفة إقليمية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

رفض مصطلح الأقلية والأكثرية في الخطاب الرسمي السوري

تحليل الخطاب الرسمي السوري بشأن الأقلية والأكثرية وأثره على التفاعل الاجتماعي والديني.

17 مايو 2026

جمعة محمد لهيب

اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات

تسليط الضوء على التحديات التاريخية التي يواجهها قطاع الاتصالات السوري في اليوم العالمي للاتصالات ومجتمع المعلومات.

17 مايو 2026

إدارة الموقع