يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام التصريحات التي أدلى بها محافظ السويداء الدكتور مصطفى البكور، يوم الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026م، والتي أكد فيها استعداد الدولة السورية للحوار مع أبناء المحافظة، وطرح مختلف الملفات العالقة على طاولة النقاش، مشدداً على أن الحوار لا يمثل تنازلاً من الدولة ولا هزيمة لأبناء السويداء، وإنما وسيلة لمعالجة الخلافات داخل الوطن.
كما تناولت التصريحات الأوضاع الأمنية والمعيشية المتدهورة، وملف المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون، وإجراءات التحقيق والمحاسبة، وخارطة الطريق الخاصة بحل الأزمة، إلى جانب الإعلان عن تنفيذ أعمال ترميم أولية في نحو 20 إلى 25 قرية، تمهيداً لعودة الأهالي إلى منازلهم.
وانطلاقاً من موقفنا الوطني الثابت تجاه وحدة سورية وسيادتها، وحرصنا على صون كرامة جميع السوريين وحقوقهم، فإننا في تيار المستقبل السوري نرى في هذه التصريحات فرصةً لإعادة تحريك المسار السياسي والمجتمعي، شريطة الانتقال من تكرار الدعوات إلى توفير الضمانات العملية لإنجاحها.
أولاً: يرحب تيار المستقبل السوري بتجديد الدعوة إلى الحوار، ويؤكد أن الحوار بين الدولة ومواطنيها ليس تنازلاً من السلطة، ولا انتقاصاً من هيبتها، كما أنه ليس هزيمةً لأي مكوّن اجتماعي أو سياسي.
ونرى أن قوة الدولة تتجلى في قدرتها على استيعاب الاختلاف، ومعالجة المظالم، وحماية الحقوق، لا في فرض الحلول بالقوة أو إقصاء المخالفين.
كما نؤكد أن أهلنا في السويداء جزء أصيل من النسيج الوطني السوري، وأن مطالبهم المشروعة يجب أن تُناقش ضمن الإطار الوطني الجامع، بعيداً عن التخوين والتعميم أو تحميل المجتمع مسؤولية ممارسات أفراد ومجموعات.
ثانياً: يستذكر تيار المستقبل السوري مواقفه السابقة، ولا سيما بيان «محافظ السويداء يدعو للمصالحة الوطنية» الصادر بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2026م، وبيان «دعم دعوة محافظ السويداء إلى تشكيل لجنة حوار وطني جامع» الصادر بتاريخ 24 كانون الثاني/يناير 2026م، واللذين أكدنا فيهما ضرورة تشكيل لجان حوار تمثل مختلف الأطراف، وإطلاق مسار وطني يعالج جذور الأزمة.
وبعد مرور أشهر على تلك الدعوات، نرى أن الحاجة أصبحت ملحّةً لتحديد جدول زمني واضح، وآليات تمثيل عادلة، وضمانات متبادلة، حتى لا يتحول الحوار إلى عنوان سياسي متكرر دون نتائج ملموسة.
ثالثاً: يؤكد تيار المستقبل السوري أن معالجة أحداث السويداء لا يمكن أن تتحقق بتجاوز الانتهاكات أو التغاضي عن حقوق الضحايا، وإنما من خلال مسار قضائي مستقل يضمن محاسبة كل من يثبت تورطه في الجرائم والانتهاكات، أياً كان انتماؤه أو موقعه أو الجهة التي يتبع لها.
ونرى أن المصالحة الحقيقية لا تعني طيّ صفحات الماضي دون إنصاف أصحاب الحقوق، بل تعني منع تكرار المأساة عبر العدالة والمساءلة وجبر الضرر.
كما ندعو إلى استكمال التحقيقات في جميع المناطق، ومعالجة ملفات المفقودين والمختطفين، وتأمين الضمانات اللازمة لعودة المهجرين دون خوف أو انتقام.
رابعاً: يُجدد تيار المستقبل السوري رفضه وجود تشكيلات مسلحة خارج الأطر القانونية ومؤسسات الدولة، كما يرفض في الوقت ذاته أي ممارسات أمنية تتجاوز القانون أو تمس كرامة المواطنين.
ونؤكد أن معالجة هذه المسألة تتطلب خطة وطنية متدرجة، تراعي خصوصية الواقع الاجتماعي، وتوفر الضمانات الأمنية والقضائية، وتمنع الانزلاق إلى مواجهات جديدة.
فالدولة التي ننشدها لا تحتكر القوة لمصلحة سلطة أو جماعة، وإنما تنظم استخدامها بموجب القانون لحماية جميع المواطنين دون تمييز.
خامساً: يحذر تيار المستقبل السوري من خطورة استغلال الأزمة الداخلية في السويداء لفرض ترتيبات أمنية أو سياسية تخدم مصالح قوى خارجية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني المحتل، الذي لا يمكن النظر إلى تدخلاته بمعزل عن أطماعه في الجنوب السوري.
كما نؤكد أن حماية سيادة سورية لا تنفصل عن حماية حقوق مواطنيها، وأن معالجة أسباب الاحتقان الداخلي، وإغلاق أبواب التهميش والتمييز، يمثلان ضرورة وطنية لتحصين المجتمع أمام التدخلات الخارجية.
فالسويداء ليست ورقة تفاوض إقليمي، ولا ساحة لتصفية الحسابات، وإنما محافظة سورية، أهلها شركاء في حاضر الوطن ومستقبله.
سادساً: يُثمّن تيار المستقبل السوري الإعلان عن أعمال الترميم الأولية في عدد من قرى المحافظة، ويرى ضرورة استكمالها ضمن خطة حكومية معلنة، تتضمن إعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، وتأمين الخدمات الأساسية، وتعويض المتضررين، وتوفير الظروف الأمنية والاجتماعية اللازمة لعودة الأهالي.
ونؤكد أن نجاح أي تسوية سياسية يجب أن يُقاس بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وضمان عودتهم إلى منازلهم، واستعادة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
سابعاً: وانطلاقاً مما سبق، يدعو تيار المستقبل السوري إلى:
- تشكيل لجنة حوار وطنية جامعة، تضم ممثلين حقيقيين عن مختلف المكونات والفعاليات المجتمعية في السويداء، بعيداً عن الاحتكار والإقصاء.
- إعلان خارطة طريق محددة المراحل والمواعيد، تتضمن التزامات واضحة وآليات مستقلة لمتابعة التنفيذ.
- استكمال التحقيقات القضائية في أحداث السويداء، ومحاسبة جميع المتورطين بالانتهاكات دون استثناء.
- معالجة ملف المفقودين والمختطفين والموقوفين، وتفعيل آليات التبادل الإنساني والإفراج القانوني بما يصون الحقوق والضمانات القضائية.
- وضع برنامج عاجل لعودة المهجرين وإعادة الإعمار، ونشر تقارير دورية حول نسب الإنجاز والتمويل.
- اعتماد اللامركزية الإدارية والخدمية ضمن إطار الدولة السورية الموحدة، بما يعزز مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها دون المساس بالسيادة الوطنية.
- تحييد المدنيين عن الصراعات المسلحة، ورفض أي تدخل خارجي يستهدف وحدة سورية أو يستغل معاناة أبنائها.
يرى تيار المستقبل السوري أن تصريحات محافظ السويداء تحمل فرصةً ينبغي البناء عليها، غير أن نجاحها لن يُقاس بحسن النوايا أو بتكرار الدعوات، وإنما بقدرة الأطراف المعنية على تحويلها إلى إجراءات ملموسة تعيد الأمن والثقة والحقوق إلى أصحابها.
كما نؤكد أن مسؤولية إنهاء الأزمة لا تقع على الدولة وحدها، ولا على أهل السويداء وحدهم، بل هي مسؤولية وطنية تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والإرادة الصادقة لمعالجتها، والاستعداد لتقديم المصلحة السورية العليا على المصالح الفئوية والشخصية.
كما نؤكد أن استعادة ثقة أهلنا في السويداء بمؤسسات الدولة تشكل ضرورة وطنية، وأن هذه الثقة لا تُفرض بالقوة، ولا تُستجدى بالشعارات، وإنما تُبنى بالعدالة والصدق والشفافية والوفاء بالالتزامات.
فسورية التي تتسع لجميع أبنائها هي وحدها القادرة على حماية وحدتها، والدولة التي تنصف مواطنيها هي الأقدر على صون سيادتها.