

يُتابع تيار المستقبل السوري، بصفته كياناً سياسياً وطنياً مدنياً وُلد من رحم الثورة السورية، ببالغ الاهتمام والاعتزاز الخطوات التنظيمية التي يقوم بها إخواننا في حزب سوريا الجديدة، وفي مقدمتها انعقاد مؤتمرهم الأول في العاصمة دمشق، وافتتاحهم مكتباً للحزب في مدينة الرقة.
إننا نرى هذه الخطوة، في توقيتها ودلالاتها، أنها تمثل إضافة نوعية للمشهد السياسي السوري الناشئ، وتؤكد أن الإرادة السورية تتجه بثبات نحو بناء الدولة على أسس مدنية ديمقراطية حديثة.
وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، وإيماناً منا بأن بناء سورية الجديدة يبدأ بترسيخ قواعد العمل السياسي الحر والمنظم، نعلن في تيار المستقبل السوري دعمنا الكامل والمطلق لهذه الخطوات، ونبارك لحزب سوريا الجديدة ما حققه من إنجاز تنظيمي.
يؤمن تيار المستقبل السوري أنه في مراحل التحول الوطني الكبرى، وخصوصاً بعد عقود من الحكم الاستبدادي الذي قمع وأعدم أي عمل سياسي حقيقي، تصبح الأحزاب السياسية "دعامة الديمقراطية وتحصين الاستقرار".
ولا يمكن تصور نظام حقيقي في سورية دون أحزاب تلعب الأدوار التالية:
- تجسير الهوة وتمثيل التنوع، فسورية بلد غني بالتعدد العرقي والديني والثقافي، ووجود أحزاب سياسية يعبر عن مختلف المكونات يساهم في دمج هذا النسيج المعقد في إطار وطني جامع، ويحول دون انزلاق المجتمع نحو العصبيات الضيقة أو الولاءات الفرعية.
وفي غياب الأحزاب، تبقى أصوات المواطنين مشتتة ومهمشة، وتتحول المطالب الشعبية إلى فوضى عارمة بدلاً من أن تصبح برامج وسياسات واضحة. - بناء الجسر بين الشعب والسلطة وضمان الشرعية، حيث تُعتبر الأحزاب بمثابة الجسر الحيوي بين الشعب والسلطة، وهي التي تمنح العملية السياسية شرعيتها واستقرارها، فهي الأداة الوحيدة التي يمكنها أن ترشح الأكفأ لتمثيل الشعب في البرلمان مابعد القادم، وتتحمل مسؤولية تشكيل الحكومات، ومحاسبتها.
- الرقابة والشفافية ومنع الفساد، عبر لعب الأحزاب، وخاصة أحزاب المعارضة الحقيقية، دوراً رقابياً أصيلاً يسهم في تعزيز الشفافية، ومنع الفساد، وحماية المال العام.
وفي غياب أحزاب قوية ورقيبة، تتحول السلطة إلى إقطاعية خاصة، وتُسلب حقوق الأمة. - تنمية الوعي والثقافة السياسية لدى المواطنين، مما يجعلهم أكثر وعياً بدورهم في الشأن العام، خصوصاً بعد سنوات القمع والخوف، حيث يعاني السوريون من عزوف سياسي كبير.
يرى تيار المستقبل السوري أنه إذا كان غياب الأحزاب خطراً، فإن وجود أحزاب صورية أو نخبوية أو تابعة لأجندات خارجية هو خطر مضاعف.
فلقد جرب السوريون لعقود طويلة "حزبا" واحداً هو حزب البعث، الذي تحول إلى أداة قمع وسلب لثروات البلاد.
كما نرى أن التاريخ يؤكد أن:
- غياب التعددية الحزبية الحقيقية يقود حتماً إلى عودة الاستبداد، ففي غياب المنافسة الشريفة والرقابة الحزبية، تستأثر جهة واحدة بكل مقدرات الدولة، وتتحول الديمقراطية إلى مجرد شعارات.·
- غياب الأطر الحزبية الوطنية يدفع المواطنين للالتفاف حول الولاءات الضيقة (القبلية، المناطقية، الطائفية)، مما يهدد بتفتيت النسيج الوطني.
- ضياع فرصة إعادة الإعمار الحقيقي، لأن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن ينجح دون مشاركة شعبية واسعة ومنظمة، وهذه المشاركة لا تتجسد إلا من خلال أحزاب وقوى سياسية فاعلة.
لذلك، نؤكد في تيار المستقبل السوري على أن وجود حياة حزبية قائمة على قواعد الشفافية والتعددية والتنافس الشريف ليس رفاهية ديمقراطية، بل هو ضرورة حتمية لبناء الوطن وإنقاذه من براثن الفساد والفوضى.
انطلاقاً من كل ما سبق، فإن تيار المستقبل السوري:
- يُثمّن عالياً مبادرة حزب سوريا الجديدة بعقد مؤتمره الأول في دمشق، وافتتاح مكتبه في مدينة الرقة، معتبراً إياها خطوة على الطريق الصحيح لترسيخ الدولة المدنية الحديثة.
- يُبارك للإخوة في الحزب هذا الإنجاز التنظيمي، ويعده بالتعاون والتكامل في كل ما يخدم الصالح العام السوري، ويحقق طموحات شعبنا في الحرية والكرامة والعدالة.
- يدعو كافة القوى الوطنية والسياسية السورية إلى الاقتداء بهذه الخطوة، والإسراع في تنظيم صفوفها، والمساهمة بفعالية في بناء الحياة السياسية الجديدة.
- يحذّر في الوقت نفسه من مخاطر العودة إلى سياسة الحزب الواحد أو الأحزاب الواجهة، ويؤكد على ضرورة أن يكون قانون الأحزاب المرتقب عصرياً، كفيلاً بضمان التعددية الحقيقية، ومُحرّماً لأي شكل من أشكال الهيمنة أو الإقصاء.
يؤكد تيار المستقبل السوري أن بناء سورية الجديدة هو مشروع كل السوريين، ولا يمكن لأي فرد أو فئة أو جهة أن تحتكره. الطريق طويل وشاق، لكنه يبدأ بخطوة، وهذه الخطوة هي تنظيم أنفسنا في أحزاب وتيارات وطنية تسعى بكل إخلاص لخدمة هذا الوطن العظيم.