ليست المرة الأولى التي تمر فيها سورية بلحظة مفصلية.
لكنها المرة الأولى التي تمر فيها بلحظة كهذه، ويدها على القرار، وعينها على المستقبل، وقلبها مع مواطنيها.
فبعد زوال نظامٍ استنزف البلاد لعقود، ها نحن اليوم أمام فرصة استثنائية لإعادة تعريف موقع سورية في محيطها الإقليمي، وفي صميم هذه الفرصة، يبرز ملف السكك الحديدية ومشروع "ممر البحار الأربعة".
ففي الأسابيع الأخيرة، شهدنا تطورات لافتة:
السعي لإعادة تشغيل خطوط حديدية حدودية بطول 350 كيلومتراً بين تركيا وسورية، وتوقيع مذكرة تفاهم ثلاثية مع الأردن وتركيا، وإحياء الحديث عن ممر استراتيجي يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط عبر أراضينا.
هذه الأخبار يمكن اعتبارها مؤشرات على تحول جيوسيتيو استراتيجي توقعي، تتحول فيه سورية من "ساحة صراع" إلى "عقدة وصل".
ولكن، لمن يؤمن بأن السياسة ليست مجرد خرائط وموانئ، إنما هي علاقة بين الإنسان وسلطته، نسأل سؤالاً جوهرياً:
أي نموذج للدولة ستجسده هذه المشاريع؟ وهل ستعيد إنتاج نمط "الاحتواء" الذي مارسه النظام البائد، حيث تكون الدولة أباً قاسياً يبتلع المجتمع ويصادر إرادته؟ أم ستكون أداة للانتقال إلى نمط "الشراكة والتكامل" الذي نعمل من أجله في تيار المستقبل السوري؟
دعونا نكون واضحين، فخطر عودة سيناريو الاحتواء قائم.
وعندما تُدار عقود بمليارات الدولارات في غياب الشفافية، وعندما تتركز عائدات النقل في أيدي النخب دون رقابة، وعندما تُقصى غرف التجارة والمنظمات الأهلية والنقابات، فإننا لا نكون ساعين لكي نبني دولة، بل لنكرس ريعاً جديداً بغطاء تنموي.
وقد حذر خبراء الاقتصاد من أن تكاليف إعادة الإعمار تقدر بأكثر من 200 مليار دولار (وفق تقديرات البنك الدولي)، في ظل فجوة تمويلية هائلة.
وفي مثل هذا الوضع، تصبح المشاريع الكبرى فريسة سهلة للفساد والمحسوبية، وهذا ما لا يجب أن نسمح به.
لكن السيناريو الآخر، سيناريو الشراكة والتكامل، وهو ما نعمل من أجله.
كيف يتحقق؟
أولاً، بمواجهة الحقائق الجيوسياسية بشجاعة.
فلا يمكننا أن نتحدث عن ممرات استراتيجية متجاهلين أن هناك قوى خارجية لا تزال حاضرة على أرضنا.
فالوجود الأمريكي شرق الفرات، والقواعد الروسية، والميليشيات المتبقية كما في السويداء، كلها معطيات قد تعرقل أو تعيد توجيه هذه المشاريع.
لذلك، نطالب بأن تكون أي اتفاقات إقليمية في قطاع النقل شفافة ومعلنة، وأن تضع المصلحة السورية العليا فوق أي اعتبار، وأن تُبنى على قاعدة: "لا ممرات تنموية دون سيادة كاملة".
ثانياً، بالاعتراف أن بناء الدولة يبدأ من العدالة الانتقالية.
فكيف نطالب بـ"هيئة وطنية مستقلة" لقطاع النقل، في بلد لا يزال يعاني من انقسامات حادة ومليشيات سابقة لم تندمج بالكامل في مؤسسات الدولة؟ الإجابة: لا يمكن.
لذلك، فإن أول خطوة عملية هي تطبيق عدالة انتقالية حقيقية تعيد الثقة بين أبناء الوطن، وتخلق أرضية صلبة لقيام مؤسسات مستقلة.
ودون ذلك، كل حديث عن "شراكة" سيكون خطاباً بلا جذور.
ثالثاً، بإنشاء هيئة وطنية لقطاع النقل السككي تضم، إلى جانب ممثلين عن الدولة، خبراء مستقلين، وممثلين عن القطاع الخاص، وغرف التجارة والصناعة، ومنظمات المجتمع المدني (مع العمل على بناء قدرات هذه المنظمات التي أضعفتها عقود القمع).
كما أن هذه الهيئة يجب أن تتمتع بصلاحيات رقابية حقيقية، لا استشارية شكلية.
رابعاً، بإقرار ميثاق شفافية يلزم بنشر كل عقد، وكل ميزانية، وكل تقرير أداء على منصة إلكترونية واحدة، مع إتاحة المجال لمراجعة مستقلة من قبل منظمات متخصصة محلية ودولية.
فالشعب السوري الذي دفع أثماناً باهظة لاستعادة حريته، هو الأحق بمعرفة كيف تُستثمر موارده.
خامساً، بتوزيع عادل لعائدات النقل.
وهنا نقترح تحديداً أن تحصل كل محافظة تمر عبرها الخطوط الحديدية على نسبة عادلة من إيرادات النقل الناتجة عن عبور أراضيها، تُخصص لصناديق تنمية محلية تُدار بمشاركة المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني.
سادساً، بعقد مؤتمر وطني حول "النقل والتنمية" وألا يكون مؤتمراً حكومياً مغلقاً، بل منصة جامعة للأكاديميين والخبراء والناشطين وممثلي المجتمع المحلي والقطاع الخاص، يخرجون برؤية تشاركية ملزمة للحكومة.
إن هذه المقترحات ليست مثالية، نعلم ذلك.
فالمجتمع المدني السوري اليوم ضعيف ومنقسم، والثقة بين مكونات الوطن متردية، والإرث الثقيل للاستبداد لا يزول بقرار.
لكن البديل هو الاستمرار في سيناريو الاحتواء الذي نعرفه، أو الانزلاق إلى سيناريو التضاد الذي لا يحبه إلا أعداء سورية.
وبالحديث عن مشروع "ممر البحار الأربعة"، الذي هو اختبار حقيقي، نجد المبعوث الأمريكي توماس براك يقول إن سورية تملك "القدرة الجغرافية والجيوسياسية لتكون جزءاً من الحل" لأزمات الطاقة في المنطقة.
وهذا صحيح، لكن القدرة وحدها لا تصنع المستقبل.
إنما الإرادة السياسية الصادقة، والنموذج المؤسسي الشفاف، والعدالة الانتقالية، والمجتمع المدني الذي نعيد بناءه تدريجياً، كلها عناصر لا غنى عنها.
هنا، في تيار المستقبل السوري، نؤمن بأن النجاح الحقيقي لهذه المشاريع سيُقاس بسؤال واحد: هل شعر المواطن السوري، في قريته ومدينته، أن هذه المشاريع جعلته شريكاً، خاضعاً للقانون مع الدولة، وليس خاضعاً للدولة فوق القانون؟
هذا هو جوهر ما دعا إليه رئيس تيار المستقبل السوري د. زاهر بعدراني تحت مفهوم "الشورقراطية" منذ الأشهر الأولى للتحرير وسقوط نظام الأسد: ديمقراطيةٌ توافقيةٌ ذات مرجعيةٍ وطنيةٍ، تقوم على الشورى الحقيقية، والعدل، والعمران، وبناء المؤسسات.
إنها نموذج عملي نبنيه قطاراً قطاراً، ومحطةً محطةً، فوطناً للجميع.
أخيراً، أمامنا فرصة ذهبية، لكنها ليست مضمونة، وهي تحتاج منا جميعاً – قيادة وشعباً، مؤسسات ومجتمعاً مدنياً – أن نضع أيدينا في بعض، ونبني سورية التي تستحق، ويستحق أبناؤها.