تمهيد:
أعلن مصرف التسليف الشعبي في سورية عن استئناف منح القروض بفائدة سنوية محددة، وذلك بداية شهر حزيران لهذا العام.
وقد أثار الخبر نقاشاً واسعاً على وسائل التواصل وفي المجالس الخاصة، وانقسم الناس بين رافض للفوائد بناءً على اعتبارها ربا محرماً قطعاً، وبين متقبل لها بداعي الضرورة أو بناءً على فتاوى معتبرة من مؤسسات دينية كبرى.
لا يهدف هذا المقال إلى إصدار حكم قطعي يُلزم به الجميع، بل هو فاتحة نقاش مفتوح يهدف إلى:
- تقديم الموقف الفقهي المتعدد في المسألة بموضوعية.
- تحليل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والقانونية في السياق السوري.
- دعوة المجتمع إلى نقاش راقٍ يحترم الخلاف ويخرج بتوافقات عملية تخدم إعادة الإعمار والنهضة.
أولاً، الموقف الفقهي – تنوع الاجتهاد رحمة:
اتجاه الإباحة (أصحاب الرخصة):
استند هذا الاتجاه إلى تكييف العلاقة بين المودع والبنك على أنها استثمار ومضاربة وليست قرضاً ربوياً، ولانتفاء علة الظلم والاستغلال، وأبرز من أفتى بذلك:
- دار الإفتاء المصرية: أفتت مراراً وتكراراً بجواز إيداع الأموال في البنوك والحصول على أرباح محددة سلفاً، معتبرة العلاقة علاقة تمويل واستثمار.
- مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف: أصدر قراراً في ديسمبر 2002 يجيز الاستثمار في البنوك التي تحدد الأرباح مقدماً.·
- الدكتور محمد سيد طنطاوي (شيخ الأزهر الأسبق).
- الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر الأسبق).
ملاحظة: نُشير إلى أن بعض المصادر نسبت فتوى إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، لكننا لم نعثر على نص رسمي صادر عنه بهذا الشأن، لذا نكتفي بالذكر الموثق أعلاه.
اتجاه التحريم:
يرى جمهور كبار العلماء والمجامع الفقهية الدولية أن الفوائد البنكية الثابتة المضمونة هي من ربا النسيئة المحرم قطعاً. من أبرزهم:
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة، 1985): "كل زيادة أو فائدة على القرض منذ بداية العقد هي ربا محرم شرعاً".
- المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (مكة المكرمة).
- اللجنة الدائمة للإفتاء وهيئة كبار العلماء في السعودية (الراحلان الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين).
- مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في فتواه السابقة عام 1965 (قبل تراجعه لاحقاً).
الخلاصة الفقهية للمناقشة:
هذه المسألة من القضايا الخلافية المعتبرة، وليست من قطعيات الدين، ولم يُجمِع أحد من المجامع الفقهية الكبرى على رأي واحد، بل بقي الخلاف قائماً، وهذا يعني أن للمسلم أن يقلد من شاء من العلماء الثقات، ولا يجوز إلزام الناس برأي فقهي واحد بالقوة أو التكفير.
ثانياً، الرؤية الاقتصادية – إعادة الإعمار بين النظرية والواقع:
نظريات اقتصادية داعمة لدور الفوائد في التنمية:
- نظرية رأس المال البشري (شولتز)، والتي تقول أنه لا يمكن تحقيق النمو دون استثمار في البشر، وهذا يتطلب نظاماً مالياً جاذباً للودائع.
- نظرية الازدهار المالي، أي أن المال الساكن خارج النظام المصرفي (الكنز) هو مال ميت لا يخلق وظائف ولا يمول مشاريع.
- التجربة العالمية، فجميع الاقتصادات الحديثة – بما فيها بعض الدول الإسلامية كماليزيا وتركيا – تستخدم أداة الفائدة كجزء من نظامها المصرفي، مع وجود بنوك إسلامية موازية.
الواقع السوري:
- غياب البديل الشامل: على الرغم من وجود بنوك إسلامية في سورية (مصرف البركة-سورية، البنك الوطني الإسلامي، بنك سورية الدولي الإسلامي)، إلا أن حصتها السوقية لا تزال محدودة، ولا تغطي احتياجات جميع المواطنين والشركات.
- مخاطر التضخم: تشير تقديرات غير رسمية إلى أن التضخم في سورية خلال السنوات الماضية بلغ أرقاماً مرتفعة (تتراوح بين 30% و80% سنوياً في فترات مختلفة)، وفي ظل هذا التضخم، فإن إبقاء المدخرات خارج النظام المصرفي يعني تآكل قيمتها الحقيقية بشكل كبير، بينما الفائدة – وإن كانت متواضعة – تحافظ جزئياً على القدرة الشرائية.
- الشمول المالي: تحتاج سورية إلى إدخال أكبر عدد ممكن من المواطنين والشركات في النظام المصرفي الرسمي، لضمان الشفافية ومكافحة الفساد وتسهيل عملية إعادة الإعمار، والفوائد (أو الأرباح المحددة سلفاً) هي أداة جذب لا غنى عنها حالياً.
إحصاءات وتقارير (للعلم، لا توجد أرقام دقيقة منشورة حالياً):
لا تتوفر إحصائيات رسمية حديثة عن حجم الودائع في المصارف السورية أو نسبة المتعاملين مع المصارف الإسلامية، وعليه فإننا نُشجع مصرف سورية المركزي والمصارف على نشر بيانات شفافة وحديثة لتكون مرجعاً للنقاش الجاد.
ثالثاً، الموقف السياسي والقانوني:
الإطار القانوني الحالي:
لايمنع القانون السوري الحالي الفوائدَ البنكية، ولا يُجرمها.
كما أنه يسمح بوجود المصارف الإسلامية، وهذا التنوع هو مكسب للمجتمع.
سياسة الدولة المقترحة:
من منظور الإسلام الحضاري الذي يحترم حرية الاختيار والتنوع الفقهي، نقترح أن تتبنى الدولة السورية سياسة تقوم على:
- عدم إجبار الناس على رأي واحد: لا يجوز قانونياً أو دينياً مصادرة أموال من تعاملوا مع البنوك بناءً على فتوى معتبرة.
- توسيع البنية التحتية الإسلامية: تشجيع إنشاء المزيد من الفروع والمنتجات المصرفية الإسلامية، وتقديم حوافز لها، لتصبح خياراً متاحاً لمن يرى التحريم.
- الشفافية والإفصاح: إلزام البنوك التقليدية بالكشف بوضوح عن أن تعاملاتها تتضمن فوائد، وإلزام البنوك الإسلامية بالكشف عن عقودها وهياكلها الشرعية، ليختار العميل عن علم وبصيرة.
نموذج مقترح (تحويل قروض بنك التسليف إلى عقود إسلامية):
يمكن لبنك التسليف الشعبي أن يقدم، إلى جانب قروضه التقليدية ذات الفائدة، قروضاً إسلامية بديلة تعتمد على:
- المرابحة: يشتري البنك السلعة (سيارة، آلة، مواد بناء) ويبيعها على العميل بأجل وبهامش ربح معلن.
- الإجارة: شراء البنك لأصل (منزل، معدة) وتأجيره للعميل مع وعد بالتمليك في نهاية المدة.
- المشاركة: يدخل البنك كشريك في مشروع صغير أو متوسط، ويتم تقاسم الأرباح بنسبة متفق عليها.
سيجعل هذا التوجه بنك التسليف نموذجاً رائداً في المنطقة، ويخدم الجميع بغض النظر عن توجهاتهم الدينية أو حتى الفقهية.
رابعاً، فاتحة النقاش – أسئلة مفتوحة للمجتمع السوري:
ندعو جميع المهتمين – علماء، اقتصاديين، قانونيين، مواطنين – إلى المشاركة في هذا النقاش المفتوح من خلال الإجابة على الأسئلة التالية (أو إضافة أسئلة جديدة):
- فقهياً: هل يمكن اعتبار فتاوى الإباحة الصادرة عن هيئات كبرى (كالأزهر ودار الإفتاء المصرية) رخصة شرعية كافية للمواطن السوري في ظل غياب البديل الإسلامي الشامل؟ أم أن رأي التحريم هو الأقوى ويجب الصبر عليه حتى تتوفر البدائل؟
- اقتصادياً: كيف يمكن قياس حجم الضرر الاقتصادي الناتج عن بقاء الأموال خارج النظام المصرفي (الكنز) مقارنة بالضرر الأخلاقي الناتج عن التعامل بالفوائد؟
- سياسياً: هل ينبغي للدولة أن تتخذ موقفاً رسمياً محدداً في هذه المسألة (كإعلان تحريم الفوائد أو إباحتها) أم تترك الأمر للحرية الشخصية مع توفير البدائل؟
- عملياً: ما هي العقبات التي تحول دون تحويل قروض بنك التسليف الشعبي إلى قروض إسلامية بالكامل؟ وما هي الحلول المقترحة لتذليلها؟
- مجتمعياً: كيف يمكننا مناقشة هذه القضية دون أن ننزلق إلى التجريح أو التكفير أو التشكيك في نوايا المخالفين؟
خاتمة، نحو مجتمع يحترم الخلاف ويبني الدولة:
يرى التيار المستقبل السوري، في رؤيته الحضارية، يرى أن الخلاف الفقهي في قضايا المال المعاصر ليس عيباً، بل هو ثروة فكرية تتيح للمجتمع مرونة في التكيف مع المتغيرات.
وأيضاً، نحن لا ندعو إلى تحريم أو تحليل الفوائد بإطلاق، بل ندعو إلى:
- الاعتراف بشرعية الاجتهاد المخالف وعدم تكفير أو تفسيق من خالفنا الرأي.
- فقه الأولويات: تقديم المصالح الكبرى (كإعادة الإعمار، ومكافحة الفقر، والشمول المالي) على الجدل النظري عندما يتعذر الجمع بينهما.
- العمل: بدلاً من الانشغال بالجدال العقيم، ننشغل بتوفير البدائل الإسلامية الحقيقية، وتشجيع الاستثمار والإنتاج بأي وسيلة مباحة عند جمهور من العلماء.
نأمل أن يكون هذا المقال فاتحة حوار راقٍ، يخرج بنتائج عملية تعيد بناء اقتصاد سورية على أسس متينة، وتحافظ في الوقت نفسه على هويتها الإسلامية ووحدتها الوطنية.
المراجع:
أولاً: فتاوى ومجامع فقهية
جمعة، ع. (2022، 29 مارس). فتوى حول فوائد البنوك واستثمار الأموال. دار الإفتاء المصرية.
طنطاوي، م. س. (1991). معاملات البنوك وأحكامها الشرعية (ص 142-143). دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.
مجلس مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف. (2002، 21 ديسمبر). قرار بشأن استثمار الأموال في البنوك التي تحدد الأرباح مقدماً. الأزهر الشريف.
مجمع الفقه الإسلامي الدولي. (1985، 28 ديسمبر). قرار رقم 10 (10/2) بشأن التعامل المصرفي بالفوائد، أعمال الدورة الثانية لمجمع الفقه الإسلامي الدولي. منظمة التعاون الإسلامي.
ثانياً: تقارير وهيئات دولية
الإسكوا (UNESCWA). (2025، 25 يناير). سوريا عند مفترق طرق: تقرير حول التعافي وإعادة الإعمار. الأمم المتحدة.
البنك الدولي. (2021). قاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي (Global Findex Database). مجموعة البنك الدولي.
ثالثاً: دراسات اقتصادية
Schultz, T. W. (1961). Investment in human capital. The American Economic Review, 51(1), 1-17.
رابعاً: وثائق مصرفية سورية
مصرف التسليف الشعبي. (2026، مايو). إعلان استئناف منح قروض الدخل المحدود ومحددات التمويل الاستهلاكي الجديد. وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، الجمهورية العربية السورية.