المقدمة:
يمثل الفهم المجزأ للدين أحد أخطر التحديات التي تواجه الفكر الديني المعاصر، حيث يغرق الباحث والمتدين في الجزئيات والتفاصيل، وتضيع منه الصورة الكلية والنسق المنظم الذي يربط تلك الجزئيات بعضها ببعض.
وقد صور الدكتور جاسم السلطان هذه المعضلة بمثل بديع، إذ شبّه حال من يغرق في الجزئيات دون الإطار الكلي بمن مزق لوحة فنية جميلة إلى قطع صغيرة، ثم نظر إلى كل قطعة على حدة، فلم يرَ فيها إلا حواف غير منتظمة ومعنى ناقصاً، ثم أطلق حكماً عاماً بأن اللوحة سيئة.
وهكذا يفعل كثيرون حين يتعاملون مع الدين بمعزل عن نسقه المتكامل، فيفقدون الأنساق والصورة الكلية، فـ الكلمة لا تعني شيئاً إلا في الجملة، والجملة لا تفهم إلا في الفقرة، والفقرة لا تتكامل إلا في النص كاملاً.
أزمة الفهم المجزأ وتجلياتها في الواقع المعاصر:
يؤكد الدكتور جاسم السلطان أن "أخطر ما ابتلي به الفهم الديني هو الصور المجزأة، وغِياب الإطار الناظم للجزئيات".
وهذه الظاهرة لا تقتصر على مجال دون آخر، بل تمتد لتشمل المناهج الفقهية والتربوية والاجتماعية، بل حتى في قراءة النصوص الدينية ذاتها.
إن غياب الرؤية الكلية يجعل الإنسان يدافع عن جزئيات قد لا تنتمي إلى الكل أصلاً، وينفق عمره في جدل عقيم حول قطع لا رابط بينها، كما قال السلطان: "فأول الإصلاح إنقاذ الثقافات ذات النسق الجزئي من ذاتها، وتدريب أجيالها على رؤية موقع الجزء من الكل".
على المستوى العالمي، تتجلى نتائج هذا التشرذم المنهجي في أزمات اجتماعية ونفسية عميقة.
فوفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية الصادرة في سبتمبر 2025، يعاني أكثر من مليار شخص حول العالم من اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب، وتمثل هذه الاضطرابات ثاني أكبر سبب للمعاناة من إعاقة طويلة الأجل.
كما كشف تقرير "أطلس الصحة النفسية لعام 2024″ عن ركود مثير للقلق في الاستثمار في الصحة النفسية، حيث لا تبلغ نسبة الإنفاق الحكومي على الصحة النفسية في المتوسط سوى 2% فقط من إجمالي ميزانيات الصحة.
وهذه الأرقام تعكس أزمة إنسانية متعددة الأبعاد، لا يمكن معالجتها بمعالجات جزئية منفصلة، بل تستدعي رؤية شمولية تدمج بين الأبعاد الروحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية.
المقاصد الشرعية – الإطار الناظم للجزئيات:
من هنا تنبثق أهمية علم المقاصد الشرعية بوصفه الإطار الناظم الذي يرد الجزئيات إلى كلياتها، ويبصر الباحث بموقع الحكم الجزئي من النسق التشريعي العام.
فمقاصد الشريعة هي الغايات والمرامي التي قصدها الشارع الحكيم من تشريعه، وهي المرجع الأبدي لاستقاء ما يتوقف عليه التشريع والقضاء في الفقه الإسلامي.
وقد قسّم العلماء المقاصد إلى مراتب متدرجة، تشمل الضروريات التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، وهي خمس: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ثم الحاجيات التي يحتاجها الناس للتوسعة ورفع الحرج، ثم التحسينيات التي ترجع إلى مكارم الأخلاق.
ويضاف إلى ذلك تقسيم المقاصد بحسب نطاقها إلى عامة وخاصة وجزئية، مما يساعد على فهم العلاقات بين مختلف المجالات التشريعية.
وقد أشار الدكتور جاسر عودة إلى أن "المقاربة المقاصدية للفقه هي مقاربة شمولية لا تقيد نفسها بحديث واحد أو بحكم جزئي، وإنما ترجع إلى مبادئ عامة وقواسم مشتركة".
وبهذا المعنى، تشكل المقاصد الشرعية الآلية المنهجية التي تحقق الانفتاح والتجديد الذاتي للفقه الإسلامي، بحيث تتغير الأحكام بتغير رؤية العالم مع بقاء المقاصد الكلية ثابتة.
في النص الديني وفقهه:
يؤكد القرآن الكريم على مبدأ التكامل والشمول في أكثر من موضع، ويحذر من التمزق والاختلاف المؤدي إلى التفرق.
يقول تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" (آل عمران: 103).
ويقول: "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" (الأنبياء: 92).
ويقول سبحانه: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (المائدة: 3)، وهذه الآية تشير بوضوح إلى أن الدين قد اكتمل شاملاً متكاملاً، لا ينقصه شيء يمكن أن يأتي به منهج بشري جزئي.
ويبين الله سبحانه أن رسالة الإسلام رسالة عالمية شاملة، فقال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107). وعن شمولية الدين قال عليه الصلاة والسلام: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" (رواه البخاري). ومعنى شمولية الإسلام أن الإسلام منهج متكامل، تشريع شامل لكل مجالات الحياة، فهو إيمان وعمل، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، فكر وعاطفة، أخلاق وعمران.
وقد وردت في السنة النبوية تحذيرات نبوية واضحة من خطورة التعامل مع الدين بمعزل عن كلياته ومقاصده.
ففي قصة أسامة بن زيد حين قتل رجلاً بعد أن نطق بالشهادة، أنكر النبي ﷺ عليه أشد الإنكار وقال له: "أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟" وكان يكررها حتى تمنى أسامة أنه لم يسلم إلا يومئذ.
حيث يعلمنا هذا الحديث أن الأحكام لا تبنى على الظنون المجردة، بل على اليقين والثبوت، وأن من الخطأ الفادح أن ننزل حكماً قطعياً بناء على مقدمات جزئية.
ويحذر العلماء المعاصرون من خطورة انتشار الفهم غير المؤهل للدين.
فالدكتور محمد طاهر القادري يؤكد أن "انتشار العلماء غير المؤهلين وآرائهم المثيرة للجدل ينشر الفوضى في المجتمع"، ويحذر من "الخطر الذي يشكله الأفراد ذوو المعرفة الناقصة في الأمور الدينية".
وفي إطار الحوار بين الأديان الإبراهيمية، نجد أن التوراة والإنجيل يحثان على قيم الحكمة والفهم والتكامل.
جاء في سفر الأمثال: "بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ" (أمثال 9: 10).
وجاء أيضاً: "فَاقْتَنِ الْحِكْمَةَ، وَبِكُلِّ مُقْتَنَاكَ اقْتَنِ الْفَهْمَ" (أمثال 4: 7).
ويقول سفر الجامعة: "لِأَنَّ الرَّبَّ يُعْطِي حِكْمَةً، مِنْ فَمِهِ الْمَعْرِفَةُ وَالْفَهْمُ" (أمثال 2: 6).
أما في العهد الجديد، فترد دعوة صريحة لطلب الحكمة من مصدرها الإلهي: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى الْحِكْمَةِ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلا يُعَيِّرُ. فَسَيُعْطَى لَهُ" (رسالة يعقوب 1: 5).
تبدو هذه النصوص المشتركة بين الأديان أنها تؤكد بوضوح أن المعرفة الدينية الحقة لا تكون بالفهم المجزأ، بل بالحكمة التي تشمل الرؤية الكلية والمقاصد العليا.
إحصاءات وتقارير – أزمة صحية نفسية عالمية:
تشير البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليار شخص حول العالم يعانون من اضطرابات نفسية، مثل القلق والاكتئاب، التي تسبب خسائر بشرية واقتصادية هائلة.
ورغم قيام بلدان كثيرة بتعزيز سياساتها وبرامجها المتعلقة بصون الصحة النفسية، فإنه يلزم توظيف مزيد من الاستثمارات وإنجاز الكثير من العمل على الصعيد العالمي لتوسيع نطاق الخدمات اللازمة.
ويظل الانتحار واحداً من النتائج المدمرة لهذه الأزمة، إذ حصد في عام 2021 وحده أرواح 727 ألف شخص.
ودعت منظمة الصحة العالمية إلى إحداث تحول منهجي في نظم الصحة النفسية بكل أنحاء العالم، بما يشمل تحقيق الإنصاف في تمويل خدمات الصحة النفسية، وإصلاح القوانين والسياسات دعماً لإعمال حقوق الإنسان.
تعكس هذه الأرقام بوضوح أن المعالجات الجزئية وحدها لا تكفي لمواجهة هذه التحديات الإنسانية المعقدة، بل لا بد من مقاربات شمولية تدمج بين الأبعاد الروحية والنفسية والاجتماعية.
توصيات منهجية لعلاج أزمة الفهم المجزأ:
انطلاقاً مما سبق، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات المنهجية لمعالجة أزمة الفهم المجزأ للدين، وهي:
- إحياء علم المقاصد الشرعية في المناهج التعليمية، بحيث يتلقى طلاب العلم تدريباً منهجياً على رؤية الجزئيات في سياقها الكلي.
- تطوير مناهج البحث في العلوم الدينية بحيث تركز على التكامل المعرفي والنسقية القرآنية، كما دعا إلى ذلك الدكتور جاسم السلطان.
- إقامة حوار منهجي بين الأديان الإبراهيمية حول القيم المشتركة في الحكمة والفهم والتكامل، والاستفادة من التراث الديني المشترك في مواجهة نزعات التطرف والتعصب.
- تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والمؤسسات الصحية النفسية، لتقديم رعاية شمولية تدمج بين العلاج الروحي والنفسي.
- توجيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لبث محتوى ديني مقاصدي يؤكد على التكامل والشمول، ويحذر من خطورة الفتاوى العشوائية والاجتهادات غير المؤهلة.
الخاتمة:
لقد أبرز الدكتور جاسم السلطان في مقاله "الدين والمعالجات الجزئية" معضلة منهجية عميقة يعاني منها الفكر الديني المعاصر، وهي غياب الإطار الناظم للجزئيات، والانشغال بالتفاصيل على حساب الصورة الكلية.
ويقدم هذا المقالُ علمَ المقاصد الشرعية بوصفه العلاج المنهجي لهذه المعضلة، مؤكداً أن الدين بجوهره دين شمولي متكامل، لا يقبل التجزئة ولا الانتقاء، وأن النظرة الجزئية المشوهة هي التي تؤدي إلى التطرف والغلو والقسوة.
وما أحوجنا اليوم إلى استعادة روح المقاصد الشرعية، وإلى تأسيس منهجية فهم ترى الجزء من الكل، والفرع من الأصل، والوسيلة من الغاية، ليكون الدين رحمة للعالمين، كما أراده الله.
المراجع:
- الدكتور جاسم السلطان، "الدين والمعالجات الجزئية"، مقال منشور على موقعه الرسمي.
- "المقاصد الشرعية ودورها في استنباط الأحكام"، مركز خوته للدراسات، 2024.
- "أقسام مقاصد الشريعة وتطبيقاتها: دراسة مفصلة"، إسلام أون لاين.
- "فقه المقاصد العامة للشريعة الإسلامية"، موقع الإصلاح، 2020.
- "مقاصد الشريعة وتجديد الفقه الإسلامي المعاصر"، الدكتور جاسر عودة، مركز خوته للدراسات، 2020.
- خطبة "الشمولية في الإسلام"، موقع الألوكة، 2014.
- دار الإفتاء المصرية، "‘God’s gatekeepers’: How fake piety fuels moral cruelty"، 2026.
- "People with half-baked religious knowledge spreading social anarchy"، الدكتور محمد طاهر القادري، منھاج القرآن، 2024.
- منظمة الصحة العالمية، بيانات الصحة النفسية، سبتمبر 2025.